نساء سوريات أثناء الانتخابات النيابية عام 1961- من أرشيف فرانس برس
نساء سوريات أثناء الانتخابات النيابية عام 1961- من أرشيف فرانس برس

يتتبع المؤرخ السوري سامي مروان مبيض في كتابه "سكة الترمواي .. طريق الحداثة مرّ بدمشق"، مظاهر التحديث التي عبرت العاصمة السورية خلال ما يقارب قرناً من الزمان، متخذاً من موضوع المرأة وحقوقها؛ بوصلة تقود إلى الغاية النهائية من هذا البحث الفريد من نوعه، في مسار التأريخ لسوريا المعاصرة، منذ تأسيسها كدولة مستقلة عام 1918. 

ومع أن موضوع المرأة يحتل الحيز الأبرز في صفحات الكتاب الصادر حديثاً عن "دار رياض نجيب الريس" بـ 414 صفحة من القطع الكبير، إلا أنه لا يخلو من فصول تتتبع تطور الفنون الدرامية والموسيقية، والمعارك التي كانت تدور حولها، بين الأقلية العلمانية من جهة، والأكثرية المُقادة من جانب شيوخ الدين وجماعات الإسلام السياسي بقيادة الإخوان المسلمين.

 

أسئلة المقدمة

يفتتح مبيض كتابه بمقدمة حول المؤشر الأول لدخول الحداثة في مجتمع سوريا العثمانية عام 1893، حين وصلت دعوة إلى سبع نساء سوريات مثقفات، للمشاركة في مؤتمر المرأة العالمي في شيكاغو.

وقبل ذلك يحدثنا عن ثورة التنظيمات في السلطنة العثمانية وكيف انعكست على سوريا، تعليماً، وحرية، وصحافة، وظهور بوادر نويات لمجتمع مدني، من أبرز تعبيراته "جمعية باكورة سورية" النسائية عام 1880.

ويتركنا مبيض أسرى الأسئلة المقلقة التي يطرحها في نهاية المقدمة: "هل كانت دمشق مستعدة للتغيير، وهل قبلت به عن اقتناع؟ هل كانت فعلاً مدينة كلاسيكية محافظة، غارقة في إرثها التاريخي، أم مدينة متجددة ومنفتحة على كل جديد؟ وأخيراً، هل كانت دمشق مُتعصبة؟ أم أنها كانت متسامحة مع شبابها وصباياها في الربع الأخير من القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين؟". 

 

التوسع العمراني

في الفصل الأول المعنون بـ"حياة جديدة"، يحدثنا مبيض عن سكة "الترامواي" التي افتتحت في دمشق عام 1907، وكيف ساهمت في ربط أحياء المدينة ببعضها، وبالأرياف المجاورة، ما سهّل على الدمشقيين التنقل والتعلّم والاستطباب والتجارة، بالتالي وصول "الكثير من الأفكار الغربية والعادات المستوردة".

ويحدثنا قبل ذلك عن ثورة المشافي وما أدت له من إطالة عمر السوريين، وتأسيس الجامعة السورية بفرعي الطب والحقوق، ووصول الكهرباء إلى البيوت. وكل ذلك في أواخر أيام السلطان عبد الحميد.

غير أن النقلة النوعية على صعيد التطور العمراني، وخروج الكثير من أولاد الذوات خارج أسوار المدينة القديمة، لم يحدث إلا فترة الانتداب الفرنسي، حيث تأسست أحياء حديثة خارج السور، وفق مخططات تضاهي أحدث المدن الأوروبية. 

وفي الفصل الثاني، يرصد مبيض بوادر الصراع بين التيارين العلماني والديني خلال فترة حكم الأمير فيصل القصيرة لسوريا، التي أظهرت افتراق النخبة العلمانية الشابة المثقفة المتأثرة بالحداثة الغربية، عن التراث العثماني الثقيل الذي كان يمثله رجال الدين، وبين هؤلاء وهؤلاء كان الأمير فيصل يحاول أن يكسب في معركة تشعبت ساحاتها، وأهدافها ومصائر من خاضوها. 

 

الأميرة حزيمة والدمشقيات

يفرد المؤرخ السوري فصلاً للأميرة حزيمة، زوجة الأمير فيصل وكيف انبهرت بالوفد النسائي الذي حضر للترحيب بها، حيث لاحظت أنهن لا يشبهن السواد الأعظم من سيدات المدينة، بل كنَّ أقرب إلى السيدات الأوروبيات، فجميعهن دخلن سافرات الرأس والوجه، على الرغم من وجود الحرّاس والخدم في القصر، وقد زيّنت الحليّ آذانهن، وكن قد صففن شعورهن عند "الماشطات"، كما كانت "الكوافيرة" تُعرف في ذلك الزمان.

وتبيّن للأميرة الهاشمية أن جميع ضيفاتها كنّ متعلمات، يجدن القراءة والكتابة، وبعضهنّ يتقنّ الفرنسية والإنجليزية معاً، ولهنّ حياتهنّ الاجتماعية الخاصة في الأندية والجمعيات، التي لا تتعارض مع واجباتهنّ المنزلية والعائلية.

يقول مبيض: "لقد أشيع يومها أنهنّ (الدمشقيات) أفسدن الأميرة حزيمة بدلالهنّ ورعايتهنّ لها، ففي دمشق خلعت حزيمة حجابها، وتعلّمت التدخين، وصارت تغار على زوجها، لأن عدداً من السيدات السوريات كنّ يترددن باستمرار على مجلسه، وكان هو شاباً وسيماً، فيبدو أنها خافت عليه من (سحر) الدمشقيات".

 

نازك وماري

يصل مبيض إلى أهم شخصية نسوية دمشقية في ذلك الوقت، وهي نازك العابد، إلى جانبها صاحبة أول مجلة نسائية تصدر في سوريا "العروس"، وهي ماري عجمي، وبعد أن يتحدث عن ظروف نشأة وتربية كل منهما، وكيف نشأت الصداقة بينهما، يفاجئنا بافتراق مشروعي الرائدتين النسويتين بعد الانتداب الفرنسي عام 1920، حيث قد قادت نازك ثورة ضد الانتداب على أكثر من صعيد، ليس أقلها تنظيم مظاهرات نسائية أمام قلعة دمشق للإفراج عن المعتقلين من مناوئي الانتداب، في حين جنحت ماري إلى مهادنتهم، وإن كانت أسباب الافتراق بينهما أعمق من ذلك كما يثبت مبيض.

في حين، بدأت نازك خوض معركة الحجاب على مختلف المستويات، اعتبرت ماري نفسها غير معنية بهذه المعركة التي تخص المسلمات وحدهن، بل وأكثر من ذلك كتبت مقالات في مجلة "العروس" انتقدت فيها الدعوات للسفور، مطالبة الدمشقيات بالتزام الشريعة الإسلامية، كما هاجمت بشدة جوارب النساء الشفافة التي اعتبرتها مثل "الديناميت"، وما أسمتها "الخلاعة والتبرج".  

 

حق التصويت للمرأة

ينقل مبيض جوانب من النقاشات الحامية بين أعضاء المؤتمر السوري حول حقوق المرأة، ويرصد وجود كتلتين؛ الأولى كتلة المحافظين، وهي متماسكة تمثل طبقة الأعيان التقليديين مع رجال الدين، في مواجهة كتلة صغيرة مبعثرة من العلمانيين والتقدميين، مسلمين ومسيحيين من خريجي الكلية السورية البروتستانتية في بيروت، والجامعات الغربية. 

ومن القضايا التي أدت لاندلاع معارك حامية قضية حق التصويت في الانتخابات النيابية للمرأة، حيث قادت نازك العابد هذه المعركة مستخدمة مجلتها "نور الفيحاء" للضغط على المؤتمر.

ورغم انحياز الأمير فيصل للعابد وأفكارها، إلا أن المحافظين نجحوا في منع تمرير قانون الانتخاب، وكانت هناك معركة أخرى حول سن قانون يعاقب التحرش اللفظي بالنساء السافرات، وكانت النتيجة تمرير القانون مع تأكيد على التزام النساء بالحشمة.

كانت هذه النقاشات مجرد إرهاصات لمعركة الحجاب والسفور التي شغلت السوريين طوال عقد العشرينيات.

ويشير مبيض إلى ظهور كتاب لناشطة نسوية تعتبر أن الحجاب ليس من أصل الدين، الأمر الذي استدعى ردوداً من الشيوخ، وبدايات ظهور الإسلام السياسي الذي وجد في هذه القضية فرصة لكي يعبر عن نفسه بحشد الشارع ضد مظاهر التحلل الاجتماعي الطارئة.  

 

الإسلام الحركي والعنف 

وبعد أن يضيء مؤرخنا على دخول الكثير من مفردات الحداثة في إلى حياة الدمشقيين، يصل بنا إلى معركة فاصلة بين دعاة تحرر المرأة، والطبقة المحافظة العريضة التي بدأ العنف يصل إلى بعض ممارساتها، نتيجة وصول الإسلام الحركي ممثلاً بفكر جماعة الاخوان المسلمين.

عرفت هذه المعركة باسم "جمعية نقطة الحليب"، ففي ربيع عام 1944 نُشر إعلان في الصحف اليومية عن حفل خيري للجمعية، كان من المقرر إقامته في نادي الشرق تحت رعاية مدام كاترو، زوجة ممثل الجنرال شارل ديغول في سوريا ولبنان. 

واعترضت يومها الجمعيات الإسلامية على هذا النشاط، أولاً بسبب الرعاية الفرنسية، وثانياً لأن المنظمين أرادوا أن يُقام الحفل في نادٍ عُرف عنه تقديم الخمر للزبائن، وكان الكثير من رواده يلعبون القمار على طاولاته.

وما زاد من حفيظة رجال الدين؛ ما أشيع يومها أن عدداً من زوجات المسؤولين السوريين كنّ ينوين حضور الحفل سافرات. 

يخبرنا مبيض أن الشيوخ نقلوا المعركة، بعد أن وجدوا معارضة حكومية لمطالبهم بإلغاء الحفل، إلى منابر المساجد، وسرعان ما بدأت المظاهرات تغزو شوارع دمشق احتجاجاً على "التراخي الاجتماعي والفجور"، الأمر الذي أدى لسقوط قتلى من المتظاهرين نتيجة تجرؤ المتظاهرين على رجال الشرطة.

وبعد اعتقال الشيخ محمد الأشمر، بسبب التحريض على التظاهر، خرجت مساجد دمشق بمظاهرات عارمة لم تتوقف حتى هدد الاتحاد النسائي السوري بإيقاف المعونات الغذائية عن العائلات الفقيرة التي كانت تعاني من نتائج الحرب العالمية الثانية. 

إذاً، مرّ طريق الحداثة في دمشق، كما يقول لنا كتاب سامي مبيض، لكنه كان وعراً، وقادته نخبة صغيرة متعلمة تعليماً غربياً. وقد دفع الكثير من أبناء هذه النخبة أثماناً باهظة ليس أقلها الدكتور عبد الرحمن الشهبندر "زعيم العلمانيين السوريين"، الذي قضى برصاصات وجهها له متعصبون قتلوه بتهمة الكفر والارتداد عن الدين، رغم محاولات تسييس القضية، وجعلها بسبب التنافس السياسي بين الشهبندر وكتلته النيابية، والكتلة الوطنية الحاكمة. 

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

لأفغانية تالاش استبعدت من أولمبياد باريس بسبب تضامنها مع نساء بلادها
تالاش استبعدت من أولمبياد باريس بسبب تضامنها مع نساء بلادها

استبعدت الأفغانية، مانيزها تالاش، التي تخوض أولمبياد باريس ضمن فريق اللاجئين الأولمبي، من مسابقة "البريك دانس" بعدما ارتدت عباءة كتب عليها "حرروا النساء الأفغانيات"، وفقا لما أفاد الاتحاد العالمي للرقص الرياضي، السبت.

وكشفت تالاش (21 عاما)، الجمعة، عن قميصها الأزرق الذي حمل الشعار أثناء تنافسها ضد الهولندية، إنديا ساردجو، ضمن الجولة التأهيلية لمسابقة الرقص النسائي في ساحة لا كونكورد بباريس.

وهي المرة الأولى التي تدرج فيها مسابقة "البريك دانس" ضمن الألعاب الأولمبية، في حين ستغيب عن ألعاب لوس أنجلوس 2028.

وقال الاتحاد العالمي في بيان: "تم استبعاد راقصة البريك دانس تالاش من فريق اللاجئين ... لعرضها شعارا سياسيا على ملابسها في انتهاك للمادة 50 من الميثاق الأولمبي".

وينص هذا القانون على أنه "لا يُسمح بأي نوع من الشعارات أو الدعاية السياسية أو الدينية أو العنصرية في أي مواقع أولمبية أو أماكن أو مناطق أخرى".

وولدت تالاش في كابل، التي عادت تحت سيطرة طالبان منذ عام 2021، وهربت من البلاد لتعيش في إسبانيا مع شقيقَيها.

وقبل وصولها إلى إسبانيا، أمضت عاما مختبئة في باكستان؛ لأنها لم يكن لديها جواز سفر، قائلة: "لم أغادر بلادي لأني خائفة من طالبان أو لأني لا أستطيع العيش في أفغانستان".

وتابعت: "غادرت لأني أريد أن أفعل ما بوسعي من أجل الفتيات في أفغانستان، من أجل حياتي ومستقبلي من أجل الجميع".

وفي كابل، اكتشفت "البريك دانس" عبر مواقع التواصل الاجتماعي وانضمت إلى نادٍ محلي، حيث كانت الفتاة الوحيدة.

وعلى الرغم من المخاطر، إذ اضطرت الفرقة إلى تغيير أماكن التدريب بعد تلقي تهديدات بالقتل، كانت مصممة على متابعة شغفها.

وقالت لفرانس برس في عام 2021: "لقد خاطرت بأن أصبح هدفا. لدي خوف في قلبي لكني لن أستسلم".

ويمثل أفغانستان 6 رياضيين، بينهم 3 سيدات لم تعترف بهن حكومة طالبان، في أولمبياد باريس ضمن مسابقات الدراجات وألعاب القوى والسباحة والجودو.