"نظرة زنوبيا الأخيرة الى تدمر".. لوحة للرسام البريطاني لوحة للفنان هربرت جوستاف شمالز، رسمت عام 1888.
"نظرة زنوبيا الأخيرة الى تدمر".. لوحة للرسام البريطاني لوحة للفنان هربرت جوستاف شمالز، رسمت عام 1888.

قبل الإسلام، تحكّم العرب في الطرق التجارية الكبرى التي تصل تجارة الهند وجنوب الجزيرة العربية واليمن وأفريقيا بمناطق الشام الداخلية وثغورها الساحلية. وكان النزاع على هذه الخطوط التجارية هو الدافع الرئيسي اندلاع الحروب العربية الآشورية، حسب ما يذكر فراس السواح في كتابه "الحدث التوراتي والشرق الأدنى القديم".

لهذا كان طبيعيا أن تكون أقدم الإشارات الآشورية التي وصلتنا عن العرب تتعلّق بخوض الحروب تلو الأخرى معهم. ومن تلك الحروب عرفنا الكثير من المعلومات حول النساء اللائي نجحن في تبوء مكانة كبيرة في النواحي العربية.

وهنا، يوضّح يوسف زيدان في كتابه "اللاهوت العربي" أن هناك العدد من الملكات العربيات حكمن مناطق بالشام والعراق بعد وفاة أزواجهن أو آبائهن، وهو ما يدلُّ على استقرار النُظُم العربية في الحُكم هنا قبل ظهور الإسلام بزمانٍ طويل.

في بعض الأحيان، فضّل ملوك الإمبراطورية الآشورية التعاون مع الممالك العربية الصغيرة المتناثرة على حدودهم وخطوط تجارتهم بدلاً من محاربتها، فاختاروا دمجها في النظام الإداري للإمبراطورية عبر إقرار ملوكها أو ملكاتها مقابل دفع إتاوة مقررة، وهو ما فتح الباب واسعا للحديث عنهن حسبما تجلّى في النقوش الأثرية التي وصلت إلينا.

من ضمن العديد من الملكات العربيات اللائي حكمن المنطقة قبل الإسلام، اخترنا تسليط الضوء على بعض من تبوأنَّ مكانة سياسية وروحية كُبرى في مجتمعاتهن.

 

زبيبة أو زبييبي

 

هي ليست الملكة العربية الشهيرة زينب\ الزباء التي حكمت تدمر، والتي أسهبت المرويات التاريخية في الحديث عنها، وإنما نتحدّث عن ملكة أخرى ورد ذِكرها في بعض النصوص التي نجت من عهد الملك الآشوري "تيجلات بليسر الثالث Tiglath-pileser III" (745-727 ق.م)، وتحديدا في السنة السابعة من حُكمه.

وحسبما ذكرت هند التركي في كتابها "الملكات العربيات قبل الإسلام"، فإنها أقدم ملكة عربية أتى على ذِكرها في نقشٍ آشوري.

فعلى الجدران الحجرية للقصر الملكي بكالخو عاصمة الآشوريين القديمة التي كانت واقعة على نهر دجلة، نُقش اسمها 4 مرات. تحدّث النص عن "زبيبة ملكة العرب"، التي خضعت لحُكم الملك الآشوري تيجلات ودفعت له الجزية. ويظهر أن مملكتها تمتّعت بشيءٍ من الثراء، فقد فصّلت الرواية أن تلك الإتاوة كانت عامرة بالكثير من الأصناف غالية الثمن بمعايير ذلك العصر، فتكونت من: الذهب، والجمال، والحديد، والصوف المغزول.

لا يرد ذِكر زبييبي في مصدر تاريخي آخر كما لم تنصّ النقوش صراحةً على موقع مملكتها، لكن هند التركي قدّرت في دراستها أن مملكتها وقعت في واحة دومة (تقع ضمن حدود وادي السرحان السعودي)، والذي شكّل أهمية كبرى لأنه كان المعبر التجاري الذي يربط بين شمال الجزيرة وباقي بلاد الشام.

 

يطيعة

 

شكّلت تلك الملكة العربية سابقة في تاريخ انصياع العرب للإرادة الآشورية بعدما أعلنت الثورة ضد الملك سنحاريب (704-681 ق.م).

وحسب ما ورد في نقشٍ كُتب في عهد الملك الآشوري أسرحدون، فإنها امتلكت جيشا كبيرا بقيادة أخيها بسقانو، كما أنها كانت تحمل اسما آخر هو "يانيعة".

دعّمت الملكة الثورة التي أشعلها الكلدانيون والآراميون والعرب بزعامة الملك البابلي "مردوخ بالادن" ضد سُلطة سنحاريب الآشوري. انضمّ الجيش العربي -بقيادة سقانو- إلى تلك الثورة التي انتهت بالهزيمة في نهاية المطاف.

نصَّ النقش على معركٍة ما جرت بين الآشوريين وبين الجيش العربي انتهت بخسارته وأسر قائده سقانو حيًّا. يقول النقش على لسان القائد العسكري الآشوري: "قبضت يداي على المركبات الحربية وعربات النقل والجياد والبغال والحمير والجمال".

 

باسلو

 

خلال السنة الخامسة من حُكم الملك الآشوري أسرحدون، اتّصل بتلك المرأة العربية التي حكمت مملكة عُرفت بِاسم إيخيلو كانت تقع شمال وادي السرحان، وهو جزء من حدود المملكة السعودية حاليا.

لم يُعرف لها أعمال تاريخية كُبرى، لكن خلّدها نقش استعرض ضحايا الملك الآشوري أسرحدون ضمن ملوك المنطقة الذين قتلتهم بسبب عدم خضوعهم له.

 

تعلخونو

 

عاصرتْ ملكين آشوريين، هما: سنحاريب، وآشور بانيبال. تصفها الروايات الآشورية بأنها حكمت مدينة مهمة أُطلق عليها اسم "قلعة العرب". وبحسب النقوش الآشورية، فقد جمعت الملكة العربية بين السُلطتين الدينية والدنيوية في مملكتها. فبخلاف صلاحياتها الإدارية حملت لقبا دينيّا أيضا هو "الكاهنة".

لا نعلم الكثير من تفاصيل الخلاف بين الطرفين، لكنه على الأغلب لن يبتعد كثيرا عن مُسبّبات غضب الملوك الآشوريين على الحكام العرب، والتي كانت تقتصر على رفضهم الانصياع للسيطرة الآشورية وإعلانهم الثورة مرةً تلو الأخرى.

على أية حال، يبدو أن الملك الآشوري غضب بشدّة على تلك الملكة العربية فنظّم حملة ضدها عام 688 ق.م تقريبا. انتهت الحملة بهزيمة الملكة وانسحابها إلى قلعة أدوماتو (دومة الجندل حاليا) وسط الصحراء، فلحق بها الجيش الآشوري وفرض حصارا على المدينة حتى تمكن من احتلالها.

وقعت تعلخونو في الأسر ونُقلت إلى عاصمة الآشوريين نينوي.

 

تبوأة \ تبؤوة

 

هي ابنة الملكة تعلخونو، التي اصطُحبت مع أمها إلى عاصمة الآشوريين وتربّت فيها. حكت لنا النصوص الآشورية عن تلك الملكة التي أُسرت وهي فتاة صغيرة، وتربّت في قصر الملك الآشوري سنحاريب، وبعدما بلغت أشدّها نُصّبت ملكةً وكاهنةً على مملكة أدوماتو العربية.

تقول هند التركي إن ذلك التعيين يمثّل نقلةً في العلاقات السياسية بين المملكة الآشورية والعرب، فلم يعد الملك الآشوري يكتفي بتلقّي الإتاوات والسماح للحاكم العربي بقيادة منطقته دون تدخّل في تعيينه، وإنما هذه المرة تدخّل الملك الآشوري أسرحدون لتعيين شخصٍ بعينه آمرا على العرب، يتّبع سياسة شديدة الانصياع للآشوريين.

وفي دراستها "ملكات العرب في العصر الآشوري الحديث"، اعتبرت  إليانور بينيت أن الآشوريين ربما قرروا اللجوء إلى هذا الأسلوب بعدما فشلت طريقتهم التقليدية في مهاجمة الممالك العربية بشكلٍ منتظم، فكلما انتهت حملتهم عاد العرب للثورة من جديد.

ومن واقع المرويات، لم يرضَ العرب عن هذا التدخل الآشوري السافر في شؤونهم، ودبّروا ثورةً ضد تبوؤة انتهت بالفشل بسبب دعم الآشوريين لها.

 

عادية

 

هي زوجة الملك العربي يوتع بن حزائيل، لعبت دورا متمردا على المملكة الآشورية، بعدما تحالفت مع القبائل الناقمة على الآشوريين وحضّتهم على الثورة ضدّهم.

ويبدو أن ذلك التمرّد انتهى بهزيمةٍ نكراء، إذ تروي لنا النقوش الآشورية أن عادية ملكة بلاد العرب لقيت هزيمةً ساحقة، وأحرقت خيامها بالنار، وأُسرت حية ثم أُرسلت مع غنائم بلادها إلى آشور.

تعامَل الملك الآشوري أسرحدون مع تلك الملكة العربية خلال العام الخامس لحُكمه، وكانت تقود مملكة عُرفت بِاسم "إيخيلو".

 

ماوية

 

لم تحتف المرويات الإسلامية بسيرتها كثيرا، وإنما قدّمت عنها عرضا مبتورا، إذ قدّمها الطبري وابن الأثير والأصفهاني بأنها أمُّ امرؤ القيس الذي تسلّم الحُكم ما بين عامي 288 و328م، وكان خاضعا للفرس.

كما تطرّق عمر رضا في موسوعته "أعلام النساء في عالم العرب والإسلام" إلى سيرة ماوية بنت عَفْزَر، والتي عرّفها بأنها "ملكة من ملكات العرب في الجاهلية كانت تتزوّج بمن أرادت من الرجال".

هذا الوضع يختلف قليلاً عند المؤرخين المسيحيين، الذين منحونا بعض التفاصيل عن حياة تلك الملكة العربية، فحكى تيرانو روفينوس عن ماوية الملكة العربية التي "أشعلت نار حربٍ شعواء بفلسطين وبمنطقة الثغور العربية، خرّبت فيها القلاع والمدن ونسفت القرى والأرياف".

في هذا الوقت، كانت الدولة الرومانية تُعاني من فرط الهجمات التي شنّها القوط عليها من جهة والفرس من جهة أخرى، ما جعلها عاجزة عن وأد ذلك التمرد العربي في الشام.

ماوية ملكة العرب "السراسين".. من تهديد بيزنطة إلى إنقاذها
لم يكم أمام الإمبراطور الروماني فالانس سوى طلب السلام. وهكذا، بعد أن فرضت ماوية شروط الحرب، فرضت أيضًا شروط السلام، ونجحت في فرض أسقف من أبناء شعبها، ومن مذهبها، ولم يكن أمام الأريوسيين سوى القبول، فعُيِّن موسى حسب الأصول كأول أسقف من العرب وللعرب.

ووفقًا لروفينوس فلقد فشل الرومان في التعامل مع ثورة الملك العربية فاضطروا إلى عرض الصُلح عليها فوافقت مقابل تعيين أسقف تختاره على بني قومها.

ذات القصة تقريبا تطرّق إليها سقراط خلال حديثه عن جانبٍ من تاريخ الدولة الرومانية، لكن مع تغيير طفيف في اسم الملكة إلى "مافيا"، وهو ذات ما فعله المؤرخ الكنسي سالامينوس هرمياس الذي منح الملكة اسما آخر هو "مانيا"، التي توّلت حُكم قومها بعد زوجها فقادت كتائبها القتالية إلى فلسطين وبعض أجزاء مصر.

وخلّد اسم تلك الملكة الحاذقة نقشٌ يعود للقرن الخامس الميلادي موجود في كنيسة القديس توما الأثرية، التي تقع بالقرب من مدينة الخناصر (تقع الآن داخل حدود دولة سوريا، ضمن حدود محافظة حلب). دُوّن هذا النقش بالسريانية واليونانية والعربية ونصَّ على أن هذه الكنيسة شُيدت بأمر "السيدة النبيلة ماوية الموهوبة بالحكمة وشدة التقوى والحب الزوجي".

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

نساء كرديات سوريات يرتدين الزي التقليدي خلال الاحتفال بـ"يوم اللباس الكردي" في مدينة القامشلي ذات الأغلبية الكردية في محافظة الحسكة شمال شرق سوريا.
نساء كرديات سوريات يرتدين الزي التقليدي خلال الاحتفال بـ"يوم اللباس الكردي" في مدينة القامشلي ذات الأغلبية الكردية في محافظة الحسكة شمال شرق سوريا.

تعرف المجتمعات العربية تنوعاً عرقياً ودينياً فريداً من نوعه، إذ تعيش في المنطقة مجموعات متباينة من العرب والأكراد والتركمان والأمازيغ فضلاً عن طوائف متنوعة من الزرادشتيين والمندائيين والأيزيديين والمسيحيين واليهود الذين يعيشون بجانب المسلمين السنة والشيعة. تميزت تلك المجموعات بأزياء وملابس شعبية متوارثة على مر القرون، حتى دخلت في تشكيل هويتها الجمعية.

ما هي أهم الملابس والأزياء التقليدية المعروفة في المنطقة العربية؟ وكيف ارتبطت تلك الأزياء بالهوية والذاكرة؟

 

العراق والخليج

توجد العديد من الملابس التي ارتبطت ببعض المجموعات العرقية المعروفة في العراق. فعلى سبيل المثال يُعدّ العنصر الكردي أحد المكونات الرئيسة في التركيبة السكانية العراقية، ويتميز الأكراد ببعض الأزياء القومية التي يحرصون على ارتدائها في المناسبات الخاصة.

يمكن تقسيم الزي الذي يلبسه الرجل الكردي إلى نوعين: الأول ويطلق عليه "بشم وبركير" وهو منتشر بشكل واسع بين الكرد في كل من تركيا وسوريا وأجزاء من العراق، ويتألف من قطعتين من اللون ذاته، الجاكيت والسروال، ويكونان فضفاضين، ويُستعمل معهما قماش يُلف على الوسط ويُطلق عليه "شوتك" وغطاء للرأس يسمى "جمداني". تُصنع تلك الأزياء من صوف الخراف والماعز، بشكل عام. وتُلون بالأسود، والأبيض، والأزرق، والبني، والرمادي.

أما النوع الثاني فيُطلق عليه اسم "كورتك وشروال"، ويتكون هو الآخر من قطعتين: جاكيت وسروال، وحزام للوسط مع غطاء للرأس، وهو يستعمل الأقمشة المستعملة في صناعة الملابس الغربية.

 أما المرأة الكردية فيتكون زيها التقليدي من دشداشة طويلة، ذات كمين طويلين يرتبطان بذيلين مخروطيين طويلين أيضاً يسميان في اللغة الكردية بـ"فقيانة". وفي الغالب تخاط هذه الدشداشة من قماش شفاف ذي خيوط حريرية ناعمة الملمس ومطرزة بأنواع مختلفة من المنمنمات. تحت هذه الدشداشة ترتدي المرأة الكردية قميصاً داخلياً رقيقاً وحريرياً، لكنه ذو لون داكن وغير شفاف ليصبح بمثابة خلفية عاكسة للدشداشة الشفافة، أما الجزء العلوي من هذا الزي فإنه مؤلف من سترة قصيرة جداً بلا أكمام.

تعرف بلاد الرافدين أيضاً مجموعة من الأزياء التقليدية التي ارتبطت ببعض المناطق والأقاليم. في كتابه "الملابس الشعبية في العراق"، يسلط الباحث وليد الجادر الضوء على ذلك النوع من الملابس.

يصف الجادر ملابس البدو وسكان الأرياف بالبسيطة. وتتألف في العادة من السروال والدشداشة، ويُرتدى فوقهما العباءة المنسوجة من الوبر، والتي تكون -في أغلب الأحيان- باللونين الأبيض والأسود، بالإضافة إلى الكوفية والعقال المصنوع من الوبر، أما نساء البدو فيرتدين العباءة الصوفية، وفي وسطها حزام صوفي خشن عريض، ويزين نهايته بأهداب أو شراشيب.

يختلف الحال في مناطق البصرة وجنوبي العراق وبعض أنحاء الخليج. ترتدي النساء في تلك الأنحاء "الزي الهاشمي"، وهو عبارة عن ثوب من قماش رقيق جداً وواسع الأكمام والأطراف، يُلون عادة باللون الأسود. ويُحلى بأشكال مرسومة من خيوط الذهب. ويُرتدى في مناسبات الأعياد والاحتفالات، كذلك ترتدي المرأة البصرية العباءة، وكانت تُعرف قديماً بالجزية أو المبرد، وهي تغطي الجسم من الكتف، وتصاحبها "الشيلة" وهي غطاء للشعر ترتديه النساء تحت العباءة.

أيضاً، تُعدّ "الصاية" من الأزياء الشعبية العراقية المشهورة، وتتكون الصاية من ثوب طويل مفتوح من الأمام، وغالباً يكون دون أكمام وهو عبارة عن صدرين وظهر. يلتف صدر الثوب الأيمن على الصدر الأيسر.

في دراسته "الأكسية والألبسة الشعبية في مدينة سامراء خلال القرن العشرين"، يوضح الباحث بكر عبد المجيد محمد بعض الأزياء الفلكلورية التي عُرفت في مناطق وسط العراق، ومنها "الدميري"، وهو لباس خاص بكبار الرجال، يشبه السترة إلا ان ردنيه عريضتان، وفي نهاية كل ردن فتحة بمقدار خمسة عشر سنتمترا. وهو على نوعين: المطرز والعادي بلا تطريز. أما "الزخمة" فهو لباس يشبه السترة إلا إنه من غير أكمام، وفي مقدمته ستة أزرار تكون أشكالها حسب الطلب، فضلاً عن "السروال"، وهو من الملابس الشعبية، ويشبه البنطلون، والعامة من سكان سامراء يسمونه "شروال".

 

مصر

تذكر الباحثة علا الطوخي إسماعيل في دراستها "الأزياء فى الثقافة الشعبية" أن هناك علاقة وطيدة بين الأزياء الشعبية المصرية من جهة، والعادات والتقاليد المتوارثة التي عرفتها حضارة وادي النيل من جهة أخرى.

من هنا، فإن الأزياء الشعبية المصرية صارت أحد العلامات الفارقة في الفلكلور المصري المتوارث على مر القرون.

بشكل عام، تُعرف "الجلابية" باعتبارها الزي المصري التقليدي للرجال في المناطق الريفية في الدلتا والصعيد، وهي عبارة عن رداء طويل وفضفاض له أكمام طويلة، وهي دون ياقة ولها فتحة رقبة مستديرة، وبشق طويل من الأمام بدون أزرار، وتلبس فوقها الشيلان البيضاء والملونة.

في السياق نفسه، يتكون الزي التقليدي للمرأة المصرية من 3 طبقات يسمونه بـ "التزييرة". عرفت الطبقة الأولى باسم "السبلة"، وهي جلابية واسعة وأكمامها طويلة تلبسها المرأة فوق ملابس المنزل كي تغطيها تماماً، والطبقة الثانية قطعة قماش تغطي بها رأسها وأكتافها اسمها "الحبرة". أما القطعة الثالثة فهي "اليشمك"، وكانت تستخدم في إخفاء الوجه، ويغلب الظن أن المصريين استعاروا اليشمك من العثمانيين.

ومن الملاحظات المهمة أن أشكال الأزياء الشعبية المصرية اختلفت من منطقة لأخرى. ففي سيناء تأثرت الملابس بروح البداوة والترحال، ولذلك اعتمد الرجل في ملابسه على الأزياء العربية التقليدية مثل الغترة، والعقال، والبشت، والعباءة، بينما اعتادت المرأة ارتداء ثوب أسود فضفاض طويل محاط بحزام مطرز يحكم منطقة الوسط ويعلو رأسها وشاح أسود أيضاً يغطي جسدها بالكامل مع وجود برقع على الوجه مزين بالحلي.

في محافظة مطروح تأثرت الأزياء الشعبية بنمط الملابس المنتشر في شرقي ليبيا. في هذا السياق، اعتاد الرجال على ارتداء "المَلِف" ويتكون من قطعتين من الصوف المطرز يدوياً، وهو عبارة عن "سدرية"، وهي صدرية بلا أكمام وبلا أزرار وسروال واسع يرتدى تحت الثوب. يختلف الوضع في الإسكندرية والمدن الساحلية في شمالي مصر.

وكان من الشائع أن يرتدي الرجال ملابس الصيادين المكونة من السروال الأسود الفضفاض والقميص الأبيض، فيما اعتادت النساء  ارتداء الجلباب والملاية اللف التي لا تزال تُباع حتى الآن في أسواق بعض الأحياء الشعبية في الإسكندرية.

 

سوريا

يلقي الباحث عبد العزيز حميد صالح الضوء على الملابس التقليدية السورية في كتابه "الأزياء عند العرب عبر العصور المتعاقبة"، فيقول: "يمكن القول إن الأزياء الشعبية التراثية التقليدية في سوريا كانت خلال القرون الثلاثة أو الأربعة الأخيرة منوعة أكثر مما كانت عليه في أي إقليم عربي آخر، فكانت لكل مدينة كبيرة في هذه البلاد ملابسها المتميزة ببعض الخصائص التي قلما نجدها في المدن السورية الأخرى".

بحسب صالح، تتألف الملابس التقليدية السورية الرجالية من القميص والصدرية والسروال فضلاً عن مجموعة مختلفة من أغطية الرأس التي تتباين أشكالها من مدينة إلى أخرى، وفي العادة، يُلون القميص باللون الأبيض، ويكون قصيراً، وبكمين طويلين يصلان إلى مفرق الرسغ. أما السروال فيكون فضفاضاً في الأعلى وضيقاً في الأسفل، فيما تتألف الصدرية من رداء قصير مفتوح من جهته الأمامية، يغطي الصدر والظهر فقط، وغالباً ما تُصنع الصدرية من قماش قطني أو من الحرير في موسم الصيف، ومن الجوخ الأسود أو الأزرق في موسم الشتاء بالنسبة للأغنياء.

من جهة أخرى، تتنوع الملابس الفلكلورية النسائية في سوريا وتتباين من منطقة لأخرى من حيث الألوان،وطرق الزخرفة والتطريز.

من الملاحظات المهمة أيضاً، أن الأزياء النسائية عبرت عن بعض الأوضاع الاجتماعية والحضارية، فعلى سبيل المثال، اعتادت المرأة المتزوجة في دمشق  ارتداء غطاء للرأس يعرف بـ "البخنق" وهو عبارة عن قطعة قماش سوداء رقيقة تغطي بها المرأة عنقها وصدرها، في حين اعتادت النساء الريفيات ارتداء غطاء رأس مختلف يعرف بـ "البرقع".

وفي السنوات السابقة، حظيت الملابس التقليدية بسوريا بقدر وافر من الاهتمام. في يوليو 2008، أُقيم معرض للأزياء الشعبية في إدلب.

وفي يوليو 2019، تم تنظيم المهرجان السنوي الأول للأزياء الفلكلورية في الحسكة شمال شرقي سوريا، عُرضت فيه نماذج متباينة من الأزياء التقليدية التي تنتمي للكرد والعرب والسريان والشركس.

 

الدول المغاربية

تعرف الدول العربية المغاربية تنوعاً كبيراً في أزيائها التقليدية. ففي تونس، توجد "الجبة"، وهي عبارة عن سترة طويلة دون أكمام يتم ارتداؤها فوق قميص وسترة وبنطال فضفاض. و"البرنس" ويشبه العباءة الطويلة والفضفاضة ولكنه دون أكمام.

و"الملية أو الحِرام" وهو الزي الشعبي الذي ترتديه العرائس في الجنوب الشرقي التونسي، و"السفساري" وهو عباءة بيضاء اللون، بشكل عام، تحتفي تونس بأزيائها الفلكلورية، وتخصص الدولة السادس عشر من مارس فى كل عام لإحياء اليوم الوطني للملابس التقليدية.

على الجانب الآخر، تشترك كل من الجزائر والمغرب في العديد من الأزياء التقليدية المعروفة. منها على سبيل المثال، "الكندورة"، وهو لباس فضفاض وقصير، بأكمام قصيرة، يرتديه الرجال في فصل الصيف عادة، و"القفطان" الذي تعود أصوله إلى القرن الثاني عشر ميلادي. ويتميز بالتطريز اليدوي كالرباطي نسبة إلى مدينة الرباط أو الفاسي نسبة إلى فاس في المغرب، كما أنه ينتشر في الجزائر أيضا.

هذا، فضلاً عن "الملحفة" التي ترتديها النساء في المنطقة الصحراوية في البلدين، وهي عبارة عن ثوب واحد طويل. وتلتف حول الجسد بعد أن يتم ربطها عند الكتفين، وتتباين أشكالها من حيث الألوان والزركشة.

بشكل عام، ارتبطت العديد من الأزياء التقليدية المغاربية بإثارة الجدل. ومنها لباس "الحايك" الذي يرجع إلى أصول أندلسية قديمة، وينتشر في مناطق مختلفة من المغرب والجزائر.

في الحقبة الاستعمارية، ارتبط الحايك برمزية وطنية، وقد  كانت النساء تخبئن تحته الأسلحة لتوصيلها للمقاومين. وفي مارس 2023، تسبب الحايك في إثارة الجدل بين المغرب والجزائر على مواقع التواصل الاجتماعي، ووقع ذلك عندما تجولت مجموعة من النساء المغربيات في مدينة طنجة وهن يرتدين الحايك للاحتفال بعيد المرأة، وأثار ذلك غضب الجزائريين، الذين رأوا أن "وسائل الإعلام المغربية نسبت ثوب الحايك للمغرب"، وهو برأيهم "ليس منها".

في السياق نفسه، تسبب "القفطان" في إثارة مشكلة إعلامية كبيرة بين المغرب والجزائر، وذلك بعدما صرح وزير الثقافة الجزائري الأسبق، عز الدين ميهوبي، بأن الجزائر ستتقدم بملف لمنظمة اليونسكو لإدراج القفطان لباسا تقليديا جزائريا محضا، ما أثار غضب المغرب التي تعتبر أن لها أيضاً دورا في إخراج زي القفطان إلى العالمية.