المرأة

هل يمكن للرجل ان يكون مناهضا للعنف ضد المرأة؟

28 يونيو 2021

ماتزال مشكلة العنف الموجه ضد المراة من المشكلات التي لم تجد طريقها إلى الحل، برغم ما تبذله المنظمات النسوية والمدافعين عن حقوق الإنسان بشكل عام من جهود تسهم في تقليل معدلات العنف التي تتعرض لها المرأة في العراق، ونشر الوعي بمخاطر هذا العنف وتأثيراته النفسية والاجتماعية على المراة بشكل خاص والمجتمع بشكل عام.

وبحسب الدراسات والبحوث والمسوحات الميدانية التي أجرتها منظمات المجتمع المدني المعنية بالدفاع عن قضايا المرأة، فإن صورة الرجل بوصفه مُعنفا لاتزال راسخة في الذاكرة المجتمعية، لأسباب عديدة توردها تلك الدراسات.

ولعل من أبرزها الثقافة الذكورية والعادات والتقاليد والأعراف التي اسهمت في تنامي ظاهرة العنف ضد المرأة.

بالمقابل، يبرز السؤال الذي طالما أثير، وهو "هل يمكن للرجل أن يكون مناهضا للعنف ضد المرأة ويمحو صورة المُعنف من الذاكرة المجتمعية؟".

تقول الحقوقية والناشطة النسوية بشرى العبيدي لموقع (ارفع صوتك)، "يمكن للرجل أن يكون مناهضا للعنف والتمييز ضد المرأة، ويوجد الكثير من المناصرين لقضايا المرأة هم شركاء لنا في حركتنا النسوية، وأسهموا بشكل واضح في دعم الحركة من خلال البحوث والدراسات والاستشارات التي تساعد على مواجهة مشكلة العنف الموجه ضد المرأة في العراق".

وتتوقع العبيدي ارتفاع أعداد الرجال المناهضين للعنف ضد المرأة، لافتة إلى أن هذا الارتفاع "مقارنة بالسنوات السابقة وبخاصة بين أوساط الشباب، يعد تطورا واضحا في وعيهم المجتمعي الذي بات رافضا لممارسة العنف ضد النساء".

وتؤكد العبيدي أن" ترسيخ قيم الديمقراطية في العراق يتطلب نشر الوعي بمفهوم الشراكة المجتمعية بين الرجل والمرأة، والتأكيد على على أنهما عنصران وشريكان أساسيان في بناء الدولة وإدارتها بعيدا عن التمييز".

وتتابع، "تعزيز مفهوم الشراكة بين الرجل والمرأة يتطلب العمل على اعتماد التكافؤ في فرص العمل بينهما، وعدم إبراز دور أحدهما على حساب الآخر".

ويرى المتخصص في علم الاجتماع أحمد الذهبي أن "دفع الرجال إلى تبني قضيا الدفاع عن المرأة بشكل عام، ومناهضة العنف ضدها بشكل خاص بحاجة إلى نشر الوعي بأهمية هذا الدور الاجتماعي الذي يقع على عاتق الرجال، والذي سيسهم في محو الصورة النمطية الراسخة في الذاكرة المجتمعية عن الرجل بوصفه مُعنفا للمرأة".

ويضيف الذهبي في حديث لموقع (ارفع صوتك)، أنه "لابد للمؤسسات الثقافية والإعلامية لعب دورها في هذا الموضوع، من خلال تسويق صورة الرجل بوصفه مناصرا للمراة وشريكا أساسيا لها في مختلف نواح الحياة".

حملة وطنية

وتواصل المنظمات المدنية التي تعنى بقضايا المرأة جهودها للضغط على صناع القرار في العراق لتشريع قانون مناهضة العنف الأسري، الذي عرض على مجلس النواب منذ عام 2015 ولم يتم التصويت عليه حتى الآن.

وسعى مركز تطوير الأرامل، أحد منظمات المجتمع المدني في العراق، خلال الشهرين الماضيين إلى تنظيم حملة أطلق عليها "حملة دفع" الرامية إلى تحشيد الرأي العام من خلال الشخصيات السياسية والثقافية والقانونية والنشطاء المدنيين، للضغط على مجلس النواب من أجل الإسراع بتشريع قانون مناهضة العنف الأسري.

وتقول منى جعفر منسقة الحملة لموقع (ارفع صوتك) إن "منظمات المجتمع المدني التي تعنى بقضايا المرأة مستمرة منذ عام 2011 وحتى الآن بالعمل على حث المؤسسة التشريعية على تشريع هذا القانون، وإن حملة دفع تأتي في إطار مواصلة الضغط على صناع القرار للإسراع بتشريع هذا القانون".

وبينت جعفر أن حملة دفع تنقسم إلى عدة محاور، منها "التحشيد المجتمعي الذي يعتمد على فريق من المحاميين سيتولى مهمة دراسة الإحصائيات الصادرة عن الجهات القضائية ومديريات العنف الأسري ومراكز الشرطة في عشر محافظات مختلفة والتي تبين معدلات العنف الموجه ضد النساء".

فيما يركز المحور الثاني من الحملة على أصحاب القرار السياسي، حيث سيتم اعتماد التقارير ومحاضر الاجتماعات التي يتولى إعدادها مستشارين في المجالين الاجتماعي والقانوني استنادا إلى اللقاءات والمناقشات مع أصحاب القرار، وستضمّن مخرجات هذه اللقاءات في تقرير نهائي يقدم إلى مجلس النواب، بهدف الضغط للإسراع بإقرار قانون مناهضة العنف الأسري.

وتضيف جعفر أن حملة دفع ستتضمن أيضا "إقامة المنتديات الحوارية التي تستهدف مختلف الشخصيات المدنية والسياسية التي لها تأثير في صناعة الرأي العام والقرار السياسي، وتهدف هذه الحوارات إلى التعرف على وجهات النظر الاجتماعية والنفسية التي تتعلق بموضوع العنف الأسري، والتحديات التي تحول دون إقرار قانون مناهضة لهذا العنف".

وتلفت منسقة "حملة دفع" إلى أن "ارتفاع معدلات العنف ضد النساء في الآونة الأخيرة، التي تستند إلى الإحصائيات الصادرة عن المؤسسات القضائية ومحاكم الأحوال الشخصية ومديريات العنف الأسري، دفع مركز تطوير الأرامل إلى القيام بهذه الحملة".

بيانات واحصائيات

وقدمت منى جعفر لموقع (ارفع صوتك) إحصائيات وبيانات عمل عليها فريق الرصد القانوني خلال الشهر الجاري، وأشارت تلك الاحصائيات إلى:

- 62 حالة عنف تم رصدها من سجل الشكاوى في مركز شرطة العنف الأسري في محافظة صلاح الدين منذ بداية العام 2021.

- 20 حالة عنف اسري تم رصدها في محكمة الأحوال الشخصية في محافظة كربلاء، كانت تحت مسمى التفريق للضرر والتفريق للهجر من شهر مارس الماضي.

- رصد حالتين فقط خلال مراجعة مركز الأسرة في مدينة العشار بمحافظة البصرة.

- 15 حالة طلاق بسبب العنف الأسري من الشريك ضد الزوجة في محكمة الأحوال الشخصية في مدينة الحلة بمحافظة بابل.

- 23 حالة تفرق للضرر، بالإضافة إلى دعوى طلاق بسبب العنف الواقع على الزوجة من قبل الشريك في محافظة النجف.

واشارت جعفر إلى أن "الإجراءات الروتينية حالت دون تمكن فريق الرصد القانوني للحملة من جمع البيانات في محافظات الموصل وكركوك وذي قار.

وكانت مجموعة من المنظمات المحلية في العراق قد استهدفت عام 2009 وبالشراكة مع عدد من المنظمات العربية من مختلف الدول العربية إعداد دليل تدريبي يهدف إلى وضع أدوات مشاركة الرجال في استراتيجيات دعم برامج مناهضة العنف ضد المرأة، في إطار المساع المدنية الرامية إلى مواجهة مشكلة العنف الموجه ضد النساء وآثاره النفسية والاجتماعية عليهن.

مواضيع ذات صلة:

من تظاهرة في بغداد رافضة للتعديلات المقترحة على قانون الأحوال الشخصية- تعبيرية
من تظاهرة في بغداد رافضة للتعديلات المقترحة على قانون الأحوال الشخصية (8-8-2024)- تعبيرية

على خلفية انتقادها التعديلات المطروحة على قانون الأحوال الشخصية العراقي، تعرضت المحامية قمر السامرائي لحملة إهانات و"تسقيط" بشخصها وكرامتها وأنوثتها وسيقت بحقها اتهامات عديدة تقول سامرائي إنها كلها "مفبركة وغير صحيحة والهدف منها النيل من سمعتي وإسكاتي".

الغضب من سامرائي أتى بعد تصريحات تلفزيونية أدلت بها المحامية العراقية في برنامج حواري اتهمت فيها الساعين إلى تعديل قانون الأحوال الشخصية بأنهم يطبقون الشريعة الإسلامية فقط عندما يتعلق الأمر بالمرأة وحقوقها، ولا يطبقونها في باقي المسائل. 

وأضافت السامرائي "إذا كان الهدف تطبيق الشريعة الإسلامية في العراق، فلا داعي بعد الآن للمحاكم والقضاء المدني".

الملفت في النقاش حول قضية قانون الأحوال الشخصية، وفي نقاشات أخرى، أن الناشطات يتحولن إلى هدف لـ"التسقيط" الشخصي والإساءة والتنمر، بدل مواجهة الرأي بالرأي المضاد. 

ويتعرض كثير من معارضي مقترح تعديل القانون لاتهامات بـ"الابتعاد عن الدين"، و"التشكيك بالشرف"، أو بأنهم "أبناء السفارات"، كما جرى اتهام الناشطات بأنهن "ممثلات مبتذلات وراقصات".

السامرائي تقول في حديث مع "ارفع صوتك" حول ما تعرضت له "من المؤسف أنهم (تقصد المشرّعين الذين يحاولون تعديل قانون الأحوال الشخصية) يطبقون الدين بما يناسبهم، ويتخذون من الإسلام غطاءً لتحقيق أجنداتهم السياسية".

وتتابع: "ليس لديهم أي حجج للإجابة على الحجة بالحجة، بل هم يكررون سرديات خطيرة من مثل تشريع زواج القاصرات".

وترى السامرائي أن الحملة عليها ليست بسبب اعتراضها على تعديل قانون الأحوال الشخصية، بل يتعدى ذلك إلى موقفها من ملفات أخرى بينها قانون العفو العام.

تثق السامرائي بأن القانون العراقي قادر على حمايتها، مشيرةً إلى أنها ستتقدم بشكاوى قضائية لملاحقة مَن يقف وراء الحسابات الوهمية التي عملت على تشويه سمعتها، وستطالب بتعويضات مالية.

وهي تعتقد أن "الميليشيات الولائية وراء الحملة عليها"، مردفةً "لا أخشى التهديدات بالأذى الجسدي التي وصلتني، لأنني أؤمن أن حياتي بيد الله.. وأفضل أن أموت بطلة لا جبانة" على حد تعبيرها.

في الوقت نفسه، لا تتوقع السامرائي أن تنجح المساعي لإقرار التعديلات المطروحة على قانون الأحوال الشخصية، لأن الاعتراضات عليها كبيرة جداً داخل المجتمع العراقي.

تشرح الناشطة الحقوقية رؤى خلف لـ"ارفع صوتك" آلية عمل المجموعات والحسابات الوهمية المنظمة التي تهاجم الناشطات: "هذه المجموعات تقوم في أحيان كثيرة باقتطاع أجزاء من مقابلات مع الناشطات منزوعة من سياقاتها، ثم توزيعها ونشرها عبر حسابات وهمية على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تقوم الآلاف من هذه الحسابات بتسقيط الناشطات والتعرض لهنّ بشكل شخصي".

تحكي خلف عن تجربتها الشخصية: "قامت مجموعات مماثلة بنشر مقاطع لي مع تنسيبي، بسبب رأيي، إلى حزب البعث أو أي من المسميات الأخرى المكروهة اجتماعياً". 

وهذا الأمر، كما تقول خلف، تتعرض له معظم الناشطات بسبب آرائهن المتحررة والمعارضة للمنظومة الحاكمة.

"لذلك يجب دعم النساء عندما يتعرضن لهذا النوع من الحملات، لأن الناشطات في هذه الحالات يأخذن على عاتقهن شجاعة قول الحق مع معرفتهن المسبقة بالثمن المترتّب عليه، وإدراكهن لمخاطر الحملات التي سيتعرضن لها مع عائلاتهن بالنتيجة" تتابع خلف.

Iraqis Shiite Muslim worshippers gather outside the of Imam Moussa al-Kadhim shrine, who died at the end of the eighth century,…
كان "سابقاً لعصره".. خلفيات إقرار قانون الأحوال الشخصية العراقي 1959
أعاد النقاش حول قانون الأحوال الشخصية في العراق إلى الواجهة، الظروف الاجتماعية والسياسية التي أدت إلى صدور القانون المعمول به حالياً في عام 1959، خصوصاً بعد المطالبة بتعديله من قبل نوّاب من كتل سنيّة وشيعية في البرلمان.

من جهتها، تفنّد الناشطة الحقوقية أنسام البدري لـ"ارفع صوتك" أسباب تعرّض النساء العراقيات المتحررات اللواتي ينادين بحقوق الإنسان وحقوق المرأة، دائماً لحملات ممنهجة من قبل جهات نافذة وأصحاب أموال، وذلك ببساطة "بسبب وقوفنا في وجه مواقفهم وتصرفاتهم ضد النساء وحقوقهن في بلدنا" بحسب تعبيرها.

تعطي البدري مثالاً على ذلك "محاولتهم الأخيرة تعديل قانون الأحوال الشخصية الحالي الذي يعتبر من القوانين الرصينة، وأحد المكاسب القليلة للمرأة في العراق، وهو من أفضل القوانين في المنطقة".

وتبيّن: "على خلفية موقفنا من هذه التعديلات تعرضتُ على الصعيد الشخصي لحملات تسقيط شبيهة للتي تعرضت لها المحامية قمر السامرائي، وشاركتْ فيها للأسف إحدى النائبات التابعات لأحد الأحزاب الداعمة للتعديلات على القانون، بسبب معارضتي لتعديل المادة ٥٧ من قانون الأحوال الشخصية المتعلقة بالحضانة".

"هذه الحملات صعبة جداً على الصعيد النفسي وآثارها مدمرة"، تقول البدري، والسبب أنه "يصعب التعامل معها بسهولة خصوصا إذا أتت من حسابات وهمية".

الأمر بالنسبة للنساء في العراق لا ينتهي بانتهاء موجة التشويه و"التسقيط"، إذ يبقى أثرها يلاحقهن. 

تقول البدري "المجتمع محافظ ويرفض التغيير ويواجه أي آراء فيها شحنات من الحرية بالتنمر على أشكال أو ملابس او تبرّج الناشطات والدخول في حياتهن الشخصية، وليس هناك سند أو دعم لهن في مواجهة هذه الحملات".

وتؤكد غياب أي آلية قانونية تحمي حق الناشطات في التعبير عن آرائهن بحرية، وملاحقة من يتعرضون لهنّ عبر هذه الحملات، موضحةً "ليس هناك أي قوانين تحمي المدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان، لكننا بدأنا التأقلم مع هذا النوع من الحملات، ونتوقع ردود الفعل بعد أي ظهور إعلامي نقوم به في قضايا تتعلق بحرية النساء أو حقوق الإنسان".

في ختام حديثها، تؤكد خلف "هم يريدون بهذه الحملات أن يسكتونا، لكن لن نسمح لهم بذلك".