من تونس والأردن ولبنان.. أصوات مناهضة للعنف ضد النساء
على الرغم من الحملات المستمرة والنشاطات التوعوية التي تقام سنويا، والجهود الكبرى التي تبذل من قبل المنظمات النسائية، والمجتمع المدني، والعديد من الحكومات، للحد من العنف المتزايد ضد النساء في العالم، إلا أن نسب حوادث العنف ضد النساء لا تزال خطيرة ومقلقة.
وتبقى من أكثر انتهاكات حقوق الإنسان انتشارا وتدميرا، ولا يزال أثرها وحجمها الكامل غير معلوم، بسبب ما يحيط به من ظواهر الإفلات من العقاب وصمت الضحية والوصم المجتمعي.
وتُظهر الجهود المبذولة لمنع العنف ضد المرأة وإنهائه على المستويات العالمية والإقليمية والوطنية، أن هناك إفلاتا واسع النطاق من العقاب على العنف الجنسي والاغتصاب، حسب بيانات الأمم المتحدة.
وتتعدد مسببات العنف من التدهور الاقتصادي، والنزاعات والحروب، وحركات النزوح والتهجير القسري، والحجر المنزلي بسبب فيروس كورونا، واضطرار الكثيرين للعمل من المنزل، بالإضافة إلى وجود عادات اجتماعية وتقاليد منتشرة في بعض المناطق تشجع العنف على النساء، بل وتقدم التبريرات له أحيانا.
ويأخذ العنف ضد النساء أشكالا عديدة، ولا يقتصر على العنف الجسدي والعنف الجنسي، فهناك العنف النفسي وهو يوازيه من حيث الخطر، والعنف اللفظي كالتهديد والابتزاز، والعنف الاقتصادي كالحرمان المادي، إضافة لحجز الحرية والحرمان العاطفي.
يضاف إليها، العنف الاجتماعي كالزواج القسري وزواج الأطفال وتشويه الأعضاء التناسلية والاتجار بالبشر، وكذلك الابتزاز الإلكتروني.
بعض هذه الممارسات يخرج إلى العلن فيما تبقى النسبة الأكبر خلف جدران الصمت؛ نتيجة خوف الضحية من سطوة المعنف أو الخوف من الوصمة في بعض البلدان، إضافة إلى جهل الضحية بالقوانين الرادعة في حال وجودها.
وتتضاعف حوادث العنف على فئات معينة من النساء ويعتبرن معرضات للخطر بشكل أكبر، وهن المهاجرات واللاجئات والمتأثرات بالأزمات الإنسانية، ونساء الأقليات العرقية، وذوات الاحتياجات الخاصة، ومن يوصفن بأنهن مثليات أو مغايرات الهوية الجنسانية.
وتؤثر حوادث العنف ضد المرأة على صحتها النفسية والجنسية والإنجابية في جميع مراحل حياتها، وتشكل حاجزا في سبيل تحقيق المساواة والتنمية.
وبمناسبة اليوم الدولي للقضاء على العنف ضد النساء، الموافق الخميس 25 نوفمبر 2021، أطلقت الأمم المتحدة حملة "اتحدوا" التابعة للأمين العام للأمم المتحدة لإنهاء العنف ضد المرأة.
وهي حملة متعددة السنوات تهدف إلى منع العنف ضد المرأة والفتاة والقضاء عليه بحلول عام 2030، وتمتد نشاطات الحملة التوعوية لـ 16 يوما، بدءا من 25 نوفمبر حتى 10 ديسمبر، الذي يتزامن مع حلول اليوم العالمي لحقوق الإنسان.
أخطر البلدان على النساء
في دراسة حديثه لمعهد "جورج تاون" حول مؤشر الحماية والأمان للمرأة (The Index – GIWPS)، صدرت أكتوبر الماضي، بالاعتماد على مصادر بيانات معترف بها، لقياس إدماج المرأة والعدالة والأمن في 170 بلداً، تم تحديد أكثر البلدان عنفا على النساء في العالم، وفقاً لمؤشرات: عنف الشريك، العنف المجتمعي، العنف المنظم، الأمن المجتمعي، المعايير التميزية والتمييز القانوني.
والدول الأكثر خطورة حسب الترتيب: أفغانستان، سوريا، اليمن، باكستان، العراق، جنوب السودان، تشاد، جمهورية الكونغو الديمقراطية، السودان، سيراليون.
أما الأقل خطورة بالترتيب، فهي: النرويج، فنلندا، أيسلندا، الدنمارك، لوكسمبورغ، سويسرا السويد، النمسا، المملكة المتحدة، هولندا.
وحول الآثار الصحية للعنف ضد النساء، أظهرت بيانات وإحصاءات منظمة الصحة العالمية، التالي:
1- عواقب مميتة مثل القتل أو الانتحار.
2- 42% من النساء المعنفات يتعرضن لإصابات.
3- النساء اللاتي اعتُدي عليهن بدنياً أو جنسياً تعرضن للإصابة بعدوى مرض منقول جنسياً، بمقدار 1.5 مرة أكثر من النساء اللواتي لم يتعرضن لعنف الشريك الجنسي، ,يُرجح أن يتعرضن للإجهاض بواقع مرتين أكثر من سواهن.
4- المرأة المعنّفة أكثر عرضة بنسبة 16% للإجهاض التلقائي وبنسبة 41% للولادة قبل الأوان.
5- الإصابة بالقلق والاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة.
الزواج من المغتصب
في تقرير لصندوق الأمم المتحدة للنساء، صدر في أبريل الماضي، تبيّن أن حوالي نصف النساء في 57 دولة "لا يتمتعن بالقدرة على اتخاذ قرارات بشأن الرعاية الصحية، أو وسائل منع الحمل أو الحياة الجنسية".
وهذا يعرّض أعدادا قياسية من النساء والفتيات لخطر العنف القائم على النوع الاجتماعي والممارسات الضارة مثل الزواج المبكر.
وأضاف التقرير أن نحو 20 دولة أو منطقة لديها ما يسمى بقوانين "الزواج من المغتصب"، حيث يمكن للرجل الإفلات من الملاحقة الجنائية إذا تزوج من امرأة أو فتاة اغتصبها، في حين أنه ليس لدى 43 دولة أي تشريعات تتناول قضية الاغتصاب الزوجي.
وأوضح كيف يمكن للجهود المبذولة للتصدي للانتهاكات أن تؤدي إلى مزيد من الانتهاكات للاستقلالية الجسدية، على سبيل المثال، في الملاحقة القضائية في قضية اغتصاب، قد يطلب نظام العدالة الجنائية من الناجية أن تخضع لما يسمى بكشف العذرية.
تخليدا لذكراهن تحتفل الأمم المتحدة باليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة.. تعرف على قصة ثلاث الشقيقات ميرابال pic.twitter.com/jDxGjw2iah
— IrfaaSawtak ارفع صوتك (@IrfaaSawtak) November 25, 2021
قضايا العنف في المنطقة العربية
تقول لورا صفير ، وهي رئيسة الهيئة اللبنانية لمناهضة العنف ضد المرأة، لـ"ارفع صوتك"، إن المفاهيم المرتبطة بالعنف القائم على النوع الاجتماعي "لا تزال سائدة في المجتمع العربي عموماً، وتعود إلى ثقافة تكرس حق الرجل في ممارسة العنف ضد المرأة، انطلاقاً من السلطة الممنوحة له اجتماعيا، بالتسلط عليها والتعامل معها بفوقية وقسوة باعتبارها أقل شأنا منه وملكية خاصة له".
"وما زالت المرأة أيضاً، تعاني من كافة أشكال التمييز والعنف الممارس ضدها، جسدياً وجنسياً ولفظياً ومعنوياً، وصولاً إلى الاغتصاب والقتل، في ظل ظروف صحية سيئة خصوصاً مع جائحة كوفيد 19، وأوضاع اقتصادية ومالية وسياسية وأمنية، أدت إلى الانهيار شبه الكلّي في بلادنا"، توضح صفير.
وتؤكد أن هذه الظروف "انعكست على الوضع المعيشي للأسر، فاضطربت خلالها العلاقات الأسرية وأدت إلى ازدياد حالات العنف ضد النساء والفتيات، كونهن من الفئات المهمشة".
وزاد من حدّة هذه الأزمة في لبنان انفجار مرفأ بيروت (أغسطس 2020) الذي أرخى بثقله على كافة المواطنين لاسيما النساء والفتيات.
وأشارت أرقام رسمية إلى ازدياد نسبة البطالة لدى اللبنانيين وارتفعت معها أعباء العمل على المرأة، وتغير روتين حياتها فأصبحت تقضي ساعات طويلة تمارس الطبخ والتنظيف وأمور الرعاية الصحية والتعليمية، وغيرها من الأمور التي فرضتها الفوضى بتواجد كافة أفراد الأسرة لوقت طويل داخل المنزل خلال أزمة كورونا، ناهيك عن انتقال عمل المرأة من خارج المنزل إلى داخله عبر العمل عن بعد.
تتابع صفير : "خسرت العديد من النساء اللبنانيات وغير اللبنانيات (المهاجرات والنازحات) وظائفهن أو أصبحن يتقاضين نصف أجورهن، كما دفع تردي الأوضاع المعيشية وانخفاض القيمة الشرائية لهجرة العديد منهن خارج لبنان".
وأدت جميع هذه الظروف إلى الارتفاع بنسب العنف القائم على النوع الاجتماعي وازدياد نسبة التبليغات بنسبة تراوحت بين 100% و180% شهرياً على الخط الآمن لقوى الأمن الداخلي في لبنان، وتراوحت بين 50% و100% على الخطوط الآمنة للجمعيات المختصة بمناهضة العنف ضد المرأة.
مع العلم بأن هذه التبليغات لا تعكس الصورة الحقيقية للعنف بسبب تردد النساء في التبليغ من ناحية، وبسبب عدم قدرتهن على الاتصال والتبليغ من ناحية أخرى.
وحول موضوعة العنف الإلكتروني، تبيّن صفير: "ازدادت نسبته إلى 130% عند النساء والفتيات اللواتي تتراوح أعمار معظمهن بين 12 و24 سنة. ويقدر معدل عدد حالات العنف الإلكتروني 100 حالة يتم التبليغ عنها شهريا، وقد يكون الواقع أسوأ بسبب صعوبة التبليغ لدى البعض منهن، فيتعرضن للتهديدات مباشرة أو بشكل غير مباشر باستخدام العنف الجسدي أو الجنسي، وتتعرض المرأة لمضايقات وانتهاكات الخصوصية عبر نشر معلومات شخصية عبر الإنترنت بقصد إلحاق الأذى بها ونشر صور حميمة دون موافقتها".
وترى أن الواقع "كان سيئا وازداد سوءاً مع تفاقم الأزمات"، مردفةً "الواقع الاجتماعي والقانوني للنساء مظلم، ويكرس التمييز ضدها ثقافيا واجتماعيا، ويتجلى في القوانين المجحفة بحقها في قوانين الأحوال الشخصية وبعض مواد قانون العقوبات اللبناني، وعدم السماح للمرأة اللبنانية بمنح جنسيتها لأفراد أسرتها، وعدم تحديد سن الزواج ورغم إقرار قانون لحماية النساء وسائر أفراد الأسرة من العنف الأسري".
وكانت الهيئة اللبنانية لمناهضة العنف ضد المرأة أصدرت في الفترة الممتدة من يناير 2021 لغاية أكتوبر 2021 إحصائيات للعنف ضد المرأة في لبنان، جاءت كالآتي:
1- اغتصاب 4.08%
2- اعتداء جنسي 8.16%
3- اعتداء جسدي 43.3%
4- طلب إعانات 11.7%
5- عنف معنوي 32.65%
وتقول صفير لـ"ارفع صوتك"، إن الجمعيات المتخصصة في مناهضة العنف ضد المرأة تقوم بجهود جبارة في هذا المجال، وأصبح لديها مساحات آمنة لاستقبال النساء الناجيات من العنف، مثل الهيئة اللبنانية لمناهضة العنف ضد المرأة، ولديها 5 مراكز لمساحات آمنة وثابتة للناجيات من العنف، (مركز في بيروت وأربع مراكز في طرابلس).
بالإضافة إلى مساحات آمنة متنقلة في مناطق مختلفة في الشمال اللبناني، تقدم الخدمات المتخصصة للنساء، من قبل أخصائيات وعاملات اجتماعيات يتلقين الاتصالات عبر الخط الآمن ويقدمن المساعدة للناجية من العنف مع احترام السرية الكاملة، وتتلقى الناجيات من العنف الدعم النفسي و الفردي والجماعي، كما يتلقين الاستشارة القانونية والمتابعة في المحاكم، وفق صفير.
وتلفت إلى أن النساء وعبر هذه المراكز "يستفدن من جلسات التوعية حول حقوقهن ومواضيع هامة مثل التحرش الجنسي والزواج المبكر وطريقة التعاطي مع الأولاد والمراهقين".
كما يخضعن لدورات إسعافات أوليه ودورات عن الصحة الإنجابية والمهارات الحياتية، ويستفيدن من المعلومات القانونية اللازمة المرتبطة بالطلاق والحضانة والنفقة وضرورة تثبيت الزواج وتسجيل الولادات.
ويتم استعمال كافة الوسائل لتعزيز ثقة النساء بأنفسهن وخلق حسن التواصل والتفاوض وتقدير الذات وكيفية التعاطي مع الغضب، واستخدام الفن كوسيلة من الوسائل مثل الدراما والمسرح والرسم والموسيقى، فيكتشفن المهارات التي تساعدهن في تطوير حياتهن الشخصية وحل مشاكلهن، عبر اكتسابهن المعلومات الإضافية عن النوع الاجتماعي والمساواة بين الجنسين وكل القضايا المرتبطة بهما.
وتشير صفير إلى أن جميع الأخصائيات يخضعن لدورات تدريبية متخصصة، ويمتلكن المهارات والخبرة اللازمة لمساندة الناجيات من العنف في مختلف المجالات. وهذا ما يعزز الثقة لدى النساء والفتيات الناجيات للتبليغ عن العنف، وطلب المساعدة والحماية من المعنف.
وتقول "تقوم الجمعية بورش العمل التوعوية والتدريبية وتنفيذ الطاولات المستديرة خلال حملات المناصرة والدعم لمساعدتها في الضغط على صناع القرار، وإقرار القوانين وتحقيق العدالة للنساء، كما تقوم الجمعية بجهود جبارة للحد من العنف عبر العمل على تغيير الذهنية الثقافية في المجتمع، والتي تكرس ثقافة العنف ضد المرأة، وتعمل في الوقت نفسه على الإصلاحات القانونية للإلغاء كافة أشكال التمييز ضد المرأة، وتحقيق العدالة انطلاقا من قناعتنا بأن ثقافة المجتمع والقوانين غير الرادعة يؤثران بشكل مباشر على العنف".
أما الخطوات المطلوبة لوقف العنف، فتلخصها رئيسة الهيئة اللبنانية لمناهضة العنف ضد المرأة، بالآتي:
1- التزام لبنان بالاتفاقيات الدولية التي وقع عليها والمتعلقة بحقوق الإنسان، وباتفاقية إلغاء جميع أشكال التميز ضد المرأة.
2- العمل على قانون مدني الأحوال الشخصية.
3- إلغاء القوانين المجحفة بحق النساء والقيام بالإصلاحات القانونية اللازمة لتحقيق العدالة للنساء.
4- إدراج موضوع حقوق الإنسان والمساواة الجنادرية في المناهج الدراسية.
5- تطبيق الإستراتيجية الوطنية التي وضعتها الهيئة الوطنية لشؤون المرأة اللبنانية عبر خطة عمل تلتزم بالمعايير الإنسانية والمفاهيم العلمية الموحدة.
6- تضامن جهود كافة أطياف المجتمع اللبناني من مدارس وجامعات وطوائف، مع جهود منظمات المجتمع المدني والقوى الأمنية والأطباء والممرضين والمحامين، إلى جانب دعم المؤسسات الحكومية والسلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية؛ للحد من هذه الآفة التي تهدد مجتمعاتنا وتفكك أسرنا.
استحداث وتعديل القوانين
تؤكد رئيسة الهيئة اللبنانية لمناهضة العنف ضد المرأة لورا صفير، أن الدستور اللبناني لا يتضمن أي نص تمييزي ضد النساء، بل ينص على أن كل اللبنانيين سواء أمام القانون ويتمتعون بالسواء بالحقوق المدنية والسياسية دون أي فرق بينهم.
وتضيف لـ"ارفع صوتك": "من المتعارف أن هناك فجوة قائمة على النوع الاجتماعي في لبنان، مستمدة من قانون الجنسية وقوانين الأحوال الشخصية الخمسة عشر المرتبطة بالطوائف الثمانية عشر المعترف فيها، إلى جانب التمييز القائم على النوع الاجتماعي في بعض مواد قانون العقوبات اللبناني، فالمفاهيم بحد ذاتها والعقوبات تعزز التمييز وعدم المساواة بين الجنسين".
وأسهمت حملات الإصلاحات القانونية بتعديل القوانين واستحداث أخرى، منها: قانون حماية النساء وسائر أفراد الأسرة من العنف الأسري، قانون التحرش الجنسي و إلغاء المادة (562) من قانون العقوبات المتعلقة بـ"جريمة الشرف"، وإلغاء المادة (522) من قانون العقوبات اللبناني المتعلقة بالاغتصاب.
وحسب صفير، ما زالت الهيئة اللبنانية لمناهضة العنف ضد المرأة تستمر في حملتها ضد التزويج المبكر، ونوقش مؤخرا في لجنة حقوق الإنسان النيابية، كما أن هناك حملة مستمرة لإجراء تعديلات على المواد (505 و518 و519) من قانون العقوبات.
"تضامن النساء" في الأردن
ومن الأردن، تحدث "ارفع صوتك" مع إنعام العشا مستشارة البرامج والأنشطة في جمعية معهد "تضامن النساء"، التي تشير إلى عدم وجود مسح ورقم يحدد نسب النساء اللواتي يتعرضن للعنف خلال العام الحالي 2021.
"ولكن فيما يتعلق بجرائم القتل هناك أكثر من 14 أنثى تم قتلها داخل العائلة، أي من قبل الأب أو الأخ أو الزوج أو الابن"، تضيف العشا.
وتشير إلى أن "الجهود من قبل الجمعيات قائمة خلال حملة الـ16 يوم لمناهضة العنف ضد المرأة، ومن شأنها دفع النساء لتوعيتهن بحقوقهن، وتزويدهن بأماكن تقديم شكاويهن، وهذا جزء من الاستجابة لهن".
وتوضح العشا: "فيما يتعلق بالوضع القانوني، هناك دور مهم لمنظمات المجتمع المدني في الأردن ودور كبير للنشطاء والحقوقيين والحملات التي نقوم بها، في التأثير على السياق العام والتشريع، بدليل تعديل أو إلغاء جزء كبير من التشريعات، مثل المادة (308) المتعلقة بزواج المغتصب من المغتصبة، وكل ذلك لتحسين حياة المرأة والحد من العنف تجاهها".
وتؤكد أن "إدارة حماية الأسرة أصبحت منتشرة في الأردن وتقوم بحماية المرأة المعنّفة عند تقديم شكواها، ويمكنها اللجوء لعدد آخر من القنوات التي ستساعدها في حال لم يتم تلبية طلبها من جهة أو من أخرى".
وعن العوائق التي تقف بوجه محاربة العنف، تبيّن العشا: "ثقافة المجتمع لدينا تضع محددات وقوانين غير رادعة تساعد على الإفلات من العقاب، ولا تشجع بعض النساء على التقديم للشكوى، وإذا لم تتحقق وظيفة القانون لردع الناس عن ارتكاب هذه المخالفات فهو لم يحقق شيئاً، ويصبح القانون بحاجة لإعادة نظر أو تفعيل أو خطوات عملية ليصبح قابلاً للتغيير".
وتقول العشا لـ"ارفع صوتك": "هناك خطوات تتعلق بالجانب التشريعي، فيما يتعلق بالقوانين الرادعة والتنفيذ الحقيقي للقوانين، والشق الآخر يتعلق بالمعرفة بالقوانين، والشق الأخير هو التأهيل والتدريب لمطبقي هذه القوانين، بالإضافة لتمكين النساء".
وهذه برأيها خطوات مطلوبة للقضاء على العنف ضد المرأة، لأن الكثير من النساء يرزحن تحت وطأة العنف نتيجة أوضاعهن الاقتصادية أو الأسرية.
"كما يجب التأثير في الثقافة المجتمعية وبعض العادات والتقاليد التي تعتبر مقبولة اجتماعيا، لكنها ممنوعة قانونياً، بالإضافة لتفعيل دور المنابر الدينية والإعلام فيما يخص العنف ضد المرأة"، تشدد العشا.
المرصد الوطني في تونس
وإلى تونس، نتعرف على أوضاع المرأة من خلال رابحة بن حسين، المسؤولة عن "الخط الأخضر" في المرصد الوطني لمناهضة العنف ضد المرأة، الذي تشكل بمقتضى الفصل (40) من القانون الأساسي عدد (58) لسنة 2017.
تقول بن حسين لـ"ارفع صوتك"، إن المرأة التي تتعرض للتعنيف في تونس، تلقى العديد من الحقوق المضمونة قانونياً، تحديداً في القانون الأساسي عدد (58) لعام 2017.
وتوضح: "وفق القانون، توجد جهات خاصة تتلقى شكاوى العنف ضد النساء، وللمعنفات الحق في مجانية العلاج والحماية والإعانة العدلية والإيواء. كما أن (الخط الأخضر- رقم 1899)، هو خط مجاني يغطي كامل تراب الجمهورية التونسية، ويقدم خدمات الإصغاء والإرشاد والتوجيه لصالح المعنفات".
"ويتولى الخط الأخضر أيضاً، توعية المرأة بحقوقها المذكورة أعلاه، ويمكّنها من الخدمات المتوفرة لدى مختلف الهياكل الحكومية ومكونات المجتمع المدني، إضافة إلى تدوين المكالمات مع المحافظة على سرية المعطيات الشخصية وتسجيلها ضمن تطبيق إعلامي معد لهذا الغرض يتم من خلاله استخراج الإحصائيات ورصد ظاهرة العنف ضد المرأة"، تتابع بن حسين.
أما المرصد الوطني نفسه، فيتولى مهام عديدة منها "رصد ظاهرة العنف ضد المرأة وتجميع حالات العنف، ومتابعة تنفيذ التشريعات والبيانات وتقييم نجاعتها، والقيام بالبحوث والدراسات الميدانية والعلمية، والإسهام في إعداد الإستراتيجيات الوطنية والتدابير العملية المشتركة والقطاعية، والتعاون والتنسيق مع منظمات المجتمع المدني والهيئات الدستورية والمؤسسات العمومية المعنية بحقوق الإنسان"، وفق بن حسين.
وتؤكد أن الجمعيات المختصة في مناهضة العنف ضد المرأة، في تونس، لعبت دورا "هاما" في نشر ثقافة تجريم العنف، وكانت أثناء فترة الحجر الصحي الشامل "شريكا فاعلا لوزارة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السن".
وبمقتضى هذه الشراكة تم توفير خدمات الخط الأخضر 24 ساعة على 24، لسبعة أيام في الأسبوع، كما تتولى بعض الجمعيات الإشراف على مقرات إيواء النساء المعنفات، وتوفير الإحاطة النفسية لهن ولأطفالهن، وتسهم في الحملات التوعوية الرامية إلى إبراز مخاطر العنف ورفضه وكسر جدار الصمت بالمتابعة القضائية لمرتكبيه.
وتشير بن حسين، إلى أن الخط الأخضر "يسجل سنويا ارتفاعا ملحوظا في المكالمات خلال شهري نوفمبر وديسمبر، تزامنا مع حملة 16 يوماً من النشاط لمناهضة العنف ضد المٍرأة، وهذا عائد للنشرات التوعوية والأنشطة المتواصلة التي تشارك في تنظيمها مكونات المجتمع المدني تحت إشراف وزارة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السن، وتوفر الظروف للمشاركة في البرامج الإذاعية والتلفزيونية في التوعية بمخاطر العنف وأنواعه وكيفية التصدي له".
وتصف الوضع القانوني للمرأة في تونس بأنه "جيد" خاصة بعد إصدار القانون عدد (58)، مردفةً: "وبالنسبة لتعاطي قوى الأمن مع النساء ضحايا العنف، فقد شهد تعثراً في أول الأمر، نتيجة العقلية الذكورية التي تستبيح جسد المرأة، ولا ترى في ذلك ما يدعو إلى التقاضي".
فكان الحل بـ"تنظيم العديد من الدورات التكوينية لتوعيتهم بالقانون رقم 58 وتفسير آليات تنفيذه"، كما تقول بن حسين.
وتلفت إلى أن "ثقافة المجتمع هي المؤثر رقم واحد أثناء مواجهة معضلة العنف ضد المرأة، وفي العديد من الحالات لا يتم تطبيق القانون من قبل الجهة المسؤولة عن ذلك، لعدم اقتناعهم بالمسألة، كما أن القانون غير المفعّل يسمح بالهروب من العقاب وضياع حقوق المرأة المعنّفة".
وعن الخطوات المقترحة للقضاء على ظاهرة العنف ضد المرأة، تبيّن بن حسين: "تطبيق القانون وردع كل معتدٍ، وحماية المرأة، وتكثيف الحملات التوعوية، والتزام جميع الجهات المتداخلة في التعهد بحماية النساء ضحايا العنف كوزارة الداخلية والعدل والصحة والشؤون الاجتماعية، بالإضافة إلى إعداد برامج ثقافية وتربوية تجرّم العنف وتكرّس ثقافة الحوار والتسامح وقبول الاختلاف لتكريسها تدريجيا في حياتنا اليومية وثقافتنا".
