لم تدرك حنان حاكم (43 عاماً) أن زواجها بعقد رجل دين، سيدفعها إلى البحث لأكثر من شهر لمن يجري لها عملية إجهاض.
تقول لـ "ارفع صوتك"، إن "ارتباطها كان بالسر، وشريكها الذي كانت تعمل معه في نفس المطبعة عام 2011 لم يوافق على الحمل آنذاك، وطلب منا إجهاض الجنين".
وتضيف حنان، وهي من العاصمة بغداد، أنها "واجهت تحديات كثيرة، منها أن شريكها رفض الاعتراف بالحمل، فضلا عن خوفها من أهلها وعشيرتها وكذلك من وصمة العار لأن زواجها كان سراً".
وتشير إلى أن أكثر ما كان يشغلها آنذاك "عقاب عشيرتها إذا ما عرفت بارتباطها سراً، حتى وإن كان بعقد رجل دين.
"قد يتم قتلي للتخلص من هذا العار، حيث سينظرون إليّ بأنني جالبة للعار والفضيحة"، تتابع حنان.
وبعد عناء طويل، وفق تعبيرها، أجرت حنان عملية الإجهاض، على يد قابلة غير مرخصة قانونياً، مقابل مبلغ "كبير" من المال.
وتصفها بـ"التجربة المخيفة"، كما أدى ذلك للانفصال بينها ووالد الجنين.
سلطة القانون
تقول المحامية تغريد هلال لـ"ارفع صوتك"، إن "القانون أجاز الإجهاض للمرأة في حال خشيتها العار وتلافي القتل بسبب الفضيحة".
يجرّم القانون العراقي الإجهاض بصورة عامة. وبحسب أحكام المادة (417) من قانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة (1969) المعدل "تعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة وبغرامة لا تزيد على مائة دينار أو بإحدى هاتين العقوبتين كل امرأة أجهضت نفسها بأية وسيلة كانت أو مكّنت غيرها من ذلك برضاها. ويعاقب بالعقوبة ذاتها من أجهضها عمدا برضاها".
ولكن "أجاز المشرع العراقي ظرفاً قضائياً مخففاً إذا أجهضت المرأة لنفسها اتقاء للعار، إن كانت قد حملت به سفاحاً وكذلك الأمر في هذه الحالة بالنسبة لمن أجهضها من أقربائها إلى الدرجة الثانية".
"لكن المشكلة ليست بالقانون والقضاء وإمكانية إجازته لعمليات الإجهاض لدرء العار أو تخفيف عقوبتها، إذ تتعلق بالمجتمع وسلطة العشيرة والأهل"، ترى المحامية هلال.
وتشير إلى أن القانون "يتسامح مع مسألة (غسل العار) أو قتل المرأة الحامل بالسفاح ويعدها مسألة عائلية خاصة، بل لا يقوى على الوقوف ضد سلطة العشيرة في هذا الشأن".
وبين الحين والآخر تعثر الشرطة العراقية على طفل حديث الولادة يتم تركه من قبل مجهولين في منطقة ما.
وتعلق هلال على ذلك، بقولها "خوف الأم من القتل (غسلا للعار)، فحين لا تفلح في إجهاض الحمل، تضطر للتخلص من الطفل بعد الإنجاب مباشرة".
وتؤكد أن هذه "مشكلة كبيرة ضحيتها الطفل الذي لن يتربى أو يعيش حياة سوية، فلو كان القانون يشرع الإجهاض بشكل عام لما حدث ذلك".
الأوضاع الاقتصادية
مشكلة الإجهاض غير القانوني لا تتعلق فقط في مسألة السفاح أو الارتباط بعيداً عن الزواج القانوني أو الشرعي، بل هناك صعوبات اقتصادية واجتماعية تدفع كثيراً من المتزوجات إلى الإجهاض، وفق ما تقول زينب ناظم، وهي باحثة دكتوراة في علم الاجتماع النفسي.
وتضيف لـ"ارفع صوتك"، أن "وسائل منع الحمل عادة غير متاحة لجميع النساء، خاصة أنها نادراً ما تكون متوافرة بالمجان في المراكز الصحية للإنجاب أو المستشفيات الحكومية".
وتتابع ناظم أن "الكثير من النساء يتم تزويجهن قسرياً، وأغلبهن قاصرات، نتيجة الأوضاع الاقتصادية الصعبة لعوائلهن".
"هذا النوع من الزواج تزايد في الأعوام الأخيرة بسبب الأزمات الأمنية وغياب الاستقرار في البلاد، وتبعاتها من معارك وإرهاب ونزوح وتشريد، إضافة لتفشي فيروس كورونا"، تبيّن ناظم.
وحسب ناظم، أصبح الزواج ضمن هذه الظروف "فرصة لمساعدة عوائل هذه الفتيات أو النساء، بالمعيشة، لذا نجد أزواجهن في الغالب يرفضون الإنجاب أو يمانعون الحصول على أطفال منهن".
وتؤكد أن هذه الزيجات "غير ناجحة ولا تستمر لأنها مشروطة بالبداية بعدم الإنجاب، وإذا حدث الحمل، فإن عائلة المرأة وشريكها يدفعون حياتها للخطر مقابل التخلص من الجنين، دون أية إنسانية".
هل هو حق للمرأة؟
ويهد العالم جدلاً حول ما إذا كان الإجهاض يندرج تحت إطار حق المرأة بالتصرف بجسدها أو إن كان يجب منعه لمخالفته تعاليم دينية ولاعتباره بمثابة "جريمة قتل".
إيمان سيدة عراقية تزوّجت سرا ولجأت للإجهاض حين رفض زوجها أن تحتفظ بالجنين. وتشير إلى أن الإجهاض كان "خيارها الوحيد" في علاقة أقيمت خارج المحكمة، فيما زوجها كان "يخاف على علاقته بأبنائه من الزوجة الأخرى، وكان مستعداً للتضحية بي مقابل ألاّ يعرف أحدهم خبر زواجه"، على حد تعبيرها.
وتدافع المحامية ابتسام ناظم عن حق المرأة العراقية في اختيار القرار الأنسب لها من حيث اللجوء إلى الإجهاض أو الاحتفاظ بالحمل من دون الحصول على إذن أحد.
وتقول ناظم لـ"ارفع صوتك" إن "القانون وأحكامه المتعلقة بالإجهاض لا يدعم المرأة ولا يحفظ حقوقها. بل يتيح التحكم بجسد المرأة ورغبتها ويجيز لكل من المجتمع والرجل والسلطة تدميرها في حال تعرضها للاغتصاب أو عند زواجها بعيدا عن المحكمة".
وتوضح "يفرض الزواج خارج المحكمة على الكثير من النساء ممارسة الإجهاض، بما في ذلك الزواجات السريّة، إذ دائما ما يعاقب الشريك شريكته التي لم تجهض الجنين بالانفصال عنها وعدم الاعتراف بنسب الطفل".
وهذا الأمر حسب ناظم، يعرّض حياة المرأة للخطر، لأن إمكانية إجراء عمليات الإجهاض لن تكون إلا في أماكن غير قانونية أو صحية.
