أقر البرلمان المغربي مدونة الأسرة عام 2004 بعد مداولات ماراثونية، وتعديل مستمر لنصوصها، انقسم معه الشارع المغربي بين مؤيد ومعارض.
أقر البرلمان المغربي مدونة الأسرة عام 2004 بعد مداولات ماراثونية، وتعديل مستمر لنصوصها، انقسم معه الشارع المغربي بين مؤيد ومعارض.

فتح خطاب العاهل المغربي الملك محمد السادس، في 30 يوليو الماضي، النقاش مجددا حول ضرورة مراجعة مضامين مدونة الأسرة (قانون الأحوال الشخصية) في المغرب، ومعالجة الثغرات التي تضمنتها بنودها بعد حوالي 18 عاما من التطبيق. 

وأقر البرلمان المغربي مدونة الأسرة عام 2004 بعد مداولات ماراثونية، وتعديل مستمر لنصوصها، انقسم معه الشارع المغربي بين مؤيد ومعارض.

ورغم أن المدونة اعتبرت حينها ثورة حقوقية ومكسبا قانونيا للنساء في المغرب، إلا أن عقدين من الزمن كشفا اختلالات كثيرة في التطبيق وتحايلات أمام القضاء وتضاربا في تفسير بعض بنود المدونة.

 

جدل متجدد

 

لازال النقاش على مواقع التواصل الاجتماعي وصفحات الجرائد محتدما حول المراجعة المرتقبة لمضامين مدونة الأسرة، أججته تصريحات لوزير العدل المغربي عبد اللطيف وهبي حينما اعتبر دعوى عدم أهلية المرأة للشهادة في عقود الزواج "حديثا فارغا".

ورأى التيار الإسلامي المحافظ في تصريح وهبي مخالفة صريحة لنصوص الشريعة، ودشن مؤيدوه وسوما على المنصات الرقمية تهاجم الوزير وتطالبه بالاعتذار.

من جانبها، باشرت وزارة العدل منذ خطاب الملك في يوليو الماضي سلسلة من الإجراءات لتقييم نصوص مدونة الأسرة، منها عقد اجتماعات مكثفة وإعداد وثيقة مرجعية، وتنظيم ندوة وطنية بشراكة مع هيئة الأمم المتحدة تحت عنوان "المساواة والعدل في الأسرة المغربية"، شارك فيها المجلس الأعلى للسلطة القضائية، ورئاسة النيابة العامة في المغرب، والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، والمجلس الوطني لحقوق الإنسان، وممثلة هيئة الأمم المتحدة للمساواة بين الجنسين، وممثلة المرصد الوطني للتنمية البشرية.

وجمعت وزارة العدل التوصيات الصادرة عن التظاهرات واللقاءات المخصصة لمناقشة مدونة الأسرة، وتم كذلك استقصاء آراء بعض الجمعيات النسائية والحقوقية.

ويشكل زواج القاصرات، والمساواة في الإرث، وإلغاء التعصيب، ونَسبُ الأطفال الناتجين عن علاقة خارج الزواج، والولاية على الأطفال، والقوامة أهم القضايا الإشكالية في مدونة الأسرة.

ويطالب التيار الحداثي، المكون من الأحزاب الليبرالية واليسارية والجمعيات والفعاليات النسوية، بمراجعة جذرية لبنود المدونة، ويعتبر صيغتها الحالية "متجاوزة" لا تلبي تطلعات المرأة المغربية، إلى جانب ما عرفه تطبيقها في المحاكم من تحايل وصل حد التعطيل، فنسب زواج القاصرات ما زالت مرتفعة، كما ارتفعت نسب الطلاق، وأعداد الأطفال المتخلى عنهم.

وتطالب الجمعيات النسوية بسن قانون مدني ينسجم مع ما وقَّع عليه المغرب من المعاهدات الدولية الرامية إلى إنهاء كافة أشكال التمييز ضد المرأة.

وكمقترح لإنهاء زواج القاصرات، دعت أصوات سياسية وحقوقية إلى تجريم هذا الزواج، ومتابعة المتورطين فيه وفق مقتضيات القانون الجنائي، كما دعت إلى تفعيل البنوة الجينية واعتماد الخبرة الطبية في إلحاق الأبناء بآبائهم ومنحهم نسبهم، لأن نصوص المدونة المعمول بها حاليا لا تعترف بنسب الأطفال خارج إطار الزواج.

 

تعديل أم تغيير

 

رغم أن مدونة الأسرة جرى التصويت عليها في البرلمان المغربي في 2004، في هي خطوة رأى فيها الكثيرون رفعا لطابع القداسة عن بنودها، إلا أن التيار المحافظ المكون من أحزاب وجمعيات إسلامية وشيوخ ذوي اتجاهات سلفية يعتبر الكثير من بنودها ذات الطبيعة المحافظة غير قابلة للنقاش لأنها مستمدة من نصوص الكتاب والسنة وآراء فقهاء المالكية.

وتعتبر المادة 400 في المدونة مادة إشكالية، لازال النقاش الحداثي الإسلامي حولها قائما. وتحيل المادة إلى الفقه المالكي واجتهاد القضاة للحسم في القضايا التي لم يرد بخصوصها نص واضح في المدونة.

التيار الليبرالي واليساري يعتبر أن هذه المادة تفتح الباب أمام كثير من التجاوزات والأحكام الجائرة بحق المرأة، وصلت حد الزعم بأن المادة شرعنت الاغتصاب في حالات كثيرة. في المقابل، يريد التيار المحافظ الإبقاء على المادة لأنها تكرس مركزية النص الديني في المدونة.

وإلى جانب المادة 400، يمثل "التعصيب" أيضا قضية إشكالية داخل المدونة. وطالب حقوقيون عبر عرائض ونداءات متكررة بإلغاء التعصيب في الإرث لأنه يلحق حيفا بالنساء، ويهدر حقوقهن المالية، كما أنه لم يأت دليل قطعي على وجوب العمل به وأنه مجرد مسألة اجتهادية.

ويعني التعصيب أن الإناث إذا كن الوارثات الوحيدات فيجب تقسيم الإرث بينهن وبين أقاربهن البعيدين (مثل العم أو أبناء العم). ويجادل المحافظون بكون التعصيب مسألة محسومة شرعا و"محل إجماع بين أهل العلم" وبالتالي لا يجوز المساس به أو إلغاؤه.

 

عمل المرأة

 

الجدل حول بنود مدونة الأسرة، والقضايا المرتبطة بها مثل ارتفاع نسب الطلاق في المغرب (800 حالة كل يوم)، فتح نقاشات جانبية أخرى عن أدوار المرأة في المجتمع.

في هذا السياق، دشن بعض رواد مواقع التواصل الاجتماعي "حملة إلكترونية" تدعو إلى "عدم الزواج بالمرأة الموظفة"، معتبرين أن ارتفاع نسب الطلاق والتفكك الأسري وتفشي البطالة و"العنوسة" تعود كلها إلى "خروج المرأة إلى العمل"، على حد قولهم.

وتزعم اليوتوبر إلياس الخريسي الحملة، وأسس مجموعة على فيسبوك حصدت عشرات الآلاف من المتابعين في غضون ساعات قليلة قبل أن يتم حظرها.

إسلاميون رأوا اعتبروا الحملة مجرد تعبير عن آراء شخصية، معتبرين أن الدعوة إلى الامتناع عن الزواج بالمرأة الموظفة ليس "توجها شرعيا" وإنما قناعات تختلف من شخص إلى آخر.

وكتب موقع "هوية بريس" المحافظ في هذا الإطار أن من الخطأ "أخذ موقف حاسم من الزواج بالموظفة يتجاوز الشأن الفردي، ونعطيه طابع العموم، لأن لا الشرع ولا العقل والعادة لها موقف صارم في المسألة، وذلك لكون الأمر تعتريه حالات الحاجة والضرورة".

 وأضاف إبراهيم الطالب، كاتب المقال، أن "الإسلام لم يحرم عمل المرأة ولم يندب إليه، بل نجد القرار في البيت هو رأي الفقهاء وما كان عليه العمل، وترك الشرع الأمر مباحا للحاجة والضرورة، توسعة على الناس ورحمة بهم".

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

من تظاهرة احتجاجية في العاصمة العراقية بغداد حول تعديلات مقترحة على قانون الأحوال الشخصية
من تظاهرة احتجاجية في العاصمة العراقية بغداد حول تعديلات مقترحة على قانون الأحوال الشخصية- تعبيرية

جدلٌ كبير يعيشه العراق في الأيام الأخيرة بسبب مناقشة البرلمان حزمة تعديلات مقترحة على قانون الأحوال الشخصية (رقم 188 لسنة 1959)، الذي صدر خلال عهد رئيس الوزراء عبد الكريم قاسم، لصالح تنظيم الشؤون الأسرية لجميع العراقيين دون تصنيف طائفي.

وينصُّ القانون المعمول به حالياً أن أهلية الزواج تتطلب أن يكون السن 18 عاماً، لكن 15 عاماً تكون مقبولة أيضاً في حال توافر "البلوغ الشرعي والقابلية البدنية" بشرط الحصول على إذن قضائي مسبق.

يتخوّف معارضو التعديلات من أن تؤدي إلى تخفيض سن زواج النساء أكثر ويُحرمهن من المكتسبات التي حظين بها في ظِل القانون الحالي الذي لطالما نُظر له كأحد أكثر قوانين الأحوال الشخصية العربية تقدماً عند إقراره.

في هذا التقرير، نتعرف إلى أبرز ما يخص السن القانوني للزواج في مختلف الدول العربية.

Iraqis Shiite Muslim worshippers gather outside the of Imam Moussa al-Kadhim shrine, who died at the end of the eighth century,…
كان "سابقاً لعصره".. خلفيات إقرار قانون الأحوال الشخصية العراقي 1959
أعاد النقاش حول قانون الأحوال الشخصية في العراق إلى الواجهة، الظروف الاجتماعية والسياسية التي أدت إلى صدور القانون المعمول به حالياً في عام 1959، خصوصاً بعد المطالبة بتعديله من قبل نوّاب من كتل سنيّة وشيعية في البرلمان.

مصر: 18 عاماً

في عام 2008 صدر القانون (رقم 126) الذي عدّل بعض أحكام قانون الطفل الصادر 1996 واعتبر كل مَن هم دون 18 عاماً، أطفالاً لا يحقُّ لهم الزواج بأمر القانون.

بموجبه، أُجري تعديل على القانون (143 لسنة 1994) بشأن الأحوال المدنية، وأضيفت له المادة (31 مكرر) التي نصَّت: "لا يجوز مباشرة عقد الزواج أو المصادقة على زواج ما لم يكن سن الزوجين ثماني عشرة سنة وقت العقد".

كما أقرّ القانون عقوبة تأديبية بحقّ من يوثّق عقد زواج بالمخالفة لهذه المادة.

في 2014 أُقر الدستور الجديد، واعتبرت المادة (80) منه، أن كل "مَن لم يبلغ الـ18 من عُمره" يعدُّ طفلاً تلتزم الدولة برعايته وحمايته من الاستغلال الجنسي"، ليُرسّخ التعديل الوضع القانوني الذي لا يسمح لمَن هم دون 18 عاماً بالزواج، سواءً كانوا من الذكور أو الإناث دون استثناء.

وفي منتصف العام الماضي شهدت جلسات "الحوار الوطني" التي تلتقي فيها عدة قوى سياسية مختلفة للتباحث بشأن عدة ملفات اجتماعية، مطالبات برفع سِن الزواج إلى 21 عاماً، وهو ما بقي في حيّز النقاش ولم يتحوّل إلى واقع قانوني حتى اللحظة.

الأردن: قد تصل إلى 16 عاماً

بموجب القانون (رقم 15 لسنة 2019) فإن "أهلية الزواج" تبدأ من عُمر 18 سنة لكلا الطرفين، حسبما نصّت المادة (10) منه.

مع ذلك، فإن نفس المادة سمحت بالزواج للذكر أو الأنثى في سن الـ16 بشرط "توفر الرضا والاختيار" والحصول على إذن من "قاضي القضاة" إذا رأى أن في هذا الزواج "ضرورة تقتضيها المصلحة".

بجانب هذه المادة فإن القانون الأردن نصَّ على مادة فريدة في قوانين العقوبات بالبلاد العربية وهي عدم السماح بإقرار الزواج إذا زاد فارق العُمر بين الرجل والمرأة عن 20 عاماً إلا بعرض الأمر على قاضٍ يتحقق من المرأة مباشرة برغبتها في عقد هذه الزيجة.

سوريا: 18 عاماً ولكن

تنصُّ المادة (16) من التعديلات التي أجريت عام 2019 على قانون الأحوال الشخصية السوري (59 الصادر عام 1953) -مناطق النظام- على أن "أهلية الزواج تكمل في الفتى والفتاة ببلوغ الثامنة عشرة من العمر".

رفع هذا التعديل سن تزويج الفتيات من 17 سنة بحسب القانون القديم إلى 18 سنة.

رغم وجود هذه المادة، اعتبرت المحامية المتخصصة في الدفاع عن حقوق النساء دعد موسى في بحثها "قوانين الأحوال الشخصية في سوريا"، أن جميع قوانين الأحوال الشخصية في سوريا "أباحت زواج الأطفال".

سبب ذلك، بحسب موسى "ثغرة في القانون سمحت بتزويج المراهقين أقل من السن القانوني إذا ادّعوا البلوغ وتبيّن أن جسدهم يحتمل تجربة الزواج، يُمكنه الإقدام عليها بشرط موافقة ولي الأمر".

تتجلّى هذه الثغرة في المادة (18) التي نصّت على أنه يُمكن للمراهق دون سن 18 عاماً الزواج وهو في سن 15 -للذكور أو الإناث- إذا "ادّعى البلوغ" عبر تقديم طلب يفحصه قاضٍ ويأذن بالزواج إذ تبين له "صِدق الدعوى واحتمال الجسم".

هذه المادة شهدت رفع سن "التزويج المشروط" الخاص بالفتيات من 13 عاماً بحسب قانون (عام 1953) إلى 15 عاماً وفق التعديل الأخير.

تعلّق دعيد، أن "وجود مثل هذه المواد القانونية يُعطي الفرصة لتزويج الفتيات الصغيرات من قِبَل الأولياء".

المغرب: إذا وافق القاضي

منذ عام 1958 خضع المغاربة لقانون الأحوال الشخصية التي سمح للرجال بتعدد الزوجات دون اشتراط موافقة الزوجة الحالية، وقيّد من حق المرأة للطلاق، كما نصَّ على أن الحد الأدنى لسن زواج النساء 15 عاماً.

في 2004 تبنّت المملكة حزمة تعديلات على هذا القانون بحيث رفعت سن زواج النساء من 15 إلى 18 عاماً.

رغم ذلك، فإن المادة (20) من القانون سمحت بزواج الفتى أو الفتاة "دون سن الأهلية" دون اشتراط حد أدنى مثل المنصوص عليه في قوانين عربية أخرى.

ونصّت المادة (21) على أن "زواج القاصر لا يُعتد به إلا بناءً على موافقة واضحة من نائبه الشرعي، وحال عدم موافقته فإن قاضي محكمة الأسرة الذي ستُعرض عليه حيثيات هذه الزيجة سيكون له الحق في إقرارها من عدمه".

الكويت: 15 عاماً

عام 1984 أقرّت الكويت قانون الأحوال الشخصية الذي خضع للتعديل ثلاث مرات في السنوات: 1996 و2004 و2007.

لم تغيّر هذه التعديلات من سن الزواج الذي حدّدته المادة (26) من القانون بـ15 عاماً للفتاة و17 عاماً للذكر. فيما نصّت المادة (36) على حق المرأة في الاقتران بمَن "يُناسبها في السن" دون أن تُقرّ لذلك ترتيبات ومعايير واضحة.

تعارضت المادة (26 )مع قانون 2015 الذي عرّف الطفل بأنه كل "مَن لم يتجاوز عُمره 18 عاماً"، بالتالي فإنه وفقاً لهذه المادة فإن قانون الأحوال الشخصية الكويتي يسمح بتزويج الأطفال بحسب تعريف قانون الطفل الكويتي أيضاً، ما يخلق إشكالية قانونية لم تُحل حتى الآن.

قطر: غير محدد

نصّت المادة 17 من القانون (22 لسنة 2006) من قانون الأحوال الشخصية على أن العُمر اللازم لقبول توثيق عقد الزواج هو إتمام الذكر 18 عاماً والأنثى 16 عاماً.

المادة ذاتها أكدت أنه يُمكن غضُّ النظر عن هذه الأعمار والسماح بالزواج لمَن هم أقل من ذلك بشكلٍ مفتوح لم يُحدد له حد أدنى حال توافر 3 شروط، هي: موافقة الولي، رضاء طرفي العقد، إذن من القاضي.