تجهض سنويا 25 مليون امرأة بشكل غير آمن.
تجهض سنويا 25 مليون امرأة بشكل غير آمن.

بين معضلة "منح الحياة" و"سلبها"، تتخبط نساء لبنانيات بحثا عن "حبة" تحدد مصير الجنين. يدفعهن العوز والبطالة والخوف المستقبل المجهول. ندى، 28 عاما، مثال لكثير من الأمهات اللبنانيات اللاتي اخترن في ظل الكارثة الاقتصادية والاجتماعية الصعبة التي تعصف بلبنان اللجوء للأدوية المرخصة، ولكن لممارسة غير قانونية: الإجهاض المنزلي بدون متابعة طبيب.   

 

ورقة "إخلاء مسؤولية"

 

لم تتخيل ندى أنها ستتخذ بنفسها قرار إنهاء الحمل ومنع جنينها من إبصار النور. ومع ذلك، لم تتردد في اللجوء إلى طبيب لتأمين الوصفة المطلوبة لشراء دواء إيقاف الحمل في رحلة لم تخْلُ من المشقة الداخلية والخارجية.

داخليا، ترجمت المشقة بالقلق والخوف من اكتشاف الزوج بحصول الحمل وبليال طويلة في التفكير بالاحتفاظ أو لا بالجنين. "لم يكن اتخاذ القرار صعبا، كما تروي، بدأت أعاني من التوتر منذ اللحظات الأولى التي اكتشفت فيها أنه فاتني اتخاذ الاحتياطات اللازمة وأن الشهور القادمة ستحمل معها مسؤولية لست مستعدة لها. أنا أم لولدين وما زلت أشتري الحفاضات والحليب لصغيرتي بمبالغ تؤرقني وزوجي كلما حل آخر الشهر وعاد بفتات معاشه الذي ما عاد يساوي شيئا".

بعض الصيادلة يرفضون بيع هذه الأدوية لمعارضتهم المبدئية للإجهاض.

خارجيا، أخذت ندى القرار بالإجهاض المنزلي بدون تردد وحاولت الإيحاء ظاهريا لزوجها بأن كل شيء على ما يرام. "تعمدت ممارسة العلاقة معه لربما يبطل الحمل وحده. وحين لم يفلح الأمر، ذهبت سرا لدى الطبيب الذي رفض إنهاء الحمل بداية بشكل مطلق. لكني بكيت وشرحت له ظروفي وخوفي من رؤية هذا الطفل وهو يعاني على أبواب المستشفيات أو يتضور جوعا. لم يقتنع الطبيب بسهولة وبعد محاولات حثيثة، طلب مني التوقيع على ورقة "إخلاء مسؤولية" ومنحني الوصفة لدواء مرخص".

 

الصيدلية.. عقبة جديدة وطلب مرتفع

 

تحظى أدوية إيقاف الحمل بترخيص من وزارة الصحة اللبنانية. ومع ذلك، لا يكفي الحصول على الوصفة الطبية لضمان شراء الدواء لإيقاف الحمل. فهذا القرار يضع العديد من الصيادلة أمام "معضلة" مساعدة مريضة قد تربطها معرفة مباشرة بهم بحكم العمل، والتضامن مع معاناتها كإنسان، خصوصا في ظل الضائقة الاقتصادية كما يقول نقيب الصيادلة في لبنان، د. جو سلوم. ويضيف: "الصيدلاني إنسان قبل كل شيء وهو أخصائي وقريب من المرضى، لذلك قد لا يتردد هؤلاء بطلب الاستشارة تحديدا حول هذا الموضوع".

ويرجح نقيب الصيادلة ارتفاعا في الطلب على أدوية الإجهاض بسبب "سوء الوضع الاقتصادي وعجز العائلات عن تحمل المصاريف أو فاتورة المستشفى أو فاتورة المتابعة الطبية خلال فترة الحمل وصولا للولادة".

أحد الأدوية يبلغ سعره 258 ألف ليرة، أي ما يعادل 172 دولارا، وهو ما يتخطى ربع المعاش الشهري لموظف في السلك العام.

وترتبط الزيادة في الطلب على أدوية إنهاء الحمل بتدهور المستوى الاقتصادي والاجتماعي على حد سواء، حسب سلوم. يقول: "في فترة الضائقة والعوز التي شهدها اللبنانيون في العامين الأخيرين، لم يكن مفاجئا أن يلجأ الكثيرون لهذا الإجراء، مع العلم بأنه يحمل مخاطر عدة وقد يهدد بخسارة المرأة لحياتها في حال تناولت الدواء دون متابعة الطبيب المختص. ولذلك لا يمكن صرف هذا الدواء بدون وصفة طبية".

وتؤكد قصة ندى صعوبة الحصول على الدواء، هي التي اضطرت للبحث في أكثر من صيدلية. فبعض الصيادلة يرفضون بيع هذه الأدوية لمعارضتهم المبدئية للإجهاض. يقول نقيب الصيادلة: "يرفض بعض الصيادلة وضع هذه الأدوية على الرفوف لتجنب الدخول في متاهة الصراع بين الواجب الذي يفرض تأمين الدواء المرخص بوجود الوصفة الطبية، والشعور الإنساني الذي يدفع باتجاه رفض التعاون على منع الحق في الحياة لأي كان".

أما العامل الثاني، فهو الارتفاع الكبير في أسعار بعض الأدوية نتيجة للانهيار المستمر لسعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار والذي أدى بالأصل لشح في الدواء، وفقا لما أعلنته نقابة مستوردي الأدوية في لبنان في مناسبات مختلفة. أحد الأدوية المرخص لها والمصرح عنها ضمن لوائح وزارة الصحة يبلغ سعره اليوم 258 ألف ليرة، أي ما يعادل 172 دولارا تقريبا، وهو ما يتخطى ربع المعاش الشهري لموظف في السلك العام.

وعلى الرغم من هذا الارتفاع في الأسعار الذي زاد رفع الدعم من حدته، لم ينخفض الطلب على أدوية إيقاف الحمل. "الرحيل أفضل من جحيم هذه الحياة. ندفع مرة ليحصل الجنين على فرصة النجاة أفضل من أن ندفع ألف مرة ليعيش في ذل وفي فقر مدقع"، تشدد ندى.

يتطلب الحصول على الدواء إبراز الهوية للتأكد من مطابقة الاسم مع الاسم الوارد على وصفة الطبيب. لكن الأمر ليس بهذه السهولة. فأمام الخوف من المساءلة الاجتماعية، وجدت ندى العاطلة عن العمل والمتزوجة من رجل دخله بالكاد يكفي لتوفير الطعام وسداد إيجار المنزل، نفسها مدفوعة للبحث عن الدواء في صيدلية بعيدة عن مكان إقامتها. وكانت مضطرة لتبرير قرارها خصوصا وأن الصيادلة سعوا لإقناعها بالعزوف عن قرارها بالإجهاض.

بعد حصولها على الدواء أخيرا، قضت ندى ثلاثة أيام من الألم حاولت إخفاءها وربطها بآلام الدورة الشهرية في انتظار انتهاء الإجهاض.

 

سوق سوداء نشطة

 

هل يتأمن الدواء بالطرق القانونية دائما؟ يشرح نقيب الصيادلة أن الإجراءات التي تهدف لضبط الوصول لهذا الدواء بشكل منظم ومتابع من قبل طبيب، تصطدم بالتجاوزات مثل التهريب والسوق السوداء. "في السوق السوداء، ينشط بيع الأدوية التي حصلت عليها سيدة بفضل وصفة طبية في الماضي، لسواها بدون وسيط وبدون وصفة طبية. ولا يخفى أن الدواء من جملة المواد التي تتعرض للتهريب عبر الحدود اللبنانية. وحيث إن شكل الحدود البرية بين لبنان وسوريا وتضاريسها لا يسمح بضبطها تماما، لا تتوفر إحصاءات دقيقة حول أعداد الأدوية المهربة ونوعها".

 تقول إحدى القابلات القانونيات: "تلجأ بعض المريضات لبديل الدواء أو ما يعرف باسم "الجينيريك" المهرب عبر الحدود وبما أن إيقاف الحمل يتم بشكل سري وغالبا بدون متابعة طبيب، ليس بالإمكان معرفة الأعداد الدقيقة".

ومع ذلك، يؤكد عدد من الصيادلة أن بعض المريضات يعمدن لتناول دواء إيقاف الحمل لأنهن يعلمن بأن الطبيب لن يقبل بإجراء عملية إجهاض بشكل غير قانوني. تشدد صيدلانية على أن "السيدة قد تتناول الدواء بشكل متهور بغية الإصابة بنزيف فيضطر طبيبها لإدخالها المستشفى بشكل طارئ" وبالتالي إجراء عملية إجهاض. لكنها تخاطر من خلال هذه المغامرة بالتضحية ليس فقط بالجنين وإنما بحياتها حسب ما يؤكد نقيب الصيادلة.

وترجح الدكتورة غادة بطيش، الأخصائية في علم النفس العيادي، بدورها ارتفاعا "منطقيا" في الطلب على الأدوية التي تحد من الإنجاب أو التي تنهي الحمل. "في الماضي، شكل الإنجاب أحد أهم أهداف الزواج. أما اليوم، يعيد الشريكان من ذوي الدخل المحدود والمهددان في كثير من الأحيان بمواجهة البطالة مع تراجع الاستثمارات وإقفال العديد من الشركات أبوابها، حساباتهما. لقد أضحى الإنجاب مسؤولية تثقل كاهل المتزوجين القلقين من عدم توفر البيئة المناسبة لتربية طفل بطريقة سليمة. لذلك، لا تتردد الأم أو الأب المستقبليان أو الاثنان معا باتخاذ قرار إنهاء الحمل الذي يفاجئهما في أغلب الأحيان".

ويعتبر الإجهاض جرما في القانون اللبناني الذي ينص في المادة 541 من قانون العقوبات لعام 1943، على أن "كل امرأة تطرح نفسها مجرمة"، وتواجه عقوبة بالحبس فترة ما بين ستة أشهر إلى ثلاث سنوات. وهذا يشمل المرأة التي تتناول الدواء بقصد الإجهاض بدون أي مبرر. ويواجه من يقوم بإجهاض امرأة برضاها عقوبة السجن ما بين سنة وثلاث سنوات.

 

 

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

A woman holds up a sign reading in Arabic "the marriage of minors is a crime in the name of safeguarding (honour)", during a…
عراقية تتظاهر أمام مبنى محكمة الأحول الشخصية في بغداد ضد زواج القاصرات في العراق

تحظى التعديلات المقترحة على قانون الأحوال الشخصية العراقي لعام 1959 بدعم كبير من رجال الدين الشيعة والسنة في العراق. لكن بعض رجال الدين من الطائفتين سجّلوا مواقف معارضة لهذه التعديلات.

المرجع الشيعي العراقي المعروف كمال الحيدري، وهو أحد المراجع الكبار في حوزة قم في إيران، ظل طوال السنوات الماضية معارضا  للتعديلات التي طرحت أكثر من مرة حول قانون الأحوال الشخصية.

أتباع الحيدري ومؤيدوه سارعوا إلى نشر مقاطعه وفيديوهاته القديمة، والتي تضمنت مقابلات وخطبا أجراها في الأعوام السابقة يشرح فيها الأسباب التي تدفعه إلى معارضة تعديل القانون.

ينطلق الحيدري في مواقفه الرافضة من اعتقاده أن القوانين العراقية، في بلد بمكونات دينية وإثنية مختلفة، يجب أن تغطي جميع الفئات وأن يحتكم إليها الجميع، لا أن يكون لكل فئة قانونها الخاص بها.

ويعتبر الحيدري أن على "المرجع الديني توجيه مقلديه إلى اتباع القانون، حتى لو خالف ذلك رسالته العملية وفتاويه".

وتمنح التعديلات المطروحة الحق للعراقيين في اختيار اللجوء إلى إحدى مدونتين، شيعية وسنية، يتم إعدادهما من قبل المجلسين السنّي والشيعي بهدف تقديمهما إلى البرلمان.

وتتخوف المنظمات النسائية من أن يؤدي اللجوء إلى هاتين المدونتين الباب أمام تشريع زواج القاصرات، وكذلك إجراء تعديلات جوهرية على إجراءات حضانة الأطفال بشكل يضر حقوق المرأة.

Iraqis Shiite Muslim worshippers gather outside the of Imam Moussa al-Kadhim shrine, who died at the end of the eighth century,…
كان "سابقاً لعصره".. خلفيات إقرار قانون الأحوال الشخصية العراقي 1959
أعاد النقاش حول قانون الأحوال الشخصية في العراق إلى الواجهة، الظروف الاجتماعية والسياسية التي أدت إلى صدور القانون المعمول به حالياً في عام 1959، خصوصاً بعد المطالبة بتعديله من قبل نوّاب من كتل سنيّة وشيعية في البرلمان.

رجل دين شيعي آخر، هو حسين الموسوي، أعلن بشكل مباشر معارضته للتعديلات المطروحة على القانون.

أكد الموسوي في أكثر من منشور له على موقع "أكس"‏ رفضه المستمر "لتعديل قانون الأحوال في ‎العراق، رفضًا تامًا لا نقاش فيه!".

وقال الموسوي، مستخدما وسم #لا_لتعديل_قانون_الأحوال_الشخصية: "أقول لبناتنا وشبابنا بضرورة التحرك بكل الطرق الممكنة لمنع الفئة الضالة من الهيمنة على المستقبل بعد سرقتهم الماضي".

في الجانب السنّي، يبرز موقف رئيس رابطة أئمة الأعظمية الشيخ مصطفى البياتي المعارض للتعديلات على القانون. 

وطالب البياتي في حديث صحافي الجهات التي طرحت التعديلات بسحبها "حفاظاً على وحدة العراق وحفاظاً على كرامة المرأة العراقية من هدرها على يد أناس لا يرقبون في حفظ كرامتها أي ذمة".

البياتي رأى في النقاشات التي تخاض في مجلس النواب وخارجه "ترسيخًا للطائفية بعد أن غادرها العراقيون، ومخالفة للأعراف المعتمدة في البلد".

رجل دين سنّي آخر، هو عبد الستار عبد الجبار، سجّل مواقف معارضة للتعديل. وقال في إحدى خطب الجمعة التي ألقاها في المجمع الفقهي العراقي إن "زواج القاصرات موضوع عالمي، العالم كله يرفضه، وهو ليس ديناً".

وتابع: "لا يوجد نص يقول إنه يجب أو مستحب زواج القاصرات. هو موضوع كان شائعاً في الجاهلية وسكت الإسلام عنه، والعالم الآن لا يحبه، وهذا لا يتعارض مع الإسلام لأن زواج القاصرات ليس من أصول الإسلام". 

وسأل عبد الجبار: "لماذا هذا الإصرار على هذه القضية؟ هل الإسلام جوهره زواج القاصرات مثلاً؟ إلى متى نبقى هكذا؟". ودعا إلى التفكير بعقلية "أريد أن أبني بلدي، وليس أن أنصر طائفتي على حساب الطوائف الأخرى".

ولم تعلن المرجعية الدينية الشيعية في النجف موقفاً حاسماً من التعديلات المطروحة حاليا، وإن كان مكتب المرجع الأعلى علي السيستاني قال في رد على سؤال ورد إليه عام 2019 إنه "ليس لولي الفتاة تزويجها إلا وفقاً لمصلحتها، ولا مصلحة لها غالباً في الزواج إلا بعد بلوغها النضج الجسمي والاستعداد النفسي للممارسة الجنسية". 

وأضاف المكتب أنه "لا مصلحة للفتاة في الزواج خلافاً للقانون بحيث يعرّضها لتبعات ومشاكل هي في غنى عنها".