"من الذي نسب الزهري في المقام الأول للأنثى؟ من الذي وجد في "الباستيل" تلميحا للضعف والهشاشة؟"
"من الذي نسب الزهري في المقام الأول للأنثى؟ من الذي وجد في "الباستيل" تلميحا للضعف والهشاشة؟"

ما بين حمل وإنجاب ثم حمل جديد وإنجاب سفر طويل بين ثقافتين تشكلان أنماط حياتنا وتتوخيان تحديد مصائر بناتنا وأبنائنا دونما استئذان وتعليب مساهماتهم وأدوارهم في المجتمع في مسرحيات على هامش الحياة..

تلك بنت فلنصغرها لـ"بنوت" وذلك ولد فلنحتف بالـ"ذكر" الذي سيصنع الفارق. ولكن أي فارق يصنع أولئك الذين يعتمدون بلا بصيرة موروثات باتت كعقائد؟ 

قبل سنوات، نشرت على موقع "ارفع صوتك" مقالاً بعنوان "سأنجب بنتا أيها الدواعش". كنت قد اكتشفت أن الله سينعم على عائلتي بمولودة صغيرة خلال شهور، وشاءت بعض النسوة أن يصدرن حكم إعدام بحقها في رحمي والدعاء بتوقف قلبها عن النبض.

في تلك اللحظات، قد تطغى العاطفة على القوة فتخون ردة الفعل وتقتصر على قطعة ضخمة من العلقم كأنما علقت في الحنجرة، فيخفت كل صوت ويختنق مجرى الدمع. 

ثم ما يلبث القلق أن ينجلي مع الصرخة الأولى ويكبر العهد بمنحها كل ما أمكن من قوة لتخطي أحكام المجتمع السطحية، وتبدأ بخوض الحروب الصغيرة بأسئلة أبعادها لا تنتهي: من الذي نسب الزهري في المقام الأول للأنثى؟ من الذي وجد في "الباستيل" تلميحا للضعف والهشاشة؟ من الذي ربط هذه الهشاشة بالبنت؟ من الذي احتكر الأزرق؟ من الذي صنف كل ما هو خشن في خانة الرجولة وكل ما هو ناعم في خانة الأنثى؟ والأهم من ذلك، من الذي ابتدع عقدة القواعد الجندرية؟ 

خلتني في غمرة هذه المشاعر المتضاربة سألوّح بعلم النسوية الذي يعني أني أمثل الأنثى حكرا بمواجهة الذكورة المفرطة. ثم شاء القدر أن ينضم ملاك جديد لعائلتنا وكان هذه المرة من الجنس الآخر.

كل ما تتحضر إليه كنسوية لا يهيئك للزوبعة التي تعيشينها في اللحظات التي لا تدركين فيها، وأنت ما زلتي تتخلصين من فوضى الهرمونات، أن الجنس البشري يظلم مرتان: مرة حين تجلد الإناث الإناث ومرة حين تجلد الإناث الذكور (وهذا لا يستثني التمييز الذي تتعرض له الإناث من قبل الذكور لكن ذلك موضوع آخر). 

 

الطعن من حيث لا تتوقع.. 

ما بين تجربة الحمل الأول وتجربة الحمل الأخيرة، درس كبير تتعلمه كل أمّ تخشى المستقبل وتسعى لتحقيق الأفضل لأبنائها وبناتها، عن حقوق الإنسان التي قد تتعرض للخرق في المهد.

كيف لا وختان الإناث بأشكاله المرعبة لا يزال يمارس سرا وعلانية حول العالم؟ كيف لا وصور النسوة في البحوث حول الجندر التي أنعمت بالعمل عليها، تفتح البصيرة وتحذر من أن الطعنات قد تأتي فعلا من حيث لا نتوقع.

في إحدى المقابلات التي قرأت عنها، تربط أم صومالية بسن الخامسة والخمسين بين ختان الأنثى الذي يعني فعليا انتهاك جسد هذه الأخيرة وحرمانها من المتعة في العلاقة الحميمة، والأمان والطهارة.

تقول: "حالي كحال أمي وكحال أمها من قبلها. وبناتي لا بد أن يكنّ مثلي. الإغلاق يعني الطهارة".

وتسطر المواقف الشبيهة بموقف الأم الصومالية هذه مساهمة المرأة نفسها في ظلم المرأة، وما بالك بالأم التي يفترض أن تجسد صورتها أسمى معاني الثقة والأمان وهي التي تقتاد بنفسها ابنتها للقابلة القانونية وفي بعض البلدان لعيادات غير مجهزة، في تجربة تعيد تعريف العلاقة بين الأم وابنتها.

مؤلمة هي، على سبيل المثال رسالة واريس التي عاشت المعاناة والألم نتيجة تعرضها لتشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية وعجزها عن طرد هذه الذكرى الأليمة من ماضيها.

تترك كلماتها وقعا صادما حيث تعبر عن "الكراهية والغضب الشديد الذي تملكني منذ خضعت للختان في سن الخامسة. ولم أتعاف تمامًا من هذه التجربة المروعة. غضبت بشدة لأن أمي هي التي أمسكتني بينما حدث ذلك الأمر المروع. لم أستطع أن أفهم حججها وأقبل هذا التعذيب الرهيب لفتاة صغيرة. لم أفهم يوما كيف تركتني أعاني ولم أر الطهر ولا الصلاح ولا الوفاء في إيلام الفتيات الصغيرات".

ولا يقتصر هذا الألم على الختان الفعلي الذي استطاعت واريس تخطيه من خلال الغفران.. في تجربتي مع الأمومة، اختبرت أشكالا عدة لختان الإنسانية من خلال إجبار الإناث على الانغلاق على ذواتهن وتصنيفهن في الدرجة الثانية بعد الذكور وفي الدرجة الأخيرة بعد كل شيء.

في بعض المجتمعات، ما زالت بشارة الأنثى مصدر وحي للرثاء، مع عبارات مثل "همهن للممات" و"يا محلا بشارتهن لو يموتن بساعتهن" (أي ما أجمل بشارة الأنثى لو أنها تموت لحظة ولادتها).. عبارات يخيل لك أنها من الجاهلية البعيدة ومع ذلك، لا تزال تطاردنا أشباحها في مجتمعات تتباهى بالتكنولوجيا والتطور والازدهار. وما أبعدها عن الحضارة! 

 

نسوية لا تلغي الذكورة؟ 

بينما تطغى ظلال التمييز الجندري على النظرة العامة للأمومة في المجتمعات التي يسودها التخلف، يولد ميل للنفور من الذكور ليس لشيء سوى أن البعض سيضعهم في خانة "الأقوى والقوّام".

ثم يحدث أن يفاجئ القدر نسوية بمولود ينبض الحياة، فتنظر إليه بعينين أبعد بكثير من الأعضاء التناسلية وسماكة الوبر ودرجة الجهير في الصوت، لتركز على الإنسان. بينما دفعتني ردود الأفعال على بشارة الأنثى لانتفاضة ضد الجهل، وجدتني أواجه الاحتفالات السطحية بوعد صادق من أم لابنها بتحمل مسؤولية حمايته من التنميط ولو كان يبجل أبناء جنسه. 

وبقدر ما أسعى كأم لحماية ابنتي من منحها أدوارا قد لا تعبّد لها الطريق للسعادة، أشعر اليوم أكثر من أي وقت مضى بأن حماية ابني من تحميله وزر التمييز الجندري مسؤولية يجب ألا يتنصل منها أحد، فنحن بذلك إما نصنع عالما أعرج ونخاطر بالتعثر كما في السنين الماضية وإما ننصب دربا سويا يتعاون فيه الإنسان مع الإنسان بغض النظر عن الجندر، لصالح الجميع. 

وكما عبرت لابنتي عن الوعد بترتبيتها كإنسان حر يصنع سعادته انطلاقا من منظومة الأخلاق والقيم الإنسانية، تدفعني غريزة الأمومة لأن أعد ابني بعدم التصفيق كلما شجعه المجتمع على الركل أو الضرب أو الاعتداء، وبعدم الصمت كلما حرّم المجتمع عليه ذرف دمعة أو التعبير عن عاطفة، وبعدم السكون إذا دعاه المجتمع لفرض الذات بالألوان الأكثر قتامة وبالصرخات الأكثر عنفا. 

سيطارد المجتمع من أسفل مستنقعه أبناءنا ليسحبهم إلى القاع باسم الرجولة بالمعنى المتعارف عليه، وليس باسم السمات التي تحدد أبسط أسباب السعادة.

لكل أم تنبت من رحمها الحياة، فلننظر بعين الشفقة لبناتنا وأبنائنا، فهم على غرارنا، ضيوف حياة لم يختاروا قواعدها ولا ضغوطاتها خصوصا في هذا الزمن الاستثنائي.

ستمر الحياة سريعا قبل أن ندرك أن لكل إنسان نداءاته وأن تعاضدنا معا بمواجهة التفرقة والتمييز بكل أشكاله، سيسمح لنا بتخطي بعض جرائم البشر بحق الإنسانية.

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

طفل وأبيه يتلقون العلاج بعد تعرض منطقتهم إلى هجوم كيمياوي في الغوطة الشرقية بسوريا
طفل وأبوه يتلقيان العلاج بعد تعرض منطقتهما إلى هجوم كيمياوي في الغوطة الشرقية بسوريا

قبل 11 عاماً، بالتحديد يوم 21 أغسطس 2013، نام سكّان بلداتٍ في غوطة دمشق على وقع قصف مدفعي وصاروخي اعتادوا على معايشته خلال شهور بعد خروج مناطقهم من سيطرة النظام السوري.

غير أن هذه الليلة لم تكن اعتياديةً كما في كل يوم، إذا كانت القذائف تُسبّب انفجاراتٍ وحرائق معروفة في المنطقة، بينما خرج السكان في مدن الغوطة الشرقية ومعضمية الشام في الغوطة الغربية، وهم يتنفّسون بصعوبة بالغة، لأن الهجوم هذه المرّة كان بالأسلحة الكيماوية.

كانت حصيلة 4 هجمات متزامنة، مقتل 1144 شخصا اختناقاً، منهم 1119 مدنياً بينهم 99 طفلا و194 سيدة، أما الذين قتلوا في صفوف مسلحي المعارضة، فكانوا 25.

تسببت الهجمات أيضاً بإصابة 5935 شخصاً بأعراض تنفسية وحالات اختناق، وفقاً لتقرير صادر عن الشبكة السورية لحقوق الإنسان.

ورغم أن الولايات المتحدة قادت آنذاك جهوداً لمحاسبة النظام السوري على استخدام غاز السارين ضد المدنيين، وتخطّيه "الخطوط الحمراء" في النزاع، إلا أن الملف انتهى بإجبار بشار الأسد على تفكيك مخزونه من السلاح الكيماوي، والتوقيع على اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، والانضمام إلى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، مع إصدار مجلس الأمن الدولي القرار 2118، الذي ينصّ على عدم تطوير أو تخزين أو نقل أو استخدام الأسلحة الكيميائية من أي طرف في سوريا، تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.

إلا أن منظمة حظر الأسلحة الكيماوية وثقت استخدام النظام السوري للأسلحة الكيماوية تسع مرات بعد حادثة الغوطة، إحداها هجوم وقع في الغوطة الشرقية نفسها في 7 أبريل 2018.

منظمة حظر الأسلحة الكيميائية: النظام السوري مسؤول عن هجوم الكلور في دوما
أثبت تحقيق أجرته هيئة مراقبة الأسلحة الكيميائية العالمية أن هناك "أسبابا معقولة للاعتقاد" أن القوات الجوية التابعة للنظام السوري أسقطت أسطوانتين تحتويان على غاز الكلور على مدينة دوما في أبريل 2018، ما أسفر عن مقتل 43 شخصا.

خطوات للمحاسبة

وفي ظل ما يعتبره الناجون من مجزرة الكيماوي في غوطة دمشق "إفلاتاً من العقاب" بالنسبة لمحاسبة النظام السوري على استخدام الأسلحة الكيماوية، بموجب حماية روسيا له داخل أروقة مجلس الأمن ومنع وصول الملف إلى المحكمة الجنائية الدولية، نتيجة الفيتو الروسي- الصيني، سعت منظمات حقوقية سورية إلى سلوك طرق بديلة في سبيل الحصول على حقوق الضحايا والناجين.

في عام 2020، تقدّمت كل من "مبادرة العدالة" و"مبادرة الأرشيف السوري" بالإضافة لـ"المركز السوري للإعلام وحرية التعبير"، بشكوى جنائية أمام الادّعاء العام الألماني ضد مسؤولين سوريين بينهم بشار الأسد، حول استخدام الأسلحة الكيماوية في عدة مناطق سورية، بينها الغوطة الشرقية.

كما تقدّمت المنظمات الثلاث عام 2021 بالدعوى نفسها أمام القضاء الفرنسي، مع إرفاقها بشهادات عدد من الناجين من هجمات السارين في الغوطة، وفي العام نفسه قدمت المنظمات ذاتها شكوى في السويد، لمحاسبة مسؤولين سوريين على استخدام غاز السارين في هجومين، الأول على الغوطة الشرقية عام 2013، والثاني على خان شيخون بريف إدلب عام 2017.

قادت التحقيقات في فرنسا إلى إصدار محكمة في باريس أربع مذكرات توقيف في نوفمبر 2023، بتهمة التواطؤ في جرائم ضد الإنسانية والتواطؤ في جرائم حرب، بشأن الهجمات الكيميائية القاتلة في الغوطة عام 2013، واستهدفت كلاً من الرئيس السوري بشار الأسد، وشقيقه المسؤول عن الفرقة الرابعة ماهر الأسد، وضابطين برتبة عميد، هما غسان عباس مدير الفرع "450" التابع لمركز الدراسات والبحوث العلمية السورية، وبسام الحسن الذي يعمل كضابط اتصال بين القصر الرئاسي السوري ومركز البحوث العلمية.

في يونيو الماضي، صدّق القضاء الفرنسي على مذكرة التوقيف نفسها، فيما يُعد هذا الحكم أبرز جهد في طريق محاسبة النظام السوري على شنّ هجمات كيماوية، رغم مطالبة مكتب المدّعي العام الوطني لمكافحة الإرهاب، بإلغاء مذكرة التوقيف ضد الأسد، بسبب الحصانة الشخصية للرؤساء أثناء وجودهم في السلطة.

من جهتها، أوصت الشبكة السورية لحقوق الإنسان كلاً من مجلس الأمن الدولي والأمم المتحدة بتطبيق البند السابع من الميثاق الأممي وفرض عقوبات سياسية واقتصادية وعسكرية ضد النظام السوري "كشكل من أشكال التعويض المعنوي لأُسر الضحايا"، مع التشديد على ضرورة إحالة الملف السوري إلى المحكمة الجنائية الدولية، ومحاسبة جميع المتورّطين.

" خيبة أمل كبيرة"

على حسابها الرسمي في فيسبوك، أصدرت "رابطة ضحايا الأسلحة الكيماوية" (أُنشئت عام 2021 من مجموعة من ذوي الضحايا والناجين)، عدّة  دعوات لتنفيذ وقفات وفعاليات في الداخل السوري وتركيا وأوروبا، تطالب بمحاسبة القيادات الأمنية والعسكرية لدى النظام السوري، جراء مجمل الهجمات الكيماوية، وعلى رأسها هجوم الغوطة الشرقية 2013، تحت شعار "معا لأجل حقوق الضحايا ومنع الإفلات من العقاب".

عقد و نيّف...

Posted by ‎رابطة ضحايا الأسلحة الكيميائية Association of Victims of Chemical Weapons‎ on Sunday, August 18, 2024

 

ورغم مرور 11 عاماً على المجزرة التي يعدها السوريون "الأكبر" خلال فترة الحرب، لا يزال ناجون وذوو ضحايا قضوا فيها، يعبّرون عن عدم تجاوزهم آثارها القاسية.

من بينهم وديان طرابلسي، وهي شاهدة عيان على مجزرة الكيماوي، تقول لموقع "ارفع صوتك" إن الإصابات الجسدية التي لحقت بالمتضرّرين يمكن تجاوزها خلال سنوات "غير أن الآثار النفسية لا تزال حاضرة".

وتعتقد أن المجتمع الدولي "لم يقم بواجباته القانونية والإنسانية تجاه محاسبة الأسد على ارتكاب هذه المجزرة" معبّرةً عن "خيبة أمل كبيرة" من الدول الغربية.      

الحاج زهير دبس، وهو ناج من مجزرة دوما، يقيم حالياً في مدينة عفرين شمال سوريا، يستبعد أن تتم محاسبة الأسد وفق المنظور الحالي، بسبب ما يسمّيه "تبدُّل المزاج الدولي تجاه الملف السوري".

ويقول لـ"ارفع صوتك" إن أسوأ ما حصل في الملف السوري "دمج التوافقات السياسيّة بالجرائم التي تم ارتكابها على مدى 13 عاماً، بالتالي فإن المجرم يمكن أن يعود مُرحّباً به وبريئاً من كل الانتهاكات"، على حدّ تعبيره.

يتابع زهير "بدلاً من محاسبة الأسد، تقوم بعض الدول العربية أو الغربية اليوم بالتطبيع مع القاتل، كأنها تغسل يديه من جميع الجرائم، وتقول للضحايا (حاولوا النسيان)".