جانب من القرطاسية التي تم توزيعها على الطلبة من قبل فريق نجران الخيري- فيسبوك
جانب من القرطاسية التي تم توزيعها على الطلبة من قبل فريق نجران الخيري- فيسبوك

قبيل عودة التلاميذ للمدارس مع بدء العام الدراسي 2022-2023 المقرر في الرابع من سبتمبر الجاري، ونتيجة الأزمة الاقتصادية التي يعيشها السوريون في بلدهم، أطلقت ثلاث نساء من قرية نجران في الريف الغربي لمحافظة السويداء، مبادرة خيرية، لتأمين ملابس ومستلزمات المدرسة للطلبة الأكثر حاجة وبشكل مجاني.

ولاقت الحملة تجاوبا لافتا وتعاونا بين أهالي القرية والمغتربين وأصحاب فعاليات اقتصادية في المنطقة.

هذه ليست المرة الأولى، إذ وفرن في يوليو الماضي ملابس العيد للكثير من الأطفال، مجاناً.

شملت المرحلة الأولى تقديم الملابس لـ 80 طالبا في المرحلة الابتدائية من الأسر الأشد حاجة، ستليها عملية توزيع القرطاسية والشنط لطلاب المرحلتين الإعدادية والمتوسطة.

أم يوسف (40 عاماً)، لديها ثلاثة أطفال، وهي مستفيدة من المبادرة، تقول لـ"ارفع صوتك"، إن "التكافل الأهلي مهم جدا في هذه الظروف المترافقة مع تدني الرواتب وموجة الغلاء وارتفاع أسعار ملابس المدرسة ومستلزماتها، وجاءت مبادرة شباب نجران لتزيل حملاً ثقيلا عن كاهل الأهالي".

وتضيف: "هي مبادرة مهمة جدا نتمنى تعميمها على كافة المناطق في سوريا، وأُثني على قيام الفريق بعدم استغلال حاجة الأهالي وتقدير ظروفهم وتعففهم، يتصلون بنا للحضور ويتم التعامل معنا بكل ود واحترام ويساعدوننا على اختيار المقاس المناسب".

 

فريق نجران الخيري

وفاء عبد الخالق صاحبة الفكرة وإحدى المتطوعات المشرفات على المبادرة، تقول لـ"ارفع صوتك": "في عيد الأضحى الماضي انطلقت مبادرة فريق نجران الخيري بهدف توزيع الملابس والأحذية مجانا للأسر المحتاجة، التي شهدت دعما كبيرا من الأهالي، والآن مع في موسم العودة للمدارس، قمنا بتوزيع الألبسة المدرسية والأحذية على الطلبة".

وعن كيفية تحديد الفئات المحتاجة، توضح عبد الخالق: "نحن على مستوى القرية نعلم من هي الأسر المحتاجة، كما نقوم بالتواصل مع مدراء المدارس بشكل دائم لتأمين لوائح بأسماء الطلبة، ونحصل على قائمة الأسر المحتاجة من لوائح الهلال الأحمر ومن المراكز وسجلات المدارس".

وشهدة المبادرة "تجاوبا وشكرا كبيرا من قبل الأهالي لمساهمتها بتخفيف العبء عن كاهلهم، وخاصة الأسر التي تضم عدة أطفال في المدرسة"، حسب عبد الخالق.

وتضيف أنهن "استطعن التوفير على الأسر بشكل كبير، إذ تبلغ كلفة ملابس طالب المرحلة الإعدادية حوالي 200 ألف ليرة سورية كحد أدنى للطالب الواحد"، متسائلة "كيف ستتمكن أسرة لديها عدة أطفال من تأمين كافة مستلزمات المدرسة لأبنائها؟"، علماً بأن متوسط الرواتب في سوريا 100 ألف ليرة.

 

التكافل المجتمعي

تتابع عبد الخالق حديثها، مشيرةً إلى أن أصحاب محلات الأحذية "قدموا مجموعة أحذية جديدة بالكامل، وفعل مثلهم أصحاب محلات الألبسة".

كما قدم شبان مغتربون في فنزويلا وليبيا والكويت ستاندات وعلاّقات للملابس، ومن الأهالي تبرع كل شخص حسب قدرته، إذ قدم البعض نسخا من الكتب، وآخرون أرسلوا ملابس جديدة وأخرى مستعملة، تم غسلها وكيّها من قبل المتطوعات.

تقول عبد الخالق "الملابس المستعملة شبه جديدة، وجميعها كانت صالحة تماما للاستخدام من دون الحاجة لأي تعديلات".

وتبيّن: "تم استئجار ثلاثة محلات مفتوحة على بعضها البعض، عرضنا فيها الملابس والقرطاسية بشكل مرتب ومنظم، من أجل توزيعها".

وعن عملية التوزيع، تقول عبد الخالق "قمنا بالاتصال بالمستفيدين وإبلاغهم للحضور، وهناك مكان للاستراحة والانتظار بغية القياس وإعطاء كل شخص حاجته، وفي قسم الأحذية تتواجد شابة متطوعة للمساعدة والتأكد من المقاسات".

"الآن تغطي مبادرتنا جميع الطلاب من الأسر المحتاجة، ويحصل الطالب بدءا من الصف الأول حتى الصف الرابع على مريول وحذاء وبنطال، وتؤمن لصفوف الخامس والسادس القمصان والحقائب المدرسية والقرطاسية"، تشرح عبد الخالق.

كما أنشأ فريق نجران بدعم من المغتربين صندوقا لدعم الطلبة الجامعيين ممن يدرسون في كليات الطب والهندسة خارج المحافظة، للمساهمة بتغطية تكاليف الذهاب والعودة، وتأمين كلفة المواصلات من وإلى المحافظة.

 

ثلاث نساء

تقول وفاء عبد الخالق لـ"ارفع صوتك": "نحن ثلاث فتيات، إلى جانبي أماني دارب نصر ورحاب السلامي، وجميعنا نعمل بشكل متكاتف وبيد واحدة لتحقيق الهدف من العمل الخيري. نقسّم الأدوار ونوزع المهام ونقوم بعملنا دون مقابل، ولدينا التزام كامل بافتتاح المحل، والمداومة به خلال يومي الأحد والثلاثاء من كل أسبوع من التاسعة حتى الواحدة، ورغم أشغالنا الخاصة، نقفل محالنا ونأتي للمداومة في المركز التطوعي".

وتلفت إلى وجود أسر متعففة تتحرج من المجيء لأخذ حاجتها رغم إبلاغها،  مردفةً "نقوم بإرسال الأغراض إلى منازلهم متضمنة أسماء المستفيدين وممهورة باسم فاعل خير دون ذكر اسم المتبرع، وأحيانا نتصل بهم ليأتوا في أوقات مختلفة عندما يخف الازدحام".

وتؤكد عبد الخالق أن مبادرة الفريق "أول مبادرة على مستوى المحافظة تنطلق بشكل تطوعي بالكامل، وهي مستمرة بفضل دعم وتشجيع الأهالي والمغتربين وأصحاب الفعاليات الاقتصادية" حسب تعبيرها.

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

Paris 2024 Paralympics - Table Tennis
نجلة عماد متوّجة بالميدالية الذهبية في بارالمبياد باريس

بفوز  أفرح ملايين العراقيين، حصدت لاعبة كرة تنس الطاولة نجلة عماد الميدالية الذهبية في بارالمبياد باريس، فأصبحت أول عراقية تحقق هذا الإنجاز الرياضي الرفيع، رغم فقدانها ثلاثة أطراف بانفجار عبوة ناسفة عندما كانت بعمر ثلاث سنوات.

وفي مشهد كان الأكثر تداولا على منصات التواصل الاجتماعي في العراق عقب إعلان فوزها، راقب العراقيون تتويجها بالميدالية الذهبية في احتفالية رفُع فيها العلم العراقي، وعُزف النشيد الوطني لأول امرأة عراقية تفوز بوسام في تاريخ اللجنة البارالمبية العراقية منذ أولى مشاركتها في العام 1992 .

وأختتمت فعاليات دورة الألعاب البارالمبية  في العاصمة الفرنسية باريس  يوم الأحد الماضي بحصول العراق على 5 ميداليات (ذهبية وفضية و3 برونزيات).

 

عبوة ناسفة

في الأول من يوليو الماضي، وفي جلسة للمفوضية السامية لحقوق الإنسان، ألقت عماد كلمة في حلقة النقاش الموضوعية التي تعقد كل أربع سنوات، حول تعزيز حقوق الإنسان من خلال الرياضة.

في تلك الجلسة روت قصتها مع تنس الطاولة التي "بدأت في العام 2008 عندما كانت محافظة ديالى تعاني من إرهاب القاعدة، وكان والدها جندياً يعمل لساعات طويلة في الجيش لحمايتهم" على حد تعبيرها.

في ذلك العام "كان عمري ثلاث سنوات، وكنت أنتظر عودة والدي من العمل ليأخذني في جولة بسيارته، وضعني والدي في السيارة وأثناء وصوله إلى مقعد السائق انفجرت عبوة كانت مزروعة في سيارته".

فقدت الطفلة الصغيرة وعيها وهرعت بها عائلتها إلى المستشفى "استيقظتُ بعد أسابيع وأصبت بصدمة عندما علمت أنني فقدتُ ساقيّ الاثنتين ويدي اليمنى بعدما طارت أطرافي واستقرت فوق سطوح الجيران". 

تقول عماد بألم "جزء كبير من روحي وجسدي سُلب مني إلى الأبد، هذا ما تفعله الحروب بالأطفال".

منذ ذلك اليوم تغيرت حياتها، وواجهت صعوبات كثيرة، ليس بسبب الإعاقة فحسب بل بسبب "نظرة التمييز التي كنت أتعرض لها كل يوم" حسب قولها.

وروت خلال الجلسة مشاعر الألم والحزن وهي ترى الأطفال من حولها يركضون ويلعبون، فيما كانت عاجزة عن ذلك، "كان مستقبلي مليء بعدم اليقين والتحديات التي لا يمكن التغلب عليها".

نقطة تحول محورية

في العاشرة من عمرها كما روت نجلة في تصريحات صحفية "كان تركيزي في البداية منصباً على الدراسة".

إلا أن نقطة التحول المركزية في حياتها كانت "حين زار منزلنا مدرب على معرفة بوالدي، كان يريد تشكيل فريق بارالمبي. وبعد فترة تدريب استمرت ستة أشهر، حقّقت أول فوز لي في بطولة محلية لمحافظات العراق في بغداد"، وفقاً لقولها.

في البداية كانت عماد تتدرب على جدار المنزل لعدم توفر طاولة مخصصة للعب "لكن، تبرع لي أحد الأشخاص بطاولة، وبدأت بالتمرن في المنزل طوال الوقت".

كان توجهها إلى مقر اللجنة البارالمبية على فقر تجهيزاته وضعف تمويله، حافزاً قوياً لها في إكمال مشوارها الرياضي، كما تروي: "رأيت لاعبين آخرين من ذوي الإعاقة يمارسون الرياضة. كان لديهم الكثير من الطاقة الإيجابية، وقد شجّعني ذلك".

الرياضة التي تعلقت بها عماد وشجعها عليها والدها ورافقها في كل خطوات رحلتها "مكنتني من تجاوز إعاقتي، وجعلتني أنظر إلى الحياة من زاوية أخرى".

الرياضة مهمة جداً لذوي الإعاقة في جميع أنحاء العالم، بحسب عماد التي تحثّ "جميع الدول على الاهتمام بذوي الإعاقة وتوفير بيئة داعمة لحقوق الأطفال، وبالأخص ذوي الإعاقة، فمن الضروري توفير التمويل وضمان الوصول السهل وتكافؤ الفرص".

دعم الرياضة لهذه الفئة كما تشرح، "يتيح فوائد نفسية وجسدية واجتماعية لهؤلاء الأفراد، ما يعزز شعورهم بالإنجاز والانتماء، ونحن مدينون للأجيال القادمة بخلق عالم يمكن فيه لكل إنسان بغض النظر عن قدرته وهويته أن يزدهر ويعيش في عدل ومساواة".

طريق معبّد بالذهب

شاركت نجلة عماد في أول بطولة لها في العراق بعد ستة أشهر فقط على خوض تجربة التمرين على يد مدرب، وحققت المركز الثاني في لعبة تنس الطاولة على مقعد متحرك، لتصبح لاعبة المنتخب الوطني العراقي لكرة الطاولة في اللجنة البارالمبية.

وفي العام 2016 بدأت أولى خطواتها باتجاه العالمية التي كانت تسعى إليها، لتحصل على المركز الثالث في بطولتي الأردن 2016 وتايلند 2018، لتبدأ عملية التحول من المنافسة على كرسي متحرك إلى اللعب وقوفاً، بقرار من رئيس اتحاد تنس الطاولة للمعوّقين سمير الكردي.

أدخلت عماد إلى إحدى مستشفيات بغداد المختصة بالعلاج التأهيلي والأطراف الصناعية، ورُكبت لها ثلاثة أطراف صناعية، ووصفت فيه ذلك اليوم بتصريحات صحفية بأنه "أسعد أيام حياتي، فقد تمكنت من الوقوف من جديد بعد عشر سنوات قضيتها جالسة على كرسي".

وبعد تمرينات مكثفة شاركت نجلة في بطولة غرب آسيا التي أقيمت في الصين وحصلت على المركز الثاني: "كانت أول مرة ألعب بالأطراف الصناعية وتنافست مع لاعبات عمرهن الرياضي أكبر من عمري". يأتي هذا الإنجاز رغم أن الأطراف التي كانت تتنافس بها "غير مخصصة للرياضة، وكانت تسبب لها آلاماً وجروحاً".

تلاحقت الانتصارات التي حققتها فحصدت الذهب ببطولة القاهرة في العام 2019. وتوجت في الصين بالمركز الأول، تبعها المركز الأول ببطولة إسبانيا في العام 2020. ثم تبعتها أول مشاركة في دورة الألعاب البارالمبية العام 2021 في طوكيو، ولم تتمكن حينها من إحراز أي ميدالية، إلا أن ذلك كان دافعاً لها للمزيد من التدريب، لتحقق الذهب في دورة الألعاب الآسيوية التي أُقيمت في الصين عام 2023.

وبعد تأهلها لدورة الألعاب البارالمبية بباريس، عبّرت عن سعادتها في تصريحات صحفية بالقول إن "الطموح ليس فقط المشاركة إنما تحقيق الألقاب، ورفع اسم العراق عالياً".

وهو بالفعل ما حققته، فسجّلت اسمها في تاريخ الرياضة العراقية لتصبح أول لاعبة عراقية تحصل على ميدالية ذهبية في تاريخ اللجنة البارالمبية العراقية.