كثيرًا ما حفلت كُتب المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد أو الدراسات التي كُتبت عنه بشكرٍ خاص لامرأة لعبت دورًا كبيرًا في مساعدته على إيصال صوته إلى العالم، هي ذراعه اليُمنى لـ14 عامًا متتالية قامت فيها بدور الباحثة والمُترجمة والمُحرّرة والمُدققة والمتحدثة بِاسمه في وسائل الإعلام. إنها العراقية زينب الإسترابادي أستاذة اللغة العربية في عددٍ من الجامعات الأميركية.
حققت نجاحًا كبيرًا في أميركا، وشُهرة متوسطة الحجم في العراق، أما باقي العالم العربي فلا يكاد يعرف عنها شيئا رغم قيمتها الأدبية الجمّة والدور الكبير الذي لعبته في إنجاح تجربة إدوارد سعيد أحد أبرز المفكرين العرب الذين عرفهم الغرب.
من هي زينب؟
وُلدت في لندن عام 1955، إلا أنها ترعرعت في بغداد وظلّت فيها حتى سافرت إلى مدينة بلومنغتون الأميركية، في ولاية إنديانا، عام 1970 عقب تعيين والدها مهندسًا هناك. وكان ما شجّع والدها على قرار السفر هو رفضه الانضمام لحزب البعث الذي كان في أوج سُلطته حينها. تقول زينب "لو بقي والداي في العراق، لكانا في أحسن الأحوال قد سُجنا"، لمجلة "لايم بوست ماغازين" في بلومنغتون، ألاباما.
أستاذة اللغة العربية في جامعة إنديانا كان آخر منصب شغلته في حياتها، وخلف ذلك المنصب قصة طويلة كشفت عن بعض تفاصيلها في لقاءات إعلامية نادرة، حكت أنها فور قدومها إلى بلومنغتون عاشت في عزلة بسبب قِلة أعداد الجالية العربية والإسلامية في تلك المدينة الأميركية حينها، حيث كان عددهم "لا يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة" بحسب تعبيرها. لاحقًا أعربت عن سعادتها بزيادة أعداد الجالية الإسلامية في المدينة.
وبحُكم أسبقيتها في الحضور كعائلة مُسلمة، أصبحت عائلة الإسترابادي من أشهر العائلات في بلومنغتون كلها.
أستاذة الجامعة
عقب أحداث 11 سبتمبر، نشأت الحاجة في بلومنغتون إلى شخص إضافي في قسم لغات وثقافات الشرق الأدنى، وكانت زينب الاختيار المثالي. فعادت إلى بلومنغتون ولم تغادرها حتى توفيت العام الماضي.
في نهاية عام 2010، كانت جزءًا من وفد إسلامي زار كنيسًا يهوديًّا تعرّض لأعمال معادية للسامية بعدما رُشَق عدة مرات بالحجارة. وفي كلمتها خلال تلك الزيارة قالت إن مرتبكي تلك الأفعال "ليسوا مستنيرين"، كما اعتبرت أنه رغم كافة جهودها في هذا المجال تحديدًا إلا أنه يبدو أن الأميركيين بحاجة إلى المزيد من التفاعل مع بعضهم البعض، فهذا يساعد كثيرًا على محو الحواجز بينهم.
اعتبرت زينب في 2019 أن قسم اللغة العربية في جامعة أنديانا يمثّل فرصة ذهبية لكل أميركي يرغب في تعلُّم اللغة العربية بسبب البرامج التعليمية التي تقدّمها الجامعة.
تحكي عن علاقتها بطلابها، فتقول: "لم أتزوّج وبالتالي لم أنجب، ولذلك أعتبر أن جميع طلابي أصبحوا جزءًا من عائلتي، وأعتبر أنني لستُ موجودة فقط لمساعدتهم في تعلُّم العربية ولكن لمساعدتهم في أي شيءٍ يحتاجونه طيلة دراستهم الجامعية".
مُعارِضة شرسة لصدام حسين
حينما اتخذ الرئيس الأميركي جورج بوش الابن قراره بغزو العراق شاركت زينب بكثافة في جهود معارضة الحرب بالرغم من معارضتها المستميتة لنظام صدام حسين، وعشية إعلان إسقاط نظامه لم تستطع منع نفسها من الفرحة.
في تلك اللحظات التاريخية، كانت زينب في الـ47 من عُمرها، لكنها لم تُنكر شعورها بـ"سعادة غامرة" بخلاص بلاد الرافدين من صدام. حكت قائلة "ما جعلني أصاب بالبكاء هو سماعي الحشود تهتف للعراق وليس لصدام، فأنا منذ عقود لا أسمع إلا هتافات لصدام تعده بالتضحية بالدماء والأرواح لأجله ليس من أجل العراق".
أيضًا، أعربت عن شعورها بالخوف على حياة أقاربها الذين لا يزالون يعيشون بالعراق، لكنها أضافت "المهم أن العراق تخلّص من صدام".
بعدها، وفي ديسمبر 2003م، وبعدما نجحت القوات الأميركية في القبض على صدام حسين أعربت عن سعادتها بهذه الخطوة قائلة: "تمنيتُ أن يُقبض عليه حيًّا (وهو ما تحقق) حتى يُحاكم عن كل جرائمه بحقِّ الشعب العراقي"، لكنها في المقابل لم تنسَ انتقاد حالة الفلتان الأمني التي عاشها العراق تحت قوات التحالف الدولي البلاد.
وفي لقاءٍ عُقد معها وجّه لها المُحاوِر سؤالاً عن أهم معتقداتها الحياتية، فأجابت "كمُسلمة، أتمنّى أن يؤمن أصدقائي المسيحيون واليهود أننا نعبد نفس الإله، إله إبراهيم وموسى وعيسى، كما حكت في لقاءٍ آخر أنها اهتمت بدراسة المسيحية وقضت فترة من عُمرها في قراءة "الكتاب المقدّس".
إدوارد وزينب.. المُساعِدة التي فكّت طلاسم الخط
تيموثي برينان أستاذ الأدب الإنجليزي، والذي ألّف كتابًا عن سيرة إدوارد سعيد بعنوان "أمكنة العقل" كشف لـ"ارفع صوتك" بعضًا من جوانب علاقة الكاتب الأميركي الفلسطيني الشهير بزينب. يقول إن أي شخص كان يرغب في لقاء إدوارد كان يتعيّن عليه محادثة زينب أولاً، لذا فإن الكثير من تلاميذ إدوارد تعرّفوا عليه بشكلٍ جيد، وكانوا يعتبرون أن ردود أفعالها معهم هي ترجمة لما يعتقده إدوارد بحق كل واحد فيهم.
يقول برينان: "كانت لطيفة في أغلب الأوقات، لذا كانت محبوبة على نطاقٍ واسع. وفي الواقع فإن أغلب مهامها كانت تتخطّى أستاذ اللغة العربية في جامعة إنديانا، لقد كانت تفعل كل شيء لإدوارد؛ تُعيد كتابة الرسائل التي أملاها عليها، تدير أعماله اليومية، تكتب مقالاته التي يكتبها بخط اليد، ترتب ارتباطاته ومواعيده، وكذلك تدقّق مقالاته وخطاباته".
ويُضيف: "خلال التعامل معها تُشعرك بأنك تتعامل مع مثقف مستنير قرّر التفاني خلف "مرشد" أو "زعيم قضية"، ومن منطلق التفاني في خدمته فإنها وضعتها مسيرتها المهنية جانبًا طيلة عقدٍ من الزمن.
في نيويورك التقى إدوارد سعيد بزينب الإسترابادي. كلاهما مثقفان عربيان مشبّعان بثقافة المشرق، وكلاهما أُرغم على ترْك وطنه الأصلي والعيش في بيئة أميركية ظلّت غريبة عنه رغم ما لقي فيها من تكريمٍ جم.
في عام 1986م انتقلت زينب إلى نيويورك للعمل كمُساعِدة للمفكر الفلسطيني إدوارد سعيد الأستاذ في جامعة كولومبيا. تقول عنه: "لقد كان رجلاً من عصر النهضة، كان يعرف الأدب الإنجليزي والعربي، وكذلك كان ناقدًا ثقافيًا وأدبيًا وموسيقيًّا".
يوضح برينان كواليس اختيار إدوارد لزينب تحديدًا للعمل معه، فيقول لـ"ارفع صوتك": علمت صديقة زينب أن إدوارد يبحث عن مساعدٍ له، فأخبرت زينب التي تحمست لخوض التجربة. بالرغم من أنها لم تكن تعرف الكثير عن مكانته فإنها اتصلت به من إنديانا وأرسلت له سيرتها الذاتية، ثم توجهت إلى نيويورك لمقابلته.
خلال اللقاء، أخبرها إدوارد أن العمل معه سيكون شاقًا بسبب حجم المهام الكبيرة التي سيتعيّن عليها إنجازها. وبعد أسبوعين أخبرتها جامعة كولومبيا أن الاختيار وقع عليها للتعاقد معها.
عملت زينب مع سعيد قرابة 14 عامًا، قالت عنه بعدها "على الرغم من ولادته في عائلة مسيحية، إلا أنه كان يشعر دومًا بأنه جزء من الحضارة العربية الإسلامية".
وتابعت: كان يؤلمه تقديم الإسلام والمسلمين بشكلٍ سلبي في وسائل الإعلام العالمية، ولهذا كتب عشرات المقالات التي تنتقد هذا التقديم في الصُحف والمجلات والأفلام. كان يهزُّ رأسه لي في بعض الأوقات ويخبرني أن الأمور ساءت كثيرًا ولم يُسفر توالي السنين عن أي تحسُّن.
كان يعتمد عليها في الكثير من أمور، فحينما ذاع صيته في الشرق الأوسط وطلبت الصحف العربية منه كتابة مقالاتٍ على صفحاتها، بعض هذه المقالات كان يكتبها إدوارد بالإنجليزية ثم تتولّى زينب ترجمتها لأن العاملين في تلك الجرائد كان يترجمونها بشكلٍ سيء وغير مفهوم، كما أن الكثير من مقدّمات كُتبه حافلة بالشُكر لها بسبب مجهوداتها الكبيرة في توفير المصادر العلمية له، وتنقيح المواد التي يكتبها حتى تضفي عليها جمالاً وكمالاً.
وعقب إلقائه عدة محاضرات في نيويورك، ختمها بجملة "أشكر مُساعدتي زينب استرابادي التي عاونتني في جميع مراحل التحضير لهذا المؤتمر، شكرًا على مساعدتك القيّمة".
وفي كتابه "خارج المكان" لم ينسَ سعيد أن يُوجّه الشُكر لـ"مساعدته الممتازة التي يجب أن تحصل على جائزة لفك طلاسم خط يده، وتعيد إنتاجها في شكلٍ يُمكن قراءته".
وكانت زينب تضحك دومًا على الساعات الطويلة التي تقضيها في تسويد مسودات محاضراته ومقالاته بسبب الخط السيء لإدوارد!.
فحتى عندما حصل على جهاز كمبيوتر "لابتوب" عام 1997، اعتاد إدوارد كتابة مقالات وكتبه بخطٍ بالغ السوء، وهنا كانت مهمتها الشاقة في فهم هذا الخط وكتابته في مسودات تعرضها عليه كي يُجري عليها عدة تعديلات تنفّذها زينب، وفي المعتاد كانا يحتاجان إلى 3 مسودات حتى يصلا إلى الصياغة النهائية للنصِّ المطلوب.
مهمة قد تكون محتملة خلال كتابة مقالٍ من ألف كلمة، لكنها تكون بالغ الصعوبة عند التعامل مع مخطوطات كُتب كاملة، من أمثلة هذه الكتب التي أخرجتها زينب للنور: "الثقافة والإمبريالية"، "خارج المكان"، "المثقف والسُلطة".
ولم يكن دورها يقتصر على مجرد تنقيح كتاباته، بل كان يسألها عن رأيها في مقالاته وفي بعض الأحيان كانت تقترح عليه تغييرات يستجيب لها.
كانت تعمل من التاسعة صباحًا وحتى السادسة أو السابعة ليلاً، رغم ذلك فإن راتب الوظيفة كان متواضعًا، قرابة 14 ألف دولار سنويًّا، أي 800 دولار في الشهر، تكفّلت جامعة كولومبيا بدفعها. رقم هزيل إزاء حجم المهام الضخمة التي كانت ملقاة على عاتقها، لكنها وافقت على هذا لأنها اعتبرت أن ما تقوم به "أكبر من مجرد وظيفة"، بل خدمة جليلة يستحقها إدوارد، ليس فقط بسبب موقفه من القضية الفلسطينية، ولكن بسبب "تأثيره السياسي الكبير وقوته في فِعل الخير"، على حد تعبير برينان.
عندما علم "سعيد" براتبها المنخفض، غضب بشدّة ودبّر لها زيادة مكّنتها من الانتقال إلى سكن أكثر جودة.
في أكتوبر 2000، حينما أثار إدوارد جدلاً عالميًا بصورته وهو يقذف حجرًا على نقطة حراسة إسرائيلية على الحدود اللبنانية احتفالاً برحيل الاحتلال الإسرائيلي عن جنوب لبنان. ثارت ثائرة الكثيرين من أعداء سعيد ومارسوا ضغوطًا على جامعة "كولومبيا" لتقديم اعتذار عن هذه الفِعلة.
اهتمّت صحيفة "نيوريورك تايمز"، بالواقعة، مثلها مثل باقي الصحف، ولما فشلوا في العثور على إدوارد لجأوا إلى ذراعه اليمنى زينب، التي كشفت لهم عن سفره خارج البلاد، وبالطبع قدّمت دفاعًا مُضنيًا عنه.
أما عن زينب نفسها، فقد حكت عن ذكرى عملها مع إدوارد في مقالٍ إنساني بديع كشف الكثير عن أبعاد شخصيتها وشخصيته. تقول "كان يصرُّ على أنني أعمل معه وليس لصالحه، وكان يؤكد لي دائمًا أنني عضو في فريقه".
لم يتوقّف تقديره لها على هذه الكلمات وحسب، وإنما في أحد الأيام رغبت إحدى زميلات إدوارد في جامعة كولومبيا الاستعانة بخدمات زينب كمُساعِدة لها أيضًا فرفض، وهدّد بالرحيل عن كولومبيا والانتقال إلى العمل في جامعة هارفارد.
وبحسب برينان، كان يشعر بالغضب إذا غابت زينب للمرض أو لأي عُذر آخر، كان يتصرّف كما لو أن مكتبه سينهار.
في عام 2001، بدأت بوادر المرض في الظهور عليها، وشعرت أنها لم تعد قادرة على الوفاء بمهام عملها مع إدوارد، وأنه سيكون بحاجة إلى شخصٍ أصغر وأقوى مما أصبحت عليه.
وعقب رحيله، كشفت زينب عن كواليس آخر لقاء جمعها به قبيل وفاته ببضعة أشهر حينما ذهبت لزيارته في منزله، انتوت الجلوس معه عدة دقائق تُلقي فيها التحية، لكنها قضت ساعات تحتسي الشاي وخاضت نقاشات ممتعة معه ومع عددٍ من أصدقائه.
الوفاة
رحل سعيد عن الحياة في 2003 متأثرًا بإصابته بسرطان الدم، وبعدها كان الدور على مُساعدته لتعاني من السرطان أيضًا (سرطان الثدي).
وعقب رحلة مؤلمة رحلت زينب العام الماضي وهي في الـ65 من عُمرها. طيلة هذه الرحلة لم تتوقّف عن رعاية طلابها حتى أيامها الأخيرة، فاستحقّت ما نعتها جماعة أنديانا به في مقالٍ مؤثر قالت فيه "إن زينب كانت عضوًا محبوبًا في المدرسة والجامعة، وإنها نموذج يُحتذى به في حبها وتفانيها لطلابها".
وكشف أخوها فيصل أن نشاطها المستديم في مجال حوار الأديان دفع معبد بيت شالوم اليهودي للصلاة من أجلها بعدما علم المسؤولون عنه بحقيقة مرضها، وهو ذات ما قامت به عددٌ من منظمات المجتمع المدني المسيحية.
