منذ 21 مايو حتى نشر هذا التقرير، يتداول نشطاء ونسويون ونسويّات من العراق، وسم "حفل_سعد_لمجرد_مرفوض" في مواقع التواصل، خصوصا تويتر، في دعوة علنية لإلغاء حفله، المقرر اليوم الخميس في العاصمة بغداد.
وأطلقت الهاشتاغ، الكاتبة والناشطة النسوية ماسة الرمادي، من خلال تغريدة احتجاجية على الحفل ومع إلغاء (398) من قانون العقوبات العراقي (رقم 111 لسنة 1969).
جاء ذلك بعد أيام قليلة من إعلان مدينة "سندباد لاند" الترفيهية للثقافة والفنون عن الحفل، وبدء بيع التذاكر.
تقول الرمادي لـ"ارفع صوتك"، إن إقامة هذا الحفل بمثابة رسالة من "الحكومة وكل مؤسسة عراقية تابعة لها، بأن العراق أصبح مرتعاً للفرد المجرم ذي السلوك المضطرب والمريض، وبيئة مناسبة للإساءة والعنصرية والاستخفاف بحقوق المرأة".
وتضيف الرمادي بسخرية لاذعة "مهما كنت فاسداً وغير مرحب بك بأي مكان، فلا تيأس، العراق هو بلدك".
احنة كنسويات محطوطين تحت ضغط دائم لتبرير افعالنا ونضالنا وحتى مواقفنا
— أبرار (@abrarwadi97) May 22, 2022
من امس لليوم البنات نازلين يشرحون للعقول التعبانة ليش مالازم ندعم اقامة حفل للمجرد ويحاولون يبررون سبب موقفنا تجاهه وللان هالعقول ماقابلة تقتنع#حفل_سعد_المجرد_مرفوض
عليه تهم بالاغتصاب في عدة دول
— المحامي محمد جمعة (@lawyer_mohamd) May 22, 2022
تتم دعوته للعراق ولايمس هذا قدسيتهم ؟!
في بلاد قانونها يكافىء المغتصب بالبراءة ان تزوج ضحيته لاغرابة ابدا
حفل المجرد يهين (قدسية) مبادئنا لكن اغلبهم بلا مبادىء#حفل_سعد_المجرد_مرفوض
كما أعادت الرمادي إلى صفحات تويتر العراقية، الاحتجاج ضد المادة (398)، ونصّها:
"إذا عقد زواج صحيح بين مرتكب الجرم والمجني عليها أوقف تحريك الدعوى والتحقيق فيها والإجراءات الأخرى، وإذا كان صدر حكم في الدعوى أوقف تنفيذ الحكم. وتُستأنف إجراءات الدعوى أو التنفيذ – حسب الأحوال – إذا انتهى الزواج بطلاق صادر من الزوج بغير سبب مشروع أو بطلاق حكمت به المحكمة لأسباب تتعلق بخطأ الزوج أو سوء تصرفه، وذلك قبل انقضاء ثلاث سنوات على وقف الإجراءات. ويكون للادعاء العام وللمتهم وللمجني عليها ولكل ذي مصلحة طلب وقف تحريك الدعوى والتحقيق والإجراءات وتنفيذ الحكم أو طلب استئناف سيرها أو تنفيذ الحكم – حسب الأحوال".
تقول الرمادي لـ"ارفع صوتك": "هذه المادة مهينة جداً لكل امرأة تعرضت وتتعرض للاغتصاب في العراق، فالمشرّع لم يهتم للضحية بقدر اهتمامه بمشاعر الأهل والقبيلة والمجتمع، وكأن وصمة العار لا تلحق بالمغتصِب، كون الرجل لا يعيبه شيء حتى إن كان مغتصباً، بل يلحق بالفتاة الضحية فقط".
"كما أنها تجعل الضحية تعيش مع المغتصب وتتزوجه لكي لا تلحق بأهلها العار كما يرون الأمر! و جعلت المجرم ينفذ من عقوبة الإعدام والسجن المؤبد في اللحظة التي يتزوج بها الضحية والتي بالتأكيد ستوافق في ظل ضغط الأهل والقبيلة والمجتمع"، تضيف الرمادي.
وتتساءل مستنكرة "كيف يستطيع المرء أن يكون بهذه القسوة حين يسمح لامرأة مغتصَبة أن تعيش مع شخص نهش روحها وجسدها؟"، مردفةً "هذا الأمر يجعلني أشعر بغضب عارم وحزن شديد".
وفي العراق، للقضية حساسية إضافية، حيث لا تزال عشرات الناجيات الأيزيديات من داعش، يعشن آثار ما بعد الصدمة، بسبب ما تعرضن له على يد عناصر التنظيم الإرهابي من اغتصاب وبيع في "سوق السبايا".
حرب ترند وآراء
بعد تصدر الوسوم الرافضة لحفل لمجرد الترند لأيام، ظهرت وسوم مضادة، ترحب به في العراق، وتنفي عنه الإدانة وتزعم أن كل ما نُشر حول تورطه بالعنف لا يقع في مجال الحقيقة، منها: "#سعد_لمجرد_تنور_بغداد، #العراق_بلد_سعد_الثاني".
عن ذلك، تقول الرمادي، إن مروّجي وسوم الترحيب "ليسوا عراقيين بل مغاربة، بالإضافة لأصحاب حسابات وهمية بالاتفاق مع شركة سندباد لاند" .
وتضيف بأن "لا جمهور كبير لسعد لمجرد في العراق، بسبب صعوبة اللهجة المغربية" وإن كان اشتهر سابقاً "فقد اندثرت سيرته، لكنه عاد للأضواء بعد أغنيته مع الفنانة اللبنانية إليسا" على حد تعبيرها.
باعتبار الحملة داعية لإلغاء حدث، هل تم التواصل مع إدارة "سندباد لاند" مباشرة؟ تجيب الرمادي: "إعلاميو السندباد مطلعون على جميع منشوراتي، لكن ردهم كان القمع من خلال حظر الأشخاص المعترضين في حساباتهم على نشر الوسوم الاحتجاجية".
"كما أنهم مستمرون في بيع تذاكر الحفل، لأن كل ما يهمهم هو المال حتى لو كان من خلال شخص مدان بالاغتصاب" تقول الرمادي.
ولم يتوصّل "ارفع صوتك" لتعقيب من شركة سندباد لاند، الراعية للحفل، على هذه الحملة.
وبالاطلاع على حساباتها في مواقع التواصل، يُلاحظ أن وسوم الترحيب بسعد لمجرد ظهرت بعد ترند الرفض، فيما يبدو رد فعل الشركة، وهي نفس الوسوم المستخدمة من المؤيدين.
ولا تتوفر في صفحات الشركة أو قناتهم الرئيسة على تلغرام معلومات حول أسعار التذاكر، ولكن تقول الرمادي، إنها تتراوح بين 50 دولاراً و1000 دولار، مقسمة إلى فئات: "plantinum, VIP, Gold, Regular".
ننتظركم في الحفل الصيفي القادم للفنان العربي العالمي سعد لمجرد في يوم التاسع من حزيران على مسرح سندباد لاند الكبير.
— سنـدبـاد لانـد | SINDBAD LAND (@sindbadlandoffi) May 25, 2022
متمنين لعوائلنا الكريمة قضاء أجمل الاوقات#سعد_لمجرد_تنور_بغداد #العراق_بلد_سعد_الثاني #سعد_لمجرد_في_دار_السلام pic.twitter.com/YO9whUYMyr
واسم لمجرد، لا يمر بسلام في كل مرة، منذ تكرار تهم الاغتصاب والتعنيف بحقه، وكانت آخر ضجة في مواقع التواصل بخصوصه، التي تبعت أغنيته المشتركة مع إليسا، وسبقها صورة إلى جانبه للفاشينستا الكويتية روان بن حسين، وقبلها أغنيته المشتركة مع الفنان المصري محمد رمضان.
لماذا تتكرر الحرب الباردة في مواقع التواصل بين خصمين أحدهما مُدين لسعد لمجرد وآخر مدافع عنه بضراوة، ولم يتم حسم الجدل بعد؟
السبب برأي الناشطة العراقية ماسة الرمادي، كما تقول لـ"ارفع صوتك": "عدم فهم القوانين والإجراءات في المحاكم، وقلة المعلومات وجهل المعارضين لرفضنا، كما أنه لرغبة دائمة بتبرير أفعال الرجال مهما كانت بشعة، خاصة في المجتمعات العربية".
"حتى لو كان متهماً فقط كما يعتقدون، وهذا غير صحيح، فسعد لمجرد مدان وخرج بكفالة والقضية مستمرة، كما أن التكرار يقتل الشك! أربع قضايا بنفس النمط وهو العنف الجنسي! هذا يسترعي انتباهنا إلى إنه قد يستمتع بتعنيف النساء، بالتالي يجب وضعه في مصحّة نفسية، لا تكريمه بحفلات غنائية".
والجدير ذكره، أن حملة مشابهة في مواقع التواصل المصرية، أدت لإلغاء حفل للمجرد في القاهرة، أكتوبر 2020.
في حينه، استجاب مسرح "كايرو شو" المنظم للحفل بمناسبة عيد تأسيسه الثاني، عبر حذف كافة الملصقات التي نُشرت للدعاية للحفل المقرر في نوفمبر من العام نفسه.
الاستمرارية "مطلوبة"
في نفس السياق، تقول الناشطة الحقوقية العراقية نادية عبد لـ"ارفع صوتك": "علينا التمييز بين الفن الهادف والفن الذي لا يُعنى بتقديم رسالة إنسانية، فوضع كل الأمور هكذا من دون الرجوع إلى خلفيات كل فنان جماهيري ومواقفه تجاه القضايا الإنسانية والحقوقية لا يخدمنا، خاصة أننا نعيش في بلد يعاني الكثير من قضايا العنف".
وترى أن "من يدعم الفنان المغتصب ويقوم بالترويج له، يقف بالضرورة معه تجاه ما ارتكب من اعتداءات جنسية".
وتضيف عبد أن "معظم معارضي حملات الرفض لحفله أبدوا استنكارهم من ربط حياة الفنان الشخصية بعالمه الفني، في محاولة للفصل بين ارتكاب جرائم الاغتصاب عن شأنه الفني"، في إشارة إلى أن لا انفصال بينهما.
ودعت إلى "تبني سياسات تميز بين ما يكون ضد حقوق المرأة والإنسان من ناحية وغيرها من الفعاليات الفنية من جهة أخرى".
وتؤكد عبد "ضرورة استمرار حملات الرفض لخلق رأي عام ضاغط يقوم بتحريك الجهات الرسمية المعنية، من أجل فرض قيود وعقوبات على بعض الشركات التي لا تفكر إلا بالربح السريع، مثل منظمي هذا الحفل (سندباد لاند) للعدول عن ذلك".
وحول ما أثير ضد المادة (398)، تقول المحامية ولاء محمد لـ"ارفع صوتك": "هذه المادة تشجع كل يرتكب فعل الاغتصاب على الإفلات من العقاب عبر زواجه من الضحية".
"كما تعطي رسالة سلبية عما يحدث للمرأة وخاصة لضحايا الاغتصاب، لأنها تعارض حقوق المرأة وقوانينه"، حسب محمد.
وتضيف: "في واقعها تعاقب الضحية المغتصبة وتتم مساندة المجرم الذي اغتصبها، في إشارة إلى أنها تتحمل مسؤولية اغتصابها، بالتالي فإن المادة من قانون العقوبات أتت من بيئة المجتمع القمعية نفسها".
التهم التي تلاحق لمجرد
حسب وكالة فرانس برس وموقع "فرانس 24"، فإن المغني المغربي سعد لمجرد، يواجه عدة تهم بالاغتصاب، اعتقل أكثر من مرة على أثرها، وتم الإفراج عن بكفالة، وهذه التهم:
2010: وجّه القضاء الأميركي له تهمة الاغتصاب، لكنها أسقطت لاحقاً عنه.
2- أكتوبر 2016: وجّه القضاء الفرنسي له تهمة "الاغتصاب مع ظروف مشددة للعقوبة" وأودعه السجن بانتظار محاكمته، بعد اتهام شابة عمرها 20 عاماً باغتصابها في غرفة فندق في باريس.
وظل لمجرّد معتقلاً لغاية أبريل 2017، حين وافق القضاء على منحه إطلاق سراح مشروطاً بوضعه سواراً إلكترونياً.
وفي مارس 2018، سمح القضاء للمتّهم بالسفر إلى المغرب حيث أطلق أغنيته "غزالي غزالي".
3- أبريل 2018: وجّه القضاء الفرنسي تهمة اغتصاب ثانية بناء على دعوى تقدّمت بها شابة فرنسية-مغربية تتّهمه فيها بأنه اعتدى عليها جنسياً وضربها في الدار البيضاء عام 2015.
4- أغسطس 2018: وجّه القضاء الفرنسي للمجرد تهمة "الاغتصاب" وأمر بوضعه تحت المراقبة القضائية بانتظار محاكمته، بناء على شكوى تقدمّت بها ضدّه شابة عمرها 29 عاماً تقول إنه "اغتصبها" في مدينة سان تروبيه الساحلية الجنوبية.
في حينه، طلبت النيابة العامة حبس المتهم احتياطياً بانتظار محاكمته، لا سيّما أنها ليست المرة الأولى التي يُتهم فيها بالاغتصاب، لكن قاضي الحريات قرّر بعد الاستماع للمجرد إطلاق سراحه وإبقاءه تحت الرقابة القضائية.
5- أبريل 2019: أحيلت قضية لمجرد (نقطة 2) لمحكمة الجنح بقرار من قاضي تحقيق، خفف التهم الموجهة إليه معيداً تصنيفها ضمن خانة "الاعتداء الجنسي" و"العنف مع أسباب مشددة للعقوبة".
6- مايو 2021: أمرت محكمة الاستئناف في باريس بإعادة محاكمته بتهمة اغتصاب شابة في العشرين (نقطة 2)، إذ اعتبرت أن توصيف الاغتصاب لا "الاعتداء الجنسي" ينطبق عليها.
وفي حال ثبوت التهمة، قد يواجه لمجرد عقوبة بالسجن لمدة 20 عاما.
يُشار إلى أن لمجرد، وخلال الأعوام الماضية، وبعد الاتهامات الموجهة إليه، أصدر العديد من الأغاني التي لاقت شهرة واسعة وملايين المشاهدات، كما ظهر في مقابلات تلفزيونية، وسافر لعدة دول.
هذه الأمور، أي الاستمرارية بالحضور الفني، والأعمال المشتركة مع فنانين عرب بارزين، كان لها انعكاس كبير على موقعه من التهم الموجهة له، فغياب القيود قد يعني "البراءة" بالنسبة للكثيرين، عدا عن رواج فكرة "المؤامرة" ضده، لا سيما أن غالبية التهم الموجهة له أتت بعد النجاح غير المسبوق الذي حققته أغنية "معلم" عام 2015.
