هدى قطان من حسابها على فايسبوك

كلؤلؤة متربعة داخل محارتها، تبدو هدى قطان في صورة غلاف مجلة "فوغ" العربية، التي نشرتها على حسابها على إنستغرام بمناسبة مرور عشرة أعوام على إطلاقها علامتها التجارية التي حملت اسمها مقروناً بـ"الجمال".

علامة "هدى بيوتي" باتت بعد عقد من الزمن واحداة من أشهر الماركات العالمية في عالم الجمال، وأدخلت صاحبتها إلى لائحة "فوربس" لأغنياء العالم بثروة قدّرت في العام 2021 بـ490 مليون دولار أميركي.

وتحوّلت الشابة المولودة في الولايات المتحدة الأميركية، لأبوين عراقيين مهاجرين، ودخلت عالم الجمال وهي في بداية عشريناتها، إلى قدوة لملايين السيدات. يتابعها على إنستغرام وحده أكثر من خمسين مليون متابع ومتابعة. وتحظى مقاطع الفيديو التي تنشرها وتتضمن نصائح تجميلية، بآلاف المشاهدات يومياً. 

تواظب هدى طوال الوقت على التعبير عن فخرها بأصولها العراقية، وقد نشرت قبل أيام صوراً للمنتخب العراقي لدى فوزه بكأس الخليج، وكتبت تحتها: "مبروك للعراق لفوزه بالكأس. أنا فخورة جداً ببلدي الأول. كم تمنيت لو كنت هناك لمشاهدة هذه اللحظات التي لا تنسى"، كما تستخدم خلال مقابلاتها وفيديوهاتها بالإنجليزية تعابير باللكنة العراقية تأكيداً على تمسكها بأصولها، وافتخارها بها.   

تغلبها دموعها في إحدى مقابلاتها التلفزيونية، فتسارع إلى كبحها بمنديل ورقي، حتى لا يؤثر الدمع على مكياجها. كانت تتحدث عما شعرت به حينما صوّرت إعلاناً لأحد منتجاتها، وقررت مع فريق عملها الظهور فيه من دون مكياج، وشعرت حينها أنها "هشة" وغير محصّنة، واستعادت ما كانت تعانيه في طفولتها عندما عاشت في محيط، شعرت فيه أنها "مختلفة".

تقول عن طفولتها ومراهقتها: "أصعب جزء من حياتي كان التعامل مع هويتي وقبول نفسي كما هي. كان الجمال المثالي بالنسبة لي هو الشعر الأشقر والعيون الزرقاء. لم أعلم أنه يمكنني أيضاً أن أكون جميلة". هذا كان السبب الرئيسي الذي دفع بالشابة العراقية إلى محاولة إرساء معايير جمال مختلفة، تناسب بشرتها وملامحها الشرقية. وقد واجهت ما تسميه "عدم اقتناع" عائلتها بحبها لعالم التجميل، وكانت العائلة تريد لها أن تصبح طبيبة أو محامية.

أدخلت هدى في "فلسفة" منتجاتها خليطاً من تراثها العراقي وعيشها في أميركا، يمكن أن تلائم نساء سمروات أخريات وتشكّل إلهاماً لهن. تقول في مقابلة مع "بي بي سي" قبل سنوات إن نجاحها له بعد سياسي يتعلق بقضايا التمييز المبنية على لون البشرة، وضربت مثلاً لذلك، العلامة التجارية التي أطلقتها المغنية الشهيرة ريهانا، والتي شملت منتجات لجميع ألوان البشرة، وهو ما نال إشادات واسعة، وتقول هدى إن ما فعلته ريهانا نابع من وجود اضطهاد في السوق للبشرات الملونة، وهو ما تسعى بدورها إلى محاربته.

بدأت رحلة هدى إلى عالم الشهرة والنجاح بعد قيامها بصنع رموش صناعية في العام 2013، وقد حصدت نجاحاً كبيراً وطلباً واسعاً على هذه الرموش بدعم من أختها ومديرة أعمالها منى قطان، التي تشغل منصب رئيسة "هدى بيوتي"، بعد ان أصبحت ماركة عالمية.

ومع أن هدى، تسوق وتبيع منتجات للجمال، إلا أن لها رأياً ملفتاً في شأنه، إذ لا تراه أبداً أولوية في تحديد شخصية الناس: "الجمال هو أمر قابل للتغيير بشدة، ويجعلك تشعر بأنه لديك قوة كبيرة، وتشعر أنك شخص مختلف...لكنك لست أبداً شخصاً مختلفاً. أنت بالضبط الشخص نفسه"، تقول، في إشارة إلى أن التجميل الخارجي لا يجب ان يؤثر على الهوية والانتماء، ولا يجب أن يكون بدافع الخوف من نظرة المجتمع.

"الخوف من المجتمع وهم، المجتمع سينتقد على أي حال"، تقول منال النابلسي، مدربة حياة وعلاقات، لـ"ارفع صوتك". وتتابع: "حالة هدى يمكن أن تشكل مادة لدعم النساء والشابات، لكنها في الآن عينه قد تكون سيفاً ذا حدين، لأن كثيرات غير قادرات اقتصادياً على تأمين منتجات التجميل والعناية بالبشرة، أو كثيرات ربما ممنوعات من التزين والتجمّل بسبب قيود اجتماعية أو دينية".

في هذا السياق، نشرت هدى مرة فيديو لوالدها، الأستاذ الجامعي، وهو يضع لها المكياج بنفسه. هذه الصورة، بحسب النابلسي قد تنعكس، سلباً على فتيات عربيات يمنعهن أباؤهن من "التبرج" أو لبس الثياب أو الخروج حتى من المنزل. لهذا قد تكون حالة "هدى بيوتي" مؤذية رغم نجاحها. والتمثّل والمقارنة مع هدى قد يخلق لدى كثيرات شعوراً بالنقص والتفاوت.

تقول النابلسي ان إشكالية التجميل تكمن في أنه ليس بالضرورة للفت النظر، أو لإبراز ملامح، بل يكون في احيان كثيرة لتشتيت الانتباه عن نواقص أو تشوهات. وصحيح أن الجمال داخلي في الأساس، بحسب النابلسي، لكن ذلك لا يمنع من التجمل الخارجي إذا كان ينبع من رغبة المرأة في أن ترى نفسها جميلة بعيونها، أمام مرآتها، وليس لإرضاء المجتمع ومعايير السوق. 

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

من تظاهرة في بغداد رافضة للتعديلات المقترحة على قانون الأحوال الشخصية- تعبيرية
من تظاهرة في بغداد رافضة للتعديلات المقترحة على قانون الأحوال الشخصية (8-8-2024)- تعبيرية

على خلفية انتقادها التعديلات المطروحة على قانون الأحوال الشخصية العراقي، تعرضت المحامية قمر السامرائي لحملة إهانات و"تسقيط" بشخصها وكرامتها وأنوثتها وسيقت بحقها اتهامات عديدة تقول سامرائي إنها كلها "مفبركة وغير صحيحة والهدف منها النيل من سمعتي وإسكاتي".

الغضب من سامرائي أتى بعد تصريحات تلفزيونية أدلت بها المحامية العراقية في برنامج حواري اتهمت فيها الساعين إلى تعديل قانون الأحوال الشخصية بأنهم يطبقون الشريعة الإسلامية فقط عندما يتعلق الأمر بالمرأة وحقوقها، ولا يطبقونها في باقي المسائل. 

وأضافت السامرائي "إذا كان الهدف تطبيق الشريعة الإسلامية في العراق، فلا داعي بعد الآن للمحاكم والقضاء المدني".

الملفت في النقاش حول قضية قانون الأحوال الشخصية، وفي نقاشات أخرى، أن الناشطات يتحولن إلى هدف لـ"التسقيط" الشخصي والإساءة والتنمر، بدل مواجهة الرأي بالرأي المضاد. 

ويتعرض كثير من معارضي مقترح تعديل القانون لاتهامات بـ"الابتعاد عن الدين"، و"التشكيك بالشرف"، أو بأنهم "أبناء السفارات"، كما جرى اتهام الناشطات بأنهن "ممثلات مبتذلات وراقصات".

السامرائي تقول في حديث مع "ارفع صوتك" حول ما تعرضت له "من المؤسف أنهم (تقصد المشرّعين الذين يحاولون تعديل قانون الأحوال الشخصية) يطبقون الدين بما يناسبهم، ويتخذون من الإسلام غطاءً لتحقيق أجنداتهم السياسية".

وتتابع: "ليس لديهم أي حجج للإجابة على الحجة بالحجة، بل هم يكررون سرديات خطيرة من مثل تشريع زواج القاصرات".

وترى السامرائي أن الحملة عليها ليست بسبب اعتراضها على تعديل قانون الأحوال الشخصية، بل يتعدى ذلك إلى موقفها من ملفات أخرى بينها قانون العفو العام.

تثق السامرائي بأن القانون العراقي قادر على حمايتها، مشيرةً إلى أنها ستتقدم بشكاوى قضائية لملاحقة مَن يقف وراء الحسابات الوهمية التي عملت على تشويه سمعتها، وستطالب بتعويضات مالية.

وهي تعتقد أن "الميليشيات الولائية وراء الحملة عليها"، مردفةً "لا أخشى التهديدات بالأذى الجسدي التي وصلتني، لأنني أؤمن أن حياتي بيد الله.. وأفضل أن أموت بطلة لا جبانة" على حد تعبيرها.

في الوقت نفسه، لا تتوقع السامرائي أن تنجح المساعي لإقرار التعديلات المطروحة على قانون الأحوال الشخصية، لأن الاعتراضات عليها كبيرة جداً داخل المجتمع العراقي.

تشرح الناشطة الحقوقية رؤى خلف لـ"ارفع صوتك" آلية عمل المجموعات والحسابات الوهمية المنظمة التي تهاجم الناشطات: "هذه المجموعات تقوم في أحيان كثيرة باقتطاع أجزاء من مقابلات مع الناشطات منزوعة من سياقاتها، ثم توزيعها ونشرها عبر حسابات وهمية على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تقوم الآلاف من هذه الحسابات بتسقيط الناشطات والتعرض لهنّ بشكل شخصي".

تحكي خلف عن تجربتها الشخصية: "قامت مجموعات مماثلة بنشر مقاطع لي مع تنسيبي، بسبب رأيي، إلى حزب البعث أو أي من المسميات الأخرى المكروهة اجتماعياً". 

وهذا الأمر، كما تقول خلف، تتعرض له معظم الناشطات بسبب آرائهن المتحررة والمعارضة للمنظومة الحاكمة.

"لذلك يجب دعم النساء عندما يتعرضن لهذا النوع من الحملات، لأن الناشطات في هذه الحالات يأخذن على عاتقهن شجاعة قول الحق مع معرفتهن المسبقة بالثمن المترتّب عليه، وإدراكهن لمخاطر الحملات التي سيتعرضن لها مع عائلاتهن بالنتيجة" تتابع خلف.

Iraqis Shiite Muslim worshippers gather outside the of Imam Moussa al-Kadhim shrine, who died at the end of the eighth century,…
كان "سابقاً لعصره".. خلفيات إقرار قانون الأحوال الشخصية العراقي 1959
أعاد النقاش حول قانون الأحوال الشخصية في العراق إلى الواجهة، الظروف الاجتماعية والسياسية التي أدت إلى صدور القانون المعمول به حالياً في عام 1959، خصوصاً بعد المطالبة بتعديله من قبل نوّاب من كتل سنيّة وشيعية في البرلمان.

من جهتها، تفنّد الناشطة الحقوقية أنسام البدري لـ"ارفع صوتك" أسباب تعرّض النساء العراقيات المتحررات اللواتي ينادين بحقوق الإنسان وحقوق المرأة، دائماً لحملات ممنهجة من قبل جهات نافذة وأصحاب أموال، وذلك ببساطة "بسبب وقوفنا في وجه مواقفهم وتصرفاتهم ضد النساء وحقوقهن في بلدنا" بحسب تعبيرها.

تعطي البدري مثالاً على ذلك "محاولتهم الأخيرة تعديل قانون الأحوال الشخصية الحالي الذي يعتبر من القوانين الرصينة، وأحد المكاسب القليلة للمرأة في العراق، وهو من أفضل القوانين في المنطقة".

وتبيّن: "على خلفية موقفنا من هذه التعديلات تعرضتُ على الصعيد الشخصي لحملات تسقيط شبيهة للتي تعرضت لها المحامية قمر السامرائي، وشاركتْ فيها للأسف إحدى النائبات التابعات لأحد الأحزاب الداعمة للتعديلات على القانون، بسبب معارضتي لتعديل المادة ٥٧ من قانون الأحوال الشخصية المتعلقة بالحضانة".

"هذه الحملات صعبة جداً على الصعيد النفسي وآثارها مدمرة"، تقول البدري، والسبب أنه "يصعب التعامل معها بسهولة خصوصا إذا أتت من حسابات وهمية".

الأمر بالنسبة للنساء في العراق لا ينتهي بانتهاء موجة التشويه و"التسقيط"، إذ يبقى أثرها يلاحقهن. 

تقول البدري "المجتمع محافظ ويرفض التغيير ويواجه أي آراء فيها شحنات من الحرية بالتنمر على أشكال أو ملابس او تبرّج الناشطات والدخول في حياتهن الشخصية، وليس هناك سند أو دعم لهن في مواجهة هذه الحملات".

وتؤكد غياب أي آلية قانونية تحمي حق الناشطات في التعبير عن آرائهن بحرية، وملاحقة من يتعرضون لهنّ عبر هذه الحملات، موضحةً "ليس هناك أي قوانين تحمي المدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان، لكننا بدأنا التأقلم مع هذا النوع من الحملات، ونتوقع ردود الفعل بعد أي ظهور إعلامي نقوم به في قضايا تتعلق بحرية النساء أو حقوق الإنسان".

في ختام حديثها، تؤكد خلف "هم يريدون بهذه الحملات أن يسكتونا، لكن لن نسمح لهم بذلك".