المرأة

لبنان: قوانين تهمّش النساء وتميّز بينهن على أساس طائفي

حسناء بوحرفوش
03 أغسطس 2022

في لبنان، حيث تكتظ صفوف أكثر من 42 جامعة بعدد طالبات يتجاوز عدد الطلاب الذكور بأشواط، لا تزال النساء ضحية تمييز وعنف منهجيين، تطالها في مجالات متعددة، وتؤلمها بالأخص على مستوى التشريعات والقوانين.

حكاية المرأة اللبنانية وبعض القوانين.. حكاية تنميط وتصنيف جائر لنصف المجتمع كمواطن من الدرجة الثانية، بإجماع محلي للحقوقيين والناشطين في مجال الدفاع عن المرأة، وعالمي تعكسه التقارير الدولية حول لبنان وقوانين العمل والجنسية والأجور وصولا إلى الأحوال الشخصية من زواج وطلاق وحضانة الأطفال والحماية من التحرش والعنف الأسري. 

 

"اغتصاب حلال"

يبقى قانون الأحوال الشخصية من مجالات التميييز الأكثر تأثيرا بغياب الحماية القانونية للمرأة، التي تشي بعدم امتثال لبنان لـ"اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضدّ المرأة" (سيداو)، المقررة في يونيو 2021.

وسلطت منظمة "هيومن رايتس ووتش" الضوء مرارا على عدم "جدية السلطات اللبنانية في التعامل مع حقوق المرأة من خلال الإصلاحات التي طال انتظارها".

ولم يتّخذ لبنان الخطوات اللازمة لإصدار "قانون مدنيّ اختياريّ أو لإصلاح قوانين الأحوال الشخصية القائمة على 15 طائفة والمحاكم الدينية التي تطبّقها والتي تميّز هذه المحاكم ضد النساء من جميع المذاهب في مسائل مثل الطلاق والحضانة والملكية"، وفق المنظمة الحقوقية.

ويهدد هذا الوضع حياة الكثير من الفتيات في البلاد تحديدا القاصرات منهن، اللاتي ما زلن يجدن أنفسهن مجبرات على الخضوع للمجتمع البطريركي وتحديدا في المناطق الريفية.

ولم يمض زمن منذ ضجت وسائل الإعلام بخبر انتحار فتاة قاصر في بلدة قرحيا في الضنية شمال لبنان، التي تعد من المناطق الفقيرة نسبيا. ووجدت بنت الـ 14 عاما نفسها ضحية الضرب والعنف لإرغامها على الزواج ولم تجد الخلاص من معاناتها إلا بإنهاء حياتها.

وفي قصة أخرى، لا تستبعد هدى اللجوء للانتحار، بعدما أجبرها والدها على الزواج وهي لم تبلغ الـ16 عاما بعد.

تقول لـ"ارفع صوتك": "لم أتخيل يوما أن الزواج يشبه ذلك اليوم الذي ألبست فيه الأبيض والذي ضاعفت فيه خبيرة الماكياج الطبقات لتغطية الكدمات التي تسبب بها والديّ. لم أرقص مع من بات زوجي في ليلة العرس بل كنت أحاول الفرار منه. لم أتخيل أني لن أنشر صورنا معا على مواقع التواصل ولم أتوقع أن أخسر في الليلة الأولى ما تبقى من كرامتي وتمسكي بالحياة".

وتضيف هدى "انتقلت من انتهاك حقي بالاختيار إلى انتهاك جسدي. ولحسن الحظ، شعر والدي بالندم وساعدني في الحصول على الطلاق عندما رأى بأم عينيه ألمي الكبير ومعاناتي التي لا تنتهي".

"لقد تحررت يومها من استعباد الجسد على الرغم من أني أواجه اليوم الاتهامات بالعيب والعار" تتابع هدى.

وهذا ما تحذر منه الجمعيات المحلية والدولية التي تتفق على تردد النساء في الإبلاغ عن التحرش الجنسي أو الاغتصاب خجلا وخوفا من توجيه المجتمع لإصبع الاتهام إليهن، عدا عن عدم وجود لوائح قانونية بخصوص ذلك.  

وتتعدى السلطة الزوجية سقف الاغتصاب المقنع الذي لا يجرمه القانون في ظل تحديده الاغتصاب الزوجي و"العنف الأسري بمعنى ضيق"، حسب "هيومن رايتس ووتش" التي تنتقد عدم كفاية إجراءات الحماية القانونية من العنف الأُسري والاعتداء الجنسي والتحرّش.

وعلى الرغم من إلغاء المادة (522) من قانون العقوبات التي تنص على إعفاء المغتصب في حال تزوج من ضحيته، عام 2017، بقيت "ثغرة قانونية متعلّقة بالاعتداءات التي تشمل الجنس مع طفلات بين عمر 15 و17 عاما والجنس مع فتيات عذارى مع وعدهن بالزواج".  

ويصيب هذا الاغتصاب كل مفاصل الحقوق بالصدأ خصوصا مع إحالة قضايا الطلاق إلى المحاكم الدينية حيث تتفرد الطوائف الدينيَّة بتولي مسؤولية شؤون الأسرة في لبنان.

تعليقا على هذا الأمر تؤكد حياة مرشاد، الناشطة الاجتماعية ومؤسسة مشاركة لجمعية "فيمايل fe-male" النسوية، أن "قوانين الأحوال الشخضية تميز ضد النساء بقضايا مختلفة مثل الحضانة"، مضيفةً "من المهم هنا الإشارة إلى أن 15 قانون أحوال شخصية تحكم قضايا المرأة، والتمييز ليس فقط بين رجل وامرأة وإنما بين امرأة وامرأة من طوائف مختلفة".

"وللأسف، يتغلغل هذا القانون بكل تفاصيل حياتنا وتعاني منه النساء خلال السعي لكسب قضايا الحضانة والنفقة والطلاق والزواج. أضف إلى ذلك أنه بعد كل الضغوطات من أجل تحديد السن الأدنى للزواج بلبنان بـ 18سنة، لم يقر القانون على الرغم من وجوده بمجلس النواب. وما زلنا نعاني من ظاهرة تزويج الطفلات"، تبيّن مرشاد.

 

"محكمة الأمهات"

وماذا إن نتجت عن هذا الزواج ثمرة الأطفال المباركة؟ تواجه المرأة اللبنانية معضلة جديدة أمام القوانين المتعلقة على وجه التحديد بالحضانة وبمنح الجنسية للأبناء.

تدين الناشطة الاجتماعية والباحثة في علم المعلومات والنوع الاجتماعي (الجندر)، رولا دوغلاس، التعاطي في هذا الإطار، مع "المرأة اللبنانية كمواطنة من الدرجة الثانية وعدم منحها الثقة والحق بتسيير حياتها وبالاختيار. وهذا ما يتبلور من خلال القانون العائد للعام 1925، الذي لم يخضع للتعديل حتى يومنا هذا لاعتبارات طائفية، ويحرم النساء من حق منح جنسيتهن لأسرهن أي للزوج وللأطفال".

وتعلق بأسف: "في ذلك لظلم وإجحاف كبيرين وتحقير للمرأة اللبنانية التي تجد نفسها محرومة من حق منح الجنسية لأولادها، بينما تتخطى امتيازات الرجل كل ذلك بأشواط. فله الحق بمنح الجنسية لزوجته أو زوجاته في حال كان متعدد الزوجات".

"وأكثر من ذلك، بإمكانه منح الجنسية لأولاد المرأة الأجنبية التي تزوجها بعد وفاة زوجها في حال كانوا قاصرين." ولا يهدد هذا الحرمان الأم اللبنانية فحسب وإنما يضع كل نواحي حياة الأولاد والشريك، على أسس متزعزة، بما في ذلك حقهم في الإقامة والتعليم والرعاية الصحية، الخ وصولا إلى انعدام حصولهم على أي جنسية تماما"، تتابع دوغلاس لـ"ارفع صوتك". 

وتروي ريما التي اختبرت تجربة صعبة في المحكمة الجعفرية عام 2017 حين تقدمت بطلب الطلاق: "كنت أتمنى لو مثلت أمام كاتب عدل يبت في قضيتي ويحكم بما هو الأفضل لأولادي، لأني شعرت بالكثير من الذل والإهانة وأنا أنتظر أن يقرر شخص ما حقي في الحصول على المؤخر والنفقة أم لا، لمجرد أني أتبع طائفة معينة محكومة برمز ديني بطريركي".

وتضيف لـ"ارفع صوتك": "لم أشعر للحظة أنه استمع لوجهة نظري واستمرت المماطلة بالملف مع التكاليف المتراكمة عنها، حتى اضطررت للتنازل عن كل حقوقي للحصول على طلاقي. لم أشعر أني مواطنة لبنانية.. شعرت بأني أشبه بالمجرمة. لو أن رجلا وقف مكاني لسارت الأمور بكل سلاسة وربما بما يرتضيه مزاجه".  

بينما في قصة هلا، اختلط تطبيق القانون في حالتها بالعنف الذكوري الذي مورس عليها من طليقها الذي انتشل منها ولديها تحت التهديد على الرغم من أن الحضانة لها شرعا. لذلك، تضاف عدم دراية المرأة بحقوقها وعدم توعيتها إلى لائحة طويلة من أسباب المعاناة.

تقول وقد اعتلت وجهها المفاجأة والحيرة: "كان بمثابة القبضاي الذي خفنا من سلاحه! لم أعرف أن بإمكاني اللجوء للمخفر لتطبيق الحكم. وبعد أن خسرت شهورا طويلة قاسيت فيها من حرماني أبنائي، تجرأت وتخطيت العيب والتهديد وذهبت بصحبة عناصر الأمن لأستعيد أولادي. كانت لحظة انتصار للحق مع أن الخوف لم يغادرني حتى الساعة!".

وإن ظفرت هلا، لا تزال العديد من الأمهات يعانين من عدم القدرة على الوصول لأولادهم خصوصا في حال عرقلة النفوذ لتطبيق القانون.

 

تطبيق "أعرج" للقوانين

وتتضاعف مجالات التمييز كما في المواد (505)  و(518) و(252) من قانون العقوبات، مع انتشار ثقافة الإفلات من العقاب بحسب "الكانتونات" المناطقية، حيث قد تتدخل المحسوبيات السياسية وتمارس الضغوطات للإفراج عن المتهمين بالاستغلال الجنسي.

وفي أحدث الجرائم التي وقعت في يونيو 2022، تعرضت فتاة من ذوات الإعاقة في مخيم عين الحلوة الواقع في صيدا جنوب لبنان، للاغتصاب.

ووجهت الجريمة بمحاولات الطمس و"التستر عن الفضيحة" في منطقة خاضعة لنفوذ عسكري، مع الدفع باتجاه اعتبار هذا الجرم في خانة "القضية العائلية" بعد اتهام عم الفتاة بالضلوع في الاعتداء. 

في هذا السياق، تأسف مرشاد، لأن المشكلة تكمن في مقاربة وتطبيق القوانين. تقول: "القوانين إما غائبة أو تمييزية أو قاصرة عن حماية النساء. وعلى الرغم من قيام الناشطين والجمعيات النسوية على مر السنين بالضغط والدفع من أجل القوانين مثل قانون الحماية من التحرش الجنسي وقانون حماية النساء وسائر أفراد الأسرة من العنف الأسري، لا يكفي تمرير القانون لأن الطامة الكبرى تبقى في العمل الجدي على إنفاذه بشكل فعلي لضمان الحماية للنساء".

إذا هو تطبيق "أعرج" للقوانين على مستويات عدة. تضيف مرشاد "فلننظر في قانون العمل، لا شك بأن التمييز يبرز في عدة مواد لناحية المساواة بين الذكور والإناث، فمن ناحية هناك مسألة قدرة المرأة على ضمان زوجها وأولادها، ومن ناحية أخرى التمييز في الأجر الذي لا يشير إليه القانون لكنه يمارس على الرغم من ذلك دون أي مساءلة قانونية".

وتبيّن لـ"ارفع صوتك": "في سياق العمل أيضا، يبرز موضوع إجازة الأمومة. وبالنظر إلى القوانين والمعايير العالمية، نجد أن القوانين اللبنانية ما زالت قاصرة وأن الإجازة التي تمنح للأم ليست كافية، مع الإشارة إلى غياب إجازة الأبوة، وهو تفصيل غاية في الأهمية يلقي بثقل الأعباء العنائية على الأم اللبنانية بشكل مضاعف".

وعلى الرغم من القوانين المقدمة وتلك التي يتم إقرارها، لا تزال الجهود تصطدم بحائط مسدود. تجزم مرشاد بأن "تعديل القوانين أساسي وكذلك بالنسبة لإقرار قوانين حمائية ولكن الأهم يبقى في تطبيقها وفي التشدد بالعقوبات".

فيما تعلّق دوغلاس: "هذا الحائط المسدود الذي تصطدم به الجهود يؤكد أن الهيمنة الذكورية لا تزال طاغية في المجتمع وأن من يصل إلى موقع القرار ليس مقتنعا بمفهوم المساواة بين المرأة والرجل، وفي الأصل، لا نجد في قوانين الأحوال الشخصية، مساواة بين المواطنين وبين المرأة وسواها من طائفة أخرى".

"أضف إلى ذلك أن هذه القضية لا تعالج كأولوية في الوقت الذي يجب أن يبقى بناء المواطنة والمساواة بين المواطنين في صميم بناء الوطن"، تؤكد دوغلاس، علماً بأن المادة (33) من الدستور اللبناني تنص على مساواة المواطنين في الحقوق والواجبات بلا تمييز على أساس الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة.

حسناء بوحرفوش

مواضيع ذات صلة:

في عام 2020، أعربت وكالات الأمم المتحدة في العراق عن قلقها إزاء العدد المتزايد لحالات العنف الأسري
لافتة بالانجليزية تحملها ناشطة عراقية تدعو إلى وقف قتل النساء- تعبيرية

تحولت قضية وفاة الطفلة سمر الفراجي ذات الستة عشر ربيعاً إلى قضية تشغل الرأي العام العراقي بعد اتهامات وجهت إلى والدها بتعنيفها جسدياً ما تسبب بوفاتها، ثم تزييف العملية على أنها انتحار شنقاً للتغطية على الجريمة المفترضة. 

لم يتم التأكد من صحة أي من هذه الاتهامات، التي ينفيها أقارب الأب، ولا تزال القضية في عهدة الأجهزة الأمنية والقضاء العراقي. لكن قضية سمر الفراجي فتحت الباب مجدداً أمام مطالبات من ناشطين وناشطات في حقوق الإنسان بإقرار قوانين وتعديل أخرى طال انتظارها، رغم مرور سنوات على تعطيلها داخل أروقة السلطة التشريعية العراقية. أهم تلك القوانين، قانون العنف الأسري وفقرات في قانون العقوبات تتيح تخفيف العقوبات في حال كان القتل غسلاً للعار، أو تسمح بتزويج الضحية من مغتصبها.

 

عنف أسري؟

خالة الضحية، وتدعى "أم أديان"، هي التي فجرت القضية بعد ظهورها عبر قناة الاعلامي خطاب الهيتي على موقع يوتيوب، وكشفت أن شقيقتها كانت تتعرض للضرب المبرح من قبل طليقها، ووصل العنف معه إلى ضرب رأس شقيقتها بالجدار بقسوة، واضطرت لخلعه بقرار قضائي والانفصال عنه، ثم توفيت بعد فترة نتيجة مرض عضال.

بعد وفاة والدة سمر المبكرة، طالبت أختها أم أديان بحضانة الطفلة خوفاً من التعرض للعنف، إلا أن "الأعراف والتقاليد وتدخل العشيرة" حالت دون ذلك.

فريق "ارفع صوتك" حاول التواصل مع خالة الضحية التي فضلت عدم الإدلاء بتصريحات أخرى. وقالت إنها "تمكنت من إيصال صوتها للجهات المعنية لفتح تحقيق في القضية، حرصاً منها على عدم ضياع صوت سمر".

بدورها، نشرت منظمة حقوق المرأة على موقع التواصل الاجتماعي "أكس" تغريدة نقلت فيها عن أخوال الضحية طلبهم "تحقيق العدالة، وإعادة كشف ملابسات الجريمة".

وبحسب المنشور، فإن الضحية "عانت لسنوات من مختلف أنواع التعذيب على يد الأب وزوجته رغم المحاولات المتكررة لإحدى خالاتها للحصول على حضانة سمر، إلا أن الحضانة بقيت للأب، حتى مع وجود آثار الكدمات على جسد الطفلة".

وبحسب المنشور، فإن "المعطيات تشير، بما في ذلك الحبل الذي عُثر عليه معلقًا في سقف الغرفة بطول يتجاوز مترين ونصف، إلى أن سمر لم تكن قادرة جسدياً على تنفيذ الانتحار بنفسها".

الكلام ذاته كررته الإعلامية والناشطة آية منصور التي قالت إن خالة الطفلة "حاولت نيل حضانتها واشتكت كثيراً خاصة وأنها تُعنف على مدار سنين لكن دون نتيجة". وتساءلت منصور: "متى سيُشرع قانون العنف الأسري؟".

قانون العنف الأسري الذي تطالب به منصور والمنظمات المعنية بحقوق الإنسان ما يزال، منذ ثلاث دورات انتخابية، عالقاً في أروقة السلطة التشريعية من دون إقراره، بعد مناهضته من قبل الأحزاب الإسلامية النافذة في البرلمان العراقي، تحت مزاعم أنه يحرض الأبناء والزوجات ضد عوائلهم.

حياة عواطف في خطر.. الانتحار كـ"غطاء" لجرائم قتل النساء في العراق
"على سبيل المثال كأن تحترق الفتاة أو الشاب في الحمام أو بالمدفأة أو يلقى حتفه بعد السقوط عند نشر الغسيل، إلا أن التحقيقات لاحقاً تظهر أو من خلال تقرير الطب العدلي بأن سبب الوفاة هو القتل خنقاً أو ضرباً وغيره" يتابع البيراوي.

 

الرواية المضادة

حاول فريق "ارفع صوتك" التواصل مع والد الضحية، وتمكن من إجراء مقابلة مع أحد أقارب الأب شرط عدم الكشف عن هويته.

وبحسب رواية أقارب الأب، فإن والد سمر الملقب بأبو محمود، "حين تزوج (أم سمر) كانت قد تخرجت من كلية القانون، ولم تعمل كمحامية إلا بعد حصولها على وظيفة في المحكمة. ومنذ ذلك الوقت وهما في حالة خلاف حاد استمر لخمس سنوات انتهى بطلبها الطلاق وحصولها على حضانة الفتاة، وهو ما كان الأب يرفضه لتعلقه الشديد بالطفلة".

وبعد فترة قصيرة من الانفصال، "توفيت والدة سمر بعد بتر ساقها بعملية جراحية إثر اصابتها بمرض عضال، ليستعيد الأب الحضانة، ثم تزوج واستمرت الطفلة بالعيش مع والدها وزوجته وإخوتها الصغار لعشرة أعوام حتى يوم وفاتها".

ينفي أقارب والد الضحية وجود أي حالة إساءة للطفلة فـ"الأب يعمل كمعلم في المدرسة، بالإضافة إلى عمله في مجال البناء، وهو ما سمح له بشراء قطعة أرض وبنائها والاستقلال في منزل قريب من سكن عائلته".

وكما يقول قريب الأب، فإن "الأدلة الجنائية وصلت إلى بيت الضحية، وقامت ضمن عملها بفحص كاميرات المراقبة، والتأكد من أن الأب كان خارج المنزل عند وقوع الحادث".

 

ليست استثناءً!

بغض النظر عن تفاصيل قضية سمر الفراجي، فإن وفاتها أعادت النقاش مجددا حول قوانين العنف الأسري، خاصة مع تكرار حالات القتل خلال السنوات الماضية. "حالة سمر ليست استثناء في العراق، فقد شهد البلد حالات عديدة لقتل الفتيات ثم تغيير طبيعة الحادث الى انتحار لأسباب عديدة، منها ما يتعلق بالإرث أو الضرب المفضي للقتل، أو القتل بدواعي غسل العار والذي يحصل بموجبه الجاني على حكم مخفف جداً بموجب القانون"، بحسب الناشطة في حقوق الإنسان وعضو منظمة النجدة الشعبية هناء حمود.

تكشف حمود في حديثها لـ"ارفع صوتك" عن وجود تلال في مناطق نائية في العراق يتم فيها دفن الفتيات بعد قتلهن عندما يتم اتهامهن أو الشك بسلوكهن". والمشكلة الحقيقة، بحسب حمود، أن المجتمع "أصبح فيه القتل سهلاً بفضل السلاح المنفلت، والقدرة على الإفلات من العقاب، مقابل عدم وجود أدوات للحد من هذه الظواهر".

بدورها تشير الناشطة في مجال حقوق الإنسان سارة جاسم إلى أن "الإفلات من العقاب في حالات القتل الذي يتم تغطيتها على أنها انتحار يأتي من أن عائلة الضحية نفسها تتستر على الجريمة لأسباب خاصة".

تضرب جاسم المثل بحالة قتل زوجة من قبل زوجها حصلت في إحدى محافظات العراق، لم يتم فك طلاسمها إلا بعد حملة من منظمات المجتمع المدني وعائلة الضحية.

حينها، "تم استخراج الجثة بعد الدفن وإجراء الفحص الجنائي، ليتبين أنه تم خنقها أولاً، ثم جرت عملية تمويه للإيحاء بوجود حالة انتحار".

بالنسبة إلى جاسم، فإن "أي قضية لا يتم فيها المطالبة من أقارب المجني عليهم، فإن هذا يعني عدم القدرة على المضي قدماً بإجراءات التحقيق". وهو ما يتطلب "تعديلاً للقانون بما يسمح لأشخاص من غير الأقارب بالمطالبة بفتح التحقيق في مثل هذه القضايا". وتستدرك: "أحياناً يتدخل الفساد الإداري والمالي أو الوصاية العشائرية في تغطية آثار القتل وتجييره على أنه حادث عرضي أو انتحار، خصوصاً إذا كانت الضحية امرأة".

 

وفي معرض رده عن سؤال يتعلق بإمكانية تعرض الضحية لعنف أفضى إلى الموت أو القتل من قبل أحد أفراد العائلة، ينفي المقرّب من الأب هذه الفرضيات، كما ينكر معرفته بأي أسباب تدفع الضحية إلى الانتحار، ويرى أن هذه القضية الآن في عهدة القضاء، و"هو الذي يعطي كل ذي حق حقه".