العدد الأول من مجلة "ليلى" التي أصدرتها بولينا حسون عام 1923.
العدد الأول من مجلة "ليلى" التي أصدرتها بولينا حسون عام 1923.

قبل مئة عام، شهد العراق بوادر نهضة نسائية تمثلت بتأسيس "نادي النهضة النسائي"، وصدور مجلة "ليلى" أولى المجلات النسوية العراقية.

القاسم المشترك بين الحدثين هو الصحافية الرائدة بولينا حسون التي اضطرت لمغادرة العراق بعد عامين فقط، بسبب حملة المحافظين ضدها وضد أفكارها الداعية لتحرير المرأة، والمساواة التامة بينها وبين الرجل؛ حتى في الحقوق السياسية.

ليس ثمة تاريخ دقيق لميلاد حسون، ولكن من الراجح أنها ولدت في مدينة الموصل عام 1895 من أب عراقي موصلي وأم حلبية؛ هي شقيقة رائد تحرير المرأة في بلاد الشام الكاتب والمترجم إبراهيم الحوراني (1844 -1916م). ومن المؤكد أن بولينا حسون، تأثرت جداً بأفكار خالها الذي سبق أن رعى تأسيس أول جمعية نسائية في سورية العثمانية عام 1880 باسم "باكورة سورية".

 

جمعية ومجلة

 

تخبرنا المعلومات المتناثرة من سيرة بولينا أنها عاشت شطراً من حياتها متنقلة بين بلاد الشام ومصر التي كانت تشكل ملاذاً للحالمين بالحرية من باقي الدول العربية، وخصوصاً بلاد الشام والعراق. وقد شهدت كل من القاهرة والإسكندرية، منذ أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، ولادة صحف ومجلات نسائية شكلت ظاهرة لافتة. ويبدو أن بولينا عادت إلى العراق في العام 1922، أي بعد شهور من تسمية الأمير فيصل بن الحسين ملكاً على العراق، حيث كانت الأحلام كبيرة بمستقبل مشرق لهذا البلد العريق، خصوصاً وأن تجربة فيصل في سوريا كانت غاية في الأهمية على صعيد حقوق المرأة. ولذلك سعت بولينا منذ عودتها إلى تأسيس نهضة نسائية تواكب نهضة العراق الحديث.

في سنة 2021، ما يزال 72 بالمئة من العراقيين المستطلعة آراؤهم يوافقون على الرأي القائل إن "الرجل أفضل من المرأة في القيادة السياسية".
من "تعليم البنات" إلى "المشاركة السياسية".. كيف تطورت حركة تحرير المرأة العراقية؟
في سنة 1899، نشر المفكر المصري قاسم أمين كتابه الشهير "تحرير المرأة". دعا أمين في الكتاب للاهتمام بتعليم المرأة المصرية، وطالب بتحريرها من الأغلال التراثية التي قيدتها وعطلت نهضتها. بعد ذلك بسنوات قلائل، صدرت بعض الدعوات المماثلة في أرض الرافدين. ما هي أهم تلك الدعوات؟ وكيف انخرطت المرأة العراقية في السلك التعليمي في عشرينات القرن العشرين؟ وما هي أهم المحطات التي مرت بها العراقيات في طريقهن للمشاركة الاجتماعية والسياسية؟

وعند تأسيس الجمعية النسائية، أوكلت رئاستها إلى أسماء الزهاوي، ابنة مفتي العراق الشيخ أمجد الزهاوي في ذلك الوقت، فيما تراجعت بولينا إلى الصف الثاني، حيث كانت تعمل على إصدار العدد الأول من مجلتها "ليلى".

وقد روت سبب تسمية مجلتها بهذا الاسم، حيث كتبت حاشية في العدد الأول: "على إثر قدومي دار السلام (بغداد)، دعيت إلى إلقاء خطبة في الحفلة التي أقامها منتدى التهذيب (10 جزيران 1923) لتكريم الشاعر الكبير الأستاذ الزهاوي. فرأيت وسمعت هنالك، لأول مرة، الأستاذ الجليل ينشد شعره بتلهف وتحرق ويصيح:

وإني بليلى مغرم وهي موطني... وعلي أقضي في غرامي بها نحبي

فهبطت الكلمتان ليلى والوطن على قلبي هبوط الوحي، فاندفعت إلى تحلية المجلة باسم (ليلى)، وقد كنت قبلها أريد أن اسمي المجلة (فتاة العراق)".

بعد فترة إعداد استغرقت شهوراً عدة؛ أصدرت بولينا مجلة "ليلى" يوم 15 أكتوبر 1923 تحت شعار "في سبيل نهضة المرأة العراقية"، وقد عرفتها على غلافها بأنها: "مجلة نسائية شهرية تبحث في كل مفيد وجديد مما يتعلق بالعلم والأدب والفن وتدبير المنزل".

 

هجوم على المحافظين

 

كرست بولينا افتتاحية العدد الأول للهجوم على معارضي إصدار المجلة، ويبدو أنها خاضت معركة شرسة قبل الصدور، إذ كانت كلمات افتتاحيتها نارية، تعبر عن مقدار الممانعة التي تعرضت له، حيث كتبت: "يفتكر بعضهم أن ظهور مجلة نسائية في العراق من "الكماليات" التي لا حاجة إليها الآن، وأن المناداة بنهضة المرأة العراقية نفخ في رماد... فهؤلاء وأمثالهم معتادون إطفاء الأرواح، ولعلهم من بقايا "الوائدين"... ولكن ما لنا وفكرهم الرجعي؟ وأنى يسمع صوتهم رعود الأصوات الحية الداعية إلى التجدد المنعش؟ لله أنتم أيها المنادون بالحياة، والساعون إلى ما به خير البلاد. أنتم روح العراق! أنتم قلب العراق.. إلخ".

عملت زينب الإسترابادي مساعدة لإدوارد سعيد لمدة 14 عاما.
أميركية من أصول عراقية.. من تكون اليد اليمنى لإدوارد سعيد؟
كثيرًا ما حفلت كُتب المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد أو الدراسات التي كُتبت عنه بشكرٍ خاص لامرأة لعبت دورًا كبيرًا في مساعدته على إيصال صوته إلى العالم، هي ذراعه اليُمنى لـ14 عامًا متتالية قامت فيها بدور الباحثة والمُترجمة والمُحرّرة والمُدققة والمتحدثة بِاسمه في وسائل الإعلام. إنها العراقية زينب الإسترابادي أستاذة اللغة العربية في عددٍ من الجامعات الأميركية.

استطاعت بولينا أن تستقطب لمجلتها عدداً من أهم الأسماء الأدبية والصحافية في ذلك أمثال الشاعر جميل صدقي الزهاوي، والشاعر معروف الرصافي، والصحافي كاظم الدجيلي، والشاعر اللبناني حليم دموس، وسلمى صائغ، وأنور شاؤول، ويوسف غنيمة.

وكرست حسون مقالاتها الجريئة المطالبة بتشريع قوانين تحفظ حقوق المرأة اعتباراً من العدد الصادر في 15 آذار/ مارس 1924، في مواكبة منها لعقد المجلس التأسيس العراقي (البرلمان) المنتخب جلساته التي كان يناقش فيها إصدار الدستور العراقي، وإصدار قانون الانتخابات.

وكتبت حسون: "إن نجاح النهضة النسوية الناشئة منوط بغيرتكم وشهامتكم أيها الرجال الكرام، ولاسيما وأنتم الذين تحملتم أعباء مسؤولية تأسيس الحياة الديمقراطية العراقية على قواعد عصرية راسخة وأنتم تعلمون أنها ليست حق الرجل فقط.. إلخ".

وواصلت بولينا حملتها في الأعداد اللاحقة، محاولة أن تستقطب وتستفتي آراء رجال السياسة بهذا الموضوع، ونشرت مقالات حول البرلمانات الأوروبية والأميركية التي شرعت الحقوق السياسية للنساء.

 

حملة أولى

 

لم تعجب جرأة حسون الطبقات المحافظة القوية في المجتمع العراقي آنذاك، فبدأت الحملة الأولى ضدها بمقالة شديدة القسوة في جريدة "المفيد" صدرت في أغسطس عام 1924، وقعها شخص مجهول أطلق على نفسه اسم "خبير بما هنالك". لكن جاء رد جريدة "العالم العربي" عليها بمقال شدَّ من أزر بولينا حسون ومجلتها ليلى، داعياً إياها لأن تثابر وألا تبرد همتها من أقوال سخيفة "فأهل الإصلاح مضطهدون في كل قرن.. لك يا ليلى أنصارك أيتها المصلحة النسائية.. إلخ".

ولم يتوقف الأمر عند حملة "المفيد" فانبرى وكيل مجلة "فتاة الشرق" المصرية في بغداد بالهجوم على بولينا، لأنه "لم يسمع عنها أية علاقة بالفنون الأدبية" و"مجلة ليلى لا تحتوي إلا على كل تافه لا يفيد الرجال والنساء، وهي لا تزال طفلة رضيعة".

وقد اتهمت جريدة "العالم العربي" التي تولت الدفاع عن بولينا وكيل "فتاة الشرق" بأنه مكلف من صاحبة مجلته، أي الصحافية لبيبة هاشم، بالتحريض على المجلة وصاحبتها.

وردت بولينا على هذه الحملة رداً هادئاً قالت فيه: "لا يثني عزمي ولا يثبط مساعي ما يقوله بعضهم عني أو ينشره في الصحف، ولا أكترث لتلك المطاعن والأراجيف، فمن شاء أن يصدِّق فليصدِّق، ومن شاء أن يكذِّب فليكذِّب.. إلخ".

وقد صدر أمر بإيقاف الحملة كما كتبت ذلك جريدة "المفيد" في عددها الصادر يوم 19/8/1924، مقدمة اعتذاراً للكتاب الذين لم تنشر مقالاتهم وهو ما يشير إلى حجم الهجوم.

ولكن المناوئين لبولينا حسون سرعان ما وجودوا في تعيينها مديرة لمدرسة "باب الشيخ" الابتدائية في بغداد، في العام الدراسي 1925 فرصة مواتية لإعادة الهجوم عليها في حملة ثانية.

 

حملة ثانية ورحيل

 

تولت مهمة الهجوم هذه المرة جريدة "العراق"، بدعوى أن بولينا تزرع أفكاراً "مخالفة لأصول التربية والتعليم". وزعمت الجريدة أن صاحبة المقال هي طالبة تركت المدرسة بسبب سلوك المديرة الجديدة، أي بولينا حسون.

وهاجمت الجريدة في عدد 9 أكتوبر 1925 بولينا حسون واتهمتها بأنها لا علاقة لها بالتربية والتعليم، وأن مؤهلاتها تقتصر على إصدار "مجلة نسائية ليس لها فيها ومنها إلا الاسم". وختمت الطالبة المزعومة مقالها بالطلب من وزير المعارف ساطع الحصري بأن يخلصهم من هذه المديرة "الطاغية المستبدة".

وواصلت جريدة "العراق" حملتها بمقالات أخرى موجهة لوزير المعارف وللجمهور، شارك فيها كتاب آخرون، إلى أن استجابت الوزارة لهذه الحملة في شهر نوفمبر 1925، وقامت بتخفيض وظيفتها من مديرة إلى معلمة في المدرسة الحيدرية.

حينها، ما كان من بولينا حسون إلا أن رفعت دعوى ضد جريدة "العراق"؛ كسبتها في النهاية، ولكنها كانت قد خسرت جريدتها نتيجة حملات المقاطعة، الأمر الذي أدى إلى إفلاسها، واضطرارها إلى أن ترحل عن العراق نهائياً وتلجأ إلى فلسطين، ثم الأردن لتموت هناك منسية عام 1969.

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

لعبت زوجات القادة العرب أدواراً متباينة في البلدان التي خضعت لحُكم أزواجهن.
لعبت زوجات القادة العرب أدواراً متباينة في البلدان التي خضعت لحُكم أزواجهن.

لعبت زوجات القادة العرب أدواراً متباينة في البلدان التي خضعت لحُكم أزواجهن، مِنهن مَن امتلكت صلاحيات كبيرة حتى نُظر لها وكأنها تُضاهي زوجها في صلاحياته، وأخريات عِشن في الظل لم يعرف عنهن الشعب شيئاً، ولو حتى صورهن.

فما أبرز قصص هؤلاء وهؤلاء؟

ليلى وأسماء وسوزان.. حاكمات من وراء ستار

من بين زوجات الرؤساء العرب، اشتهرت أسماء عدة نساء بفضل أزواجهن الذين استمروا في مناصبهم لفترات طويلة أطيح بأغلبهم عقب ثورات الربيع العربي عام 2011.

أشهرهن ليلى الطرابلسي، زوجة الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي التي أنشأت جمعيتي "سيدة" و"بسمة" لمساعدة مرضى السرطان والمسنين وتوفير فرص العمل للشباب. ومع ذلك، ارتبط اسمها وعدد كبير من أفراد عائلتها بالعديد من اتهامات الفساد ومحاولة السيطرة على الاقتصاد التونسي والتدخل في عمل الوزراء، حتى لقَّبها التونسيون بـ"حاكمة قرطاج".

 كانت ليلى محل نقمة كبيرة من الشعب التونسي على الرئيس السابق بن علي فكانت واحدة من الأسباب التي أدّت إلى الثورة عليه وإجباره على الرحيل.

بعد نجاح ثورة 2011 في الإطاحة بحُكم زوجها عاقبتها محكمة تونسية بالسجن 35 عاماً، ولا تزال قضايا فساد تُلاحقها في المحاكم التونسية بعدما لُوحق عددٌ كبير من أقاربها قضائياً، على رأسهم أخوها منصف الذي تُوفي في السجن وعماد الطرابلسي ابن أخيها الذي لا يزال قيد الاحتجاز حتى الآن.

هناك أيضاً أسماء الأسد زوجة الرئيس السوري بشار الأسد. تربت أسماء في لندن لأبوين سوريين. وفي إنجلترا، درست علوم الحاسوب، وعملت في أحد المصارف.

خلال سنوات زواجها الأولى صرّحت بأنها ستستعين بخبراتها المصرفية في إدارة المنظمات الاجتماعية في انعكاس للدور الذي رغبت في لعبه والمرتبط بالأعمال الخيرية.

أبدت أسماء دعماً كبيراً لزوجها منذ وقوع الاحتجاجات الشعبية ضده في 2011 والتي تحولت إلى حربٍ أهلية لا تزال سوريا تعاني منها حتى اليوم. وفي 2012 أعربت الصحفية جوان جولييت باك صاحبة أول حوار مع أسماء الأسد لصالح صحيفة "فوج" عن تعجبها من التناقض الذي أظهرته شخصية أسماء الوديعة خلال اللقاء وبين مساندتها لزوجها في المجازر التي ارتكبتها قواته ضد شعبه طيلة السنوات الفائتة حتى إنها وصفتها بأنها أصبحت "السيدة الأولى للجحيم".

خفايا صعود أسماء الأسد.. وتفاصيل دورها في "استرداد الأموال"
في مدينة حمص وفي أكتوبر الماضي، كان هناك مشهد غير مألوف في سوريا التي تحكمها عائلة الأسد منذ عقود، حيث اعتاد المواطنون على رؤية صور الأسد الأب والابن في الشوارع وعلى أبواب المدارس والدوائر الحكومية، لكن يبدو أن هذه القاعدة قد كسرت بأياد ليست من الخارج بل من الداخل.

المشهد تغير حين بدأت صور، أسماء الأسد، تزاحم صور زوجها، بشار الأسد، ووالده حافظ. فقد باتت موجودة في الشوارع في صعود إعلامي ملفت

في أكتوبر 2016، ظهرت أسماء في مقابلة تلفزيونية كشفت خلاها أنها تلقت عرضاً لتأمين هروبها وأبنائها إلى خارج سوريا، لكنها رفضت، مؤكدةً أنها تركز على بذل جهودٍ كبيرةٍ لمساعدة النازحين وإعانة الجنود الجرحى وعائلات ضحايا الصراع.

خلال السنوات الفائتة توسّع دور أسماء أكثر حتى امتدَّ إلى الاقتصاد السوري عبر إدارة ما عُرف بـ"المجلس الاقتصادي" الذي نفّذ أنشطة استثمارية متنوعة في عموم سوريا فضلاً عن قيادة "الأمانة السورية للتنمية"، حيث اتهمت بالاستيلاء على أموال المنظمات الخيرية وتوجيهها نحو المناطق الموالية لزوجها، لذلك اتهمتها وزارة الخارجية الأمريكية بأنها "عرقلت الجهود المبذولة للتوصل إلى حلٍّ سياسي، واستخدمت المنظمات الخيرية ومنظمات المجتمع المدني في ترسيخ سُلطة النظام السياسية والاقتصادية".

هذه الممارسات دفعت أميركا والاتحاد الأوروبي لفرض عقوبات على والدها فواز الأخرس وشقيقها فراس الأخرس ومهند الدباغ ابن عمتها بسبب معاونتهم لها في هذه المهام.

أما سوزان مبارك زوجة الرئيس المصري الراحل حسني مبارك والتي لعبت دوراً كبيراً في جهود تحسين أوضاع حقوق المرأة والطفل فقد وزعت برنامجاً ثقافياً شهيراً في مصر عُرف بِاسم "القراءة للجميع". في مقابل ذلك تمتّعت بنفوذ كبير في دوائر صُنع القرار حتى إن رجال مبارك المقربين اعتادوا تسميتها بـ"الهانم"، كما وصفها دبلوماسي أميركي في إحدى وثائق ويكيليس المسربة بأنها "لاعبة سياسية ماهرة، ولها نفوذ قوي في الحكومة".

سارت سوزان على خُطى جيهان زوجة الرئيس محمد أنور السادات التي كانت واحدة من أهم أركان نظامه بعدما حظيت بشهرة كبيرة نتيجة حرص وسائل الإعلام المحلية على تغطية نشاطاتها الداخلية في قضايا تحسين حقوق المرأة. ومنها تبنّيها تغيير قوانين الأحوال الشخصية التي منحت للنساء أفضلية على الرجال في حضانة الأطفال وحيازة شقة الزوجية حال وقوع الطلاق.

طيلة وجودها كـ"سيدة أولى" تبنّت جيهان السادات مبادرات اجتماعية ومشاريع إنمائية كبيرة وأسّست جمعية "الوفاء والأمل" لتحسين أوضاع النساء وتعزيز فرصهن في التعليم والعمل، كما أن إحدى صديقاتها كانت السبب في تعديل الدستور من أجل السماح للسادات بالبقاء في منصبه دون التقيد بحد أقصى للمدد الرئاسية، وهو التعديل الذي لم يستفد منه بسبب اغتياله واستفاد منه مبارك بعدما بقي في الحُكم 30 عاماً.

أما في الدول العربية الملكية فتكاد تكون السيدة الأولى الأكثر حضوراً ونشاطاً هي الملكة رانيا زوجة الملك عبدالله الثاني التي يُنظر لها على أنها "ملكة عصرية" تجيد الإنجليزية بطلاقة وتؤلّف كتباً للأطفال، وشاركت في حملات لدعم التعليم وحقوق المرأة، وفي 2009 احتلت المركز 97 في تصنيف "فوربس" لأقوى النساء في العالم.

ومنذ شهر فقط، كرّم العاهل الأردني زوجته بسبب جهودها في تطوير المجتمع عبر منحها "وسام النهضة".

زوجات في الظل

الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر لم يمنح زوجته مساحة للعب أي دور خلال فترة حُكمه.

وبحسب الموقع الرسمي لناصر فإن زوجته تحية كاظم عاشت "بعيدة عن الأضواء والحياة السياسية" منشغلة بتربية أولادها وبيتها، وهو نفس ما فعلته قبلها "عائشة" زوجة محمد نجيب أول رئيس لمصر بعد ثورة يوليو، والتي اقتصر دورها على استقبال زوجات المسؤولين الكبار الذين توافدوا إلى مصر خلال فترة قيادة زوجها للبلاد، إلا أنها لم تلعب دوراً اجتماعياً أكبر من ذلك.

أيضاً اشتهر المغرب بفرضه نطاقا من السرية على حياة زوجات الملوك حتى إنهن لم يحملن لقب ملكات.

نساء بلاد الرافدين: من ملكات إلى سبايا؟
يسجّل التاريخ الحي لبلاد الرافدين وإرثها الحضاري دورا بارزا لنسائها اللائي كن يجمعن بين الحكمة والفتنة والبأس، بين الماضي والحاضر القريب، مثلما تسجل وقائع البلاد في عصرها الحديث فصولا من المعاناة والقسوة والاضطهاد الذي ركزته قيم اجتماعية وممارسات مستندة إلى قوانين حكومية واجراءات قاهرة.

ولسنواتٍ طويلة عاشت زوجات الملوك بمعزلٍ عن الأضواء، وهو السيناريو الذي عاشته عبلة بنت الطاهر زوجة الملك محمد الخامس وأم الملك الحسن الثاني. وحينما تزوج الملك حسن من السيدة لطيفة حمو والدة الملك محمد السادس فإنها لم تنل لقباً ملكياً واكتفي بمنحها لقب "أم الأمراء".

هذا الوضع تغيّر قليلاً في عهد ابنها محمد السادس. فبعدما تزوّج بسلمى بنّاني مُنحت اللقب الرسمي "صاحبة السمو الملكي" وحملت لقب "أميرة".

أظهرت الأميرة الجديدة نشاطاً أكبر من خليفاتها فأسّست مؤسسة لعلاج السرطان، كما نشطت في صفوف منظمة الصحة العالمية، هذه المسيرة تعرضت للتوقف بعد الاختفاء المفاجئ لسلمى عن الظهور الرسمي حتى أٌعلن طلاقها من الملك في 2019.

أوضاعٌ مشابهة نجدها في السعودية أيضاً؛ فنادراً ما قامت "زوجة الملك" بأي دور في العمل العام لتقتصر اهتماماتها على رعاية الأبناء وإعدادهن لشؤون الحكم، وهي عادة ارتبطت بالأسرة السعودية منذ أن التزمت بها زوجات عبد العزيز بن سعود الملك المؤسِّس، ومنهن: فهدة بنت العاصي الشريم، وحصة بنت أحمد السديري (والدة الملك سلمان)، والجوهرة بنت مساعد (أم الملك خالد)، وضحى بنت محمد آل عريعر (والدة الملك سعود)، وغيرهن من النساء العديدات اللائي ارتبط بهن ابن سعود في إطار مساعيه لتدعيم علاقاته بالقبائل الحجازية.

هذا السلوك استمرّ حتى الآن مع فهدة بنت فلاح آل حثلين زوجة سلمان بن عبدالعزيز ملك السعودية ووالدة الأمير محمد بن سلمان ولي العهد، التي تمنحها وسائل الإعلام الرسمية لقب "أميرة" وليس "ملكة"، وعُرف عنها قِلة الصور المتداولة لها ونُدرة ظهورها في المحافل العامة إلا بشكلٍ غير رسمي مثل الإعلان عن زيارة "ترفيهية" لها إلى المغرب في منتصف العام الماضي أو المشاركة في حفلات لتكريم عدد من مُحفِّظات القرآن على شرف زوجها الملك سلمان وأيضاً رعاية مؤتمرات لبحث "تمكين المرأة".

الاستثناء الوحيد لهذا الأمر حدث مع الملكة عفت زوجة الملك فيصل التي نشأت في تركيا واشتهرت بأنشطتها الاجتماعية واسعة النطاق حتى إنها رعت تأسيس أول مدرسة لتعليم الفتيات السعوديات في 1955، والتُقطت لها صورة خلال تفقدها أحد فصول هذه المدرسة. أيضاً ساهمت في إنشاء مستشفى فيصل التخصصي ومركز للأبحاث الطبية.

وبشكلٍ أقل لعبت الأميرة سارة بنت مشهور زوجة محمد بن سلمان ولي العهد دوراً غير رسمي عبْر ترؤسها مبادرة "عِلمي" غير الحكومية والمعنية بتأسيس مركز لتشجيع الشباب السعودي على العلوم والابتكار، ورعاية فعاليات تعتني بالتراث السعودي ورئاسة جمعيات خيرية.

خليجيا، كان ملفتا الدور الذي تلعبه الشيخة موزا بنت ناصر المسند، زوجة أمير دولة قطر السابق حمد بن خليفة آل ثاني، ووالدة الأمير الحالي تميم بن حمد.

وتحظى الشيخة موزا، الحاصلة ماجستير من كلية الدراسات الإسلامية وعلى بكالوريوس في علم الاجتماع من جامعة قطر، بحضور واضح في الحياة العامة في البلاد. وترأس عددا من المؤسسات الحكومية. وهي، حسب موقعها الرسمي، ترأس حاليا مجلس إدارة مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع. وشغلت سابقا منصب نائب رئيس المجلس الأعلى للصحة خلال الفترة من 2009 إلى 2014، ومنصب نائب رئيس المجلس الأعلى للتعليم خلال الفترة من 2006 إلى 2012.