فتح خطاب العاهل المغربي الملك محمد السادس، في 30 يوليو الماضي، النقاش مجددا حول ضرورة مراجعة مضامين مدونة الأسرة (قانون الأحوال الشخصية) في المغرب، ومعالجة الثغرات التي تضمنتها بنودها بعد حوالي 18 عاما من التطبيق.
وأقر البرلمان المغربي مدونة الأسرة عام 2004 بعد مداولات ماراثونية، وتعديل مستمر لنصوصها، انقسم معه الشارع المغربي بين مؤيد ومعارض.
ورغم أن المدونة اعتبرت حينها ثورة حقوقية ومكسبا قانونيا للنساء في المغرب، إلا أن عقدين من الزمن كشفا اختلالات كثيرة في التطبيق وتحايلات أمام القضاء وتضاربا في تفسير بعض بنود المدونة.
جدل متجدد
لازال النقاش على مواقع التواصل الاجتماعي وصفحات الجرائد محتدما حول المراجعة المرتقبة لمضامين مدونة الأسرة، أججته تصريحات لوزير العدل المغربي عبد اللطيف وهبي حينما اعتبر دعوى عدم أهلية المرأة للشهادة في عقود الزواج "حديثا فارغا".
ورأى التيار الإسلامي المحافظ في تصريح وهبي مخالفة صريحة لنصوص الشريعة، ودشن مؤيدوه وسوما على المنصات الرقمية تهاجم الوزير وتطالبه بالاعتذار.
تحذير هام وخطير جدا:
— الحسن بن علي الكتاني (@hassan_kettani) January 18, 2023
وزير العدل يقول إن موضوع شهادة المرأة قد حسم.
وأنتم يا معشر المسلمين بعلمائكم ورجالكم ونسائكم هل تقبلون أن ينسخ وزير كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإجماع المسلمين؟؟؟؟؟
من جانبها، باشرت وزارة العدل منذ خطاب الملك في يوليو الماضي سلسلة من الإجراءات لتقييم نصوص مدونة الأسرة، منها عقد اجتماعات مكثفة وإعداد وثيقة مرجعية، وتنظيم ندوة وطنية بشراكة مع هيئة الأمم المتحدة تحت عنوان "المساواة والعدل في الأسرة المغربية"، شارك فيها المجلس الأعلى للسلطة القضائية، ورئاسة النيابة العامة في المغرب، والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، والمجلس الوطني لحقوق الإنسان، وممثلة هيئة الأمم المتحدة للمساواة بين الجنسين، وممثلة المرصد الوطني للتنمية البشرية.
وجمعت وزارة العدل التوصيات الصادرة عن التظاهرات واللقاءات المخصصة لمناقشة مدونة الأسرة، وتم كذلك استقصاء آراء بعض الجمعيات النسائية والحقوقية.
ويشكل زواج القاصرات، والمساواة في الإرث، وإلغاء التعصيب، ونَسبُ الأطفال الناتجين عن علاقة خارج الزواج، والولاية على الأطفال، والقوامة أهم القضايا الإشكالية في مدونة الأسرة.
ويطالب التيار الحداثي، المكون من الأحزاب الليبرالية واليسارية والجمعيات والفعاليات النسوية، بمراجعة جذرية لبنود المدونة، ويعتبر صيغتها الحالية "متجاوزة" لا تلبي تطلعات المرأة المغربية، إلى جانب ما عرفه تطبيقها في المحاكم من تحايل وصل حد التعطيل، فنسب زواج القاصرات ما زالت مرتفعة، كما ارتفعت نسب الطلاق، وأعداد الأطفال المتخلى عنهم.
وتطالب الجمعيات النسوية بسن قانون مدني ينسجم مع ما وقَّع عليه المغرب من المعاهدات الدولية الرامية إلى إنهاء كافة أشكال التمييز ضد المرأة.
وكمقترح لإنهاء زواج القاصرات، دعت أصوات سياسية وحقوقية إلى تجريم هذا الزواج، ومتابعة المتورطين فيه وفق مقتضيات القانون الجنائي، كما دعت إلى تفعيل البنوة الجينية واعتماد الخبرة الطبية في إلحاق الأبناء بآبائهم ومنحهم نسبهم، لأن نصوص المدونة المعمول بها حاليا لا تعترف بنسب الأطفال خارج إطار الزواج.
تعديل أم تغيير
رغم أن مدونة الأسرة جرى التصويت عليها في البرلمان المغربي في 2004، في هي خطوة رأى فيها الكثيرون رفعا لطابع القداسة عن بنودها، إلا أن التيار المحافظ المكون من أحزاب وجمعيات إسلامية وشيوخ ذوي اتجاهات سلفية يعتبر الكثير من بنودها ذات الطبيعة المحافظة غير قابلة للنقاش لأنها مستمدة من نصوص الكتاب والسنة وآراء فقهاء المالكية.
وتعتبر المادة 400 في المدونة مادة إشكالية، لازال النقاش الحداثي الإسلامي حولها قائما. وتحيل المادة إلى الفقه المالكي واجتهاد القضاة للحسم في القضايا التي لم يرد بخصوصها نص واضح في المدونة.
التيار الليبرالي واليساري يعتبر أن هذه المادة تفتح الباب أمام كثير من التجاوزات والأحكام الجائرة بحق المرأة، وصلت حد الزعم بأن المادة شرعنت الاغتصاب في حالات كثيرة. في المقابل، يريد التيار المحافظ الإبقاء على المادة لأنها تكرس مركزية النص الديني في المدونة.
وإلى جانب المادة 400، يمثل "التعصيب" أيضا قضية إشكالية داخل المدونة. وطالب حقوقيون عبر عرائض ونداءات متكررة بإلغاء التعصيب في الإرث لأنه يلحق حيفا بالنساء، ويهدر حقوقهن المالية، كما أنه لم يأت دليل قطعي على وجوب العمل به وأنه مجرد مسألة اجتهادية.
ويعني التعصيب أن الإناث إذا كن الوارثات الوحيدات فيجب تقسيم الإرث بينهن وبين أقاربهن البعيدين (مثل العم أو أبناء العم). ويجادل المحافظون بكون التعصيب مسألة محسومة شرعا و"محل إجماع بين أهل العلم" وبالتالي لا يجوز المساس به أو إلغاؤه.
عمل المرأة
الجدل حول بنود مدونة الأسرة، والقضايا المرتبطة بها مثل ارتفاع نسب الطلاق في المغرب (800 حالة كل يوم)، فتح نقاشات جانبية أخرى عن أدوار المرأة في المجتمع.
في هذا السياق، دشن بعض رواد مواقع التواصل الاجتماعي "حملة إلكترونية" تدعو إلى "عدم الزواج بالمرأة الموظفة"، معتبرين أن ارتفاع نسب الطلاق والتفكك الأسري وتفشي البطالة و"العنوسة" تعود كلها إلى "خروج المرأة إلى العمل"، على حد قولهم.
وتزعم اليوتوبر إلياس الخريسي الحملة، وأسس مجموعة على فيسبوك حصدت عشرات الآلاف من المتابعين في غضون ساعات قليلة قبل أن يتم حظرها.
إسلاميون رأوا اعتبروا الحملة مجرد تعبير عن آراء شخصية، معتبرين أن الدعوة إلى الامتناع عن الزواج بالمرأة الموظفة ليس "توجها شرعيا" وإنما قناعات تختلف من شخص إلى آخر.
وكتب موقع "هوية بريس" المحافظ في هذا الإطار أن من الخطأ "أخذ موقف حاسم من الزواج بالموظفة يتجاوز الشأن الفردي، ونعطيه طابع العموم، لأن لا الشرع ولا العقل والعادة لها موقف صارم في المسألة، وذلك لكون الأمر تعتريه حالات الحاجة والضرورة".
وأضاف إبراهيم الطالب، كاتب المقال، أن "الإسلام لم يحرم عمل المرأة ولم يندب إليه، بل نجد القرار في البيت هو رأي الفقهاء وما كان عليه العمل، وترك الشرع الأمر مباحا للحاجة والضرورة، توسعة على الناس ورحمة بهم".
