المرأة

"#معتقلات_المنازل".. انتفاضة سعوديات تصل دولاً عربية

رحمة حجة
28 يناير 2022

في وقت تبدو السعودية أكثر انفتاحاً على نفسها والعالم أكثر من أي وقت مضى، عبر المهرجانات الإقليمية والدولية وتخفيف القيود ونبذ قوانين قديمة، يجري حديث آخر لنساء سعوديات في مواقع التواصل.

هؤلاء النساء، سواء بأسمائهن أو بأخرى مستعارة، قررن رفع أصواتهن، تحديداً عبر موقع تويتر، في جرد حساب لذكريات مؤلمة وحاضر لا يزال محاصراً بأقفال ومفاتيح لا يملكنها لبيوت يعشن فيها.

هنّ كما أطلقن على أنفسهن عبر الهاشتاغ "معتقلات المنازل"، حيث لا يُسمح لهن بالخروج تحت أي ظرف كان، أو فقط برفقة أهاليهن لأماكن لا يخترنها.

وإذبدأ بوحهن بهذا الأمر تحت عنوان يشي بنفسه، فإنه لم ينته عنده. فالقصص تعدّته للعنف المنزلي والإجبار على الزواج والتحكم بالقرارات والمصير وتعمّد الإهمال الصحي والنفسي، إلى ذلك من أحلام معلّقة على تغيير قد يأتي أو يصبح ضرباً من المستحيل.

في حسابها على تويتر، نشرت حرّة عدة تغريدات تصف بها حياتها تحت الحبس المنزلي، وكيف ازدادت سوءاً أثناء حجر كورونا، حيث باتت هي ومعنّفها في مكان واحد لأطول فترة في حياتها.

وروت عبرها أيضاً تعرّضها للعنف على يد أبيها وإخوتها، بالإضافة لأختها الكبرى، وصمت والدتها، مستعيدةً الذكريات بغصّة ودموع، معبّرةً أيضاً عن سعادتها بأن هذا العالم الافتراضي أخرجها من حبسها وشعرت بتضامن النساء من دول مختلفة، الذي اعتبرته بمثابة عناق.

 وغرّدت فتاة سعودية أيضاً، أطلقت على نفسها اسم "10856"، قائلة إنه من غير المسموح لها زيارة الطبيب مهما اشتدّ ألمها.

ومن السعودية، غرّدت فتاة أطلقت على نفسها اسم "Free Spirit" بأن الاعتقال المنزلي، يجرّ معه أدواته، وهي العنف وانتهاك الحريّات.

وفي الحبس المنزلي لا تفقد المرأة حقوقها الأساسية في الخروج والاتصال بالعالم الخارجي والتعليم وحريّة الاختيار، وغيرها، إنما أيضاً تُحرَم من الخصوصية داخل المنزل، كما عبّرت العديد من النساء عبر الهاشتاغ نفسه.

غرّدت "Secai": "تتم مراقبة النساء في البيوت بكثافة لا تملك أحيانا حتى خصوصية إغلاق باب الغرفة بمفتاح ولا مجال لتخرج وتجرب وتغامر وتعيش حياة ترغب بعيشها أي عشرينية".

"هذا دفن، ما معنى الحياة إن لم أكن أملك المجال لأخرج وأفعل أشياء جديدة، لأتعرف على ناس وأحقق ذاتي بعيدا عن عيونهم"، أضافت الشابة السعودية، التي يبدو من تغريداتها أنها الآن تعيش الحياة التي تمنّتها خارج منزلها الذي كان بمثابة "معتقل".

وفي سلسلة تغريدات كتبتها السعودية "Real"، شاركت أكثر من تجربة، نفت فيها تعرّضها للعنف، كما سُمح لها باستكمال التعليم الجامعي، لكنها في نفس الوقت لم تَسلم من "الاعتقال" المنزلي.

وفي سلسلة أخرى، كتبت "Dawn KSA" عن أنماط "الاعتقال" المنزلي الذي عاشته، مشيرة إلى ذكرياتها حين خرجت مع عائلتها أول مرة في سيارتهم الخاصة.

وكتبت عن والدها "ضربني إذا نظرت في عينه لمجرد النظرة التي فسرها بتفسير يتوافق مع ثقته المهزوزة. و كان يضربني أكثر عندما أصاب بنوبة ذعر وأواجه صعوبة في التنفس لأتوقف عن الشهيق المزعج".

 

فضفضة مشتركة

قصص السعوديات اللواتي شاركن الهاشتاغ، وصلت لقلوب الكثير من النساء في العالم العربي، أو المغتربات منهن. بعضهن أبدى دعماً وتعاطفاً وتضامناً، وقام بإعادة التغريد ومشاركة القصص، وأخريات قررن الفضفضة، لأنهن عشن أو ما زلن يعشن نفس التجربة.

من السّودان كتبت سهى "تختلف قصص اعتقالنا الاجتماعي والاقتصادي والنفسي، الذي لا ينفصل عن اعتقال النظام السياسي، حسب موقعنا الاجتماعي والطبقي و اللا-امتياز الذي نُمنح إياه، إلا أننا نشترك في مقاومة ذات المنظومة الأبوية بغير أدواتها. الحُرية لـ #معتقلات_المنازل ، الحُرية لنا جميعًا من قمع الأنظمة الأبوية".

ومن اليمن كتبت إيف "في الواقع معاناتي مع المعتقل قديمة جدًا منذ الطفولة، الأطفال بطبيعة الحال تحت رعاية الأم، لما تكون الأم معتقلة فإن الأطفال يكونون كذلك، أتذكر في الإجازة الصيفية كنت أنا والأطفال حولي نبكي لأننا نريد الخروج الوحيد الذي له الحق في منح الأم الأذن بالخروج هو الأب".

وأضافت "سافر آباؤنا بلداناً عديدة بينما كانت أمهاتنا معتقلات ولهذا كحال أمهاتنا لم نسافر إلى أبعد من الوجهة التي قرر الأب أن يصطحبنا فيها معه".

ومن الأردن كتبت بنان أبو زين الدين "معتقلات المنازل في الأردن اسمهن حبيسات المنازل.. ما في مدارس وما في طلعه ع الشارع وما في تلفونات ومافي ومافي..".

وغرّدت أيضاً "من لما نزل الوسم وأنا أقرأ قصص وأسترجع أسماء وعيون ما كانت تشوف الضو، ونعمل واسطات مع الأم أو الأب حتى نحكي معها.. بنات وحكايات".

ومن العراق كتبت ربا الحسني، شاركت رأيها في تغريدة تقول "معتقلات المنازل نتيجة المجتمعات المحافظة- تحافظ على الذكورية على حساب حريات الفتيات والنساء، وتكون إما بشكل سجون فعلية تمنع المرأة أبسط حقوقها، أو تستصغر نساء كفوءات لهن بعض الحريات وتجبرهن أن يعتمدن على غيرهن لإنجاز أبسط الأشياء".

ومن ليبيا غرّدت آمنة "للحبيسات.. للمعتقلات لأجل غير مسمى.. لمن ما زالت توضع كل مرة رهن التحقيق للخروج وممارسة الحياة على أقل قدر من الطبيعية، ولكل من اُغتِيلت رغبتها في الحياة وطموحها ولمن هُضِم حقها في أقل من حياة آدمية، لمن تعيش عبثًا بين الجدران، والموءودات.. اللعنة على سجانكن".

ومن لبنان كتبت حياة مرشد، التي تدير الموقع النسوي "شريكة ولكن": "نرث السجن المنزلي كنساء.. سجن أمي، جدتي، أم جدتي.. يرث الذكر المال والسلطة.. ونرث سجن الأمهات".

رحمة حجة

مواضيع ذات صلة:

من تظاهرة في بغداد رافضة للتعديلات المقترحة على قانون الأحوال الشخصية- تعبيرية
من تظاهرة في بغداد رافضة للتعديلات المقترحة على قانون الأحوال الشخصية (8-8-2024)- تعبيرية

على خلفية انتقادها التعديلات المطروحة على قانون الأحوال الشخصية العراقي، تعرضت المحامية قمر السامرائي لحملة إهانات و"تسقيط" بشخصها وكرامتها وأنوثتها وسيقت بحقها اتهامات عديدة تقول سامرائي إنها كلها "مفبركة وغير صحيحة والهدف منها النيل من سمعتي وإسكاتي".

الغضب من سامرائي أتى بعد تصريحات تلفزيونية أدلت بها المحامية العراقية في برنامج حواري اتهمت فيها الساعين إلى تعديل قانون الأحوال الشخصية بأنهم يطبقون الشريعة الإسلامية فقط عندما يتعلق الأمر بالمرأة وحقوقها، ولا يطبقونها في باقي المسائل. 

وأضافت السامرائي "إذا كان الهدف تطبيق الشريعة الإسلامية في العراق، فلا داعي بعد الآن للمحاكم والقضاء المدني".

الملفت في النقاش حول قضية قانون الأحوال الشخصية، وفي نقاشات أخرى، أن الناشطات يتحولن إلى هدف لـ"التسقيط" الشخصي والإساءة والتنمر، بدل مواجهة الرأي بالرأي المضاد. 

ويتعرض كثير من معارضي مقترح تعديل القانون لاتهامات بـ"الابتعاد عن الدين"، و"التشكيك بالشرف"، أو بأنهم "أبناء السفارات"، كما جرى اتهام الناشطات بأنهن "ممثلات مبتذلات وراقصات".

السامرائي تقول في حديث مع "ارفع صوتك" حول ما تعرضت له "من المؤسف أنهم (تقصد المشرّعين الذين يحاولون تعديل قانون الأحوال الشخصية) يطبقون الدين بما يناسبهم، ويتخذون من الإسلام غطاءً لتحقيق أجنداتهم السياسية".

وتتابع: "ليس لديهم أي حجج للإجابة على الحجة بالحجة، بل هم يكررون سرديات خطيرة من مثل تشريع زواج القاصرات".

وترى السامرائي أن الحملة عليها ليست بسبب اعتراضها على تعديل قانون الأحوال الشخصية، بل يتعدى ذلك إلى موقفها من ملفات أخرى بينها قانون العفو العام.

تثق السامرائي بأن القانون العراقي قادر على حمايتها، مشيرةً إلى أنها ستتقدم بشكاوى قضائية لملاحقة مَن يقف وراء الحسابات الوهمية التي عملت على تشويه سمعتها، وستطالب بتعويضات مالية.

وهي تعتقد أن "الميليشيات الولائية وراء الحملة عليها"، مردفةً "لا أخشى التهديدات بالأذى الجسدي التي وصلتني، لأنني أؤمن أن حياتي بيد الله.. وأفضل أن أموت بطلة لا جبانة" على حد تعبيرها.

في الوقت نفسه، لا تتوقع السامرائي أن تنجح المساعي لإقرار التعديلات المطروحة على قانون الأحوال الشخصية، لأن الاعتراضات عليها كبيرة جداً داخل المجتمع العراقي.

تشرح الناشطة الحقوقية رؤى خلف لـ"ارفع صوتك" آلية عمل المجموعات والحسابات الوهمية المنظمة التي تهاجم الناشطات: "هذه المجموعات تقوم في أحيان كثيرة باقتطاع أجزاء من مقابلات مع الناشطات منزوعة من سياقاتها، ثم توزيعها ونشرها عبر حسابات وهمية على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تقوم الآلاف من هذه الحسابات بتسقيط الناشطات والتعرض لهنّ بشكل شخصي".

تحكي خلف عن تجربتها الشخصية: "قامت مجموعات مماثلة بنشر مقاطع لي مع تنسيبي، بسبب رأيي، إلى حزب البعث أو أي من المسميات الأخرى المكروهة اجتماعياً". 

وهذا الأمر، كما تقول خلف، تتعرض له معظم الناشطات بسبب آرائهن المتحررة والمعارضة للمنظومة الحاكمة.

"لذلك يجب دعم النساء عندما يتعرضن لهذا النوع من الحملات، لأن الناشطات في هذه الحالات يأخذن على عاتقهن شجاعة قول الحق مع معرفتهن المسبقة بالثمن المترتّب عليه، وإدراكهن لمخاطر الحملات التي سيتعرضن لها مع عائلاتهن بالنتيجة" تتابع خلف.

Iraqis Shiite Muslim worshippers gather outside the of Imam Moussa al-Kadhim shrine, who died at the end of the eighth century,…
كان "سابقاً لعصره".. خلفيات إقرار قانون الأحوال الشخصية العراقي 1959
أعاد النقاش حول قانون الأحوال الشخصية في العراق إلى الواجهة، الظروف الاجتماعية والسياسية التي أدت إلى صدور القانون المعمول به حالياً في عام 1959، خصوصاً بعد المطالبة بتعديله من قبل نوّاب من كتل سنيّة وشيعية في البرلمان.

من جهتها، تفنّد الناشطة الحقوقية أنسام البدري لـ"ارفع صوتك" أسباب تعرّض النساء العراقيات المتحررات اللواتي ينادين بحقوق الإنسان وحقوق المرأة، دائماً لحملات ممنهجة من قبل جهات نافذة وأصحاب أموال، وذلك ببساطة "بسبب وقوفنا في وجه مواقفهم وتصرفاتهم ضد النساء وحقوقهن في بلدنا" بحسب تعبيرها.

تعطي البدري مثالاً على ذلك "محاولتهم الأخيرة تعديل قانون الأحوال الشخصية الحالي الذي يعتبر من القوانين الرصينة، وأحد المكاسب القليلة للمرأة في العراق، وهو من أفضل القوانين في المنطقة".

وتبيّن: "على خلفية موقفنا من هذه التعديلات تعرضتُ على الصعيد الشخصي لحملات تسقيط شبيهة للتي تعرضت لها المحامية قمر السامرائي، وشاركتْ فيها للأسف إحدى النائبات التابعات لأحد الأحزاب الداعمة للتعديلات على القانون، بسبب معارضتي لتعديل المادة ٥٧ من قانون الأحوال الشخصية المتعلقة بالحضانة".

"هذه الحملات صعبة جداً على الصعيد النفسي وآثارها مدمرة"، تقول البدري، والسبب أنه "يصعب التعامل معها بسهولة خصوصا إذا أتت من حسابات وهمية".

الأمر بالنسبة للنساء في العراق لا ينتهي بانتهاء موجة التشويه و"التسقيط"، إذ يبقى أثرها يلاحقهن. 

تقول البدري "المجتمع محافظ ويرفض التغيير ويواجه أي آراء فيها شحنات من الحرية بالتنمر على أشكال أو ملابس او تبرّج الناشطات والدخول في حياتهن الشخصية، وليس هناك سند أو دعم لهن في مواجهة هذه الحملات".

وتؤكد غياب أي آلية قانونية تحمي حق الناشطات في التعبير عن آرائهن بحرية، وملاحقة من يتعرضون لهنّ عبر هذه الحملات، موضحةً "ليس هناك أي قوانين تحمي المدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان، لكننا بدأنا التأقلم مع هذا النوع من الحملات، ونتوقع ردود الفعل بعد أي ظهور إعلامي نقوم به في قضايا تتعلق بحرية النساء أو حقوق الإنسان".

في ختام حديثها، تؤكد خلف "هم يريدون بهذه الحملات أن يسكتونا، لكن لن نسمح لهم بذلك".