تشهد مصر لوحدها 900 ألف حالة طلاق سنوياً، حسب إحصائيات حكومية رسمية.
تشهد مصر لوحدها 900 ألف حالة طلاق سنوياً، حسب إحصائيات حكومية رسمية.

يدور النقاش مرة أخرى حول مسألة الطلاق الشفوي بالتزامن مع الإعلان عن صدور مسودة قانون الأحوال الشخصية الجديد بمصر.

بدأت حالة الجدل المُثار حول تلك المسألة في يناير سنة 2017. دعا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وقتها إلى إصدار قانون ينظم حالات الطلاق الشفوي، بعد ارتفاع معدلات الانفصال خلال الفترة الأخيرة، والتي بلغت وفقاً لتقارير الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء 900 ألف حالة سنوياً، 40% منهم ينفصلون بعد مرور 5 سنوات من الزواج.

بيّن السيسي "أن إصدار قانون ينظم حالات الطلاق الشفوي من شأنه أن يعطي الفرصة للأزواج إلى مراجعة قرار الانفصال". لكن مؤسسة الأزهر رفضت تقييد الطلاق الشفوي وعدّته حقاً شرعياً للرجل لا يجوز تعطيله بأي حال من الأحوال.

ما هو الطلاق الشفوي؟ وكيف يُطبق بحسب التقاليد الفقهية؟ وما هي الاجتهادات الفقهية التي قيدت حق الرجل في الطلاق الشفوي عبر القرون؟ وكيف انعكس كل ذلك على المدونات القانونية في الدول العربية؟

العراق يسجل آلاف حالات الطلاق شهريا
الزواج والطلاق في الدول العربية.. أرقام تدق ناقوس الخطر
تشهد العديد من الدول العربية معدلات طلاق مرتفعة مقارنة بعقود الزواج، مما دفع الكثير من الخبراء والأكاديميين إلى دق ناقوس الخطر، مطالبين باتخاذ المزيد من الإجراءات والاحتياطات الضرورية للحفاظ على دور الأسرة في المجتمع، ومنع نشوء أجيال تعاني العديد من الأمراض الاجتماعية والأزمات النفسية.
 
 

الشكل التقليدي للطلاق في الفقه الإسلامي

 

شجع الإسلام على الحفاظ على الزواج كرباط مقدس بين الزوجين قدر المُستطاع. يقول الحديث: "أبغض الحلال إلى الله الطلاق". رغم ذلك، منح الفقه الإسلامي التقليدي الرجل حق طلاق زوجته وقت ما أراد، ولم يلزمه بتبيان الأسباب التي دعته لذلك الفعل. وصار من المُتعارف عليه عند جماهير الفقهاء أن نطق الرجل لكلمة الطلاق يؤدي إلى وقوع الطلاق بشكل فعلي بغض النظر عن الظروف التي قيلت فيها تلك الكلمة، وذلك اعتماداً على ما ورد في سنن الترمذي عن النبي "ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: النكاح والطلاق والرجعة".

وقد اتفق الكثير من العلماء السنة عبر القرون وإلى اليوم على وقوع الطلاق الشفوي. في ذلك المعنى، جاء بيان هيئة كبار العلماء في الأزهر بمصر سنة 2017، حيث يقول: "وقوع الطلاق الشفوي المستوفي أركانه وشروطه، والصادر من الزوج عن أهلية وإرادة واعية وبالألفاظ الشرعية الدالة على الطلاق، هو ما استقر عليه المسلمون منذ عهد النبي وحتى يومنا هذا، دونَ اشتراط إشهاد أو توثيق".

 

اجتهادات فقهية معارضة

 

على الرغم من إصرار الفقه التقليدي على وقوع الطلاق الشفوي، إلا أن بعض الفقهاء المعتبرين كان لهم رأي آخر في تلك المسألة. على سبيل المثال أجمع فقهاء الشيعة على ضرورة وجود شاهدين عدلين وقت الطلاق استناداً لما ورد في الآية الثانية من سورة الطلاق "فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ". يقول شيخ الطائفة أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي في كتابه "الخلاف" موضحاً ذلك الرأي: "...كل طلاق لم يحضره شاهدان مسلمان عدلان -وإن تكاملت سائر الشروط- فإنه لا يقع".

في الحقيقة، لم يقتصر الإلزام بالشهادة في الطلاق على الشيعة وحدهم. يذكر الفقيه المصري السيد سابق في كتابه "فقه السنة" أن عددا من الصحابة، مثل عمران بن حصين، والتابعين، مثل عطاء بن أبي رباح وابن جريج وابن سيرين، ذهبوا إلى وجوب الإشهاد واشتراطه لصحة الطلاق.

في السياق نفسه، تذكر الكتب الفقهية أن الإلزام بالإشهاد عند الطلاق كان أحد الأقوال المعروفة في المذهب الشافعي. وورد في كتاب "المُحلى" أيضا أن ابن حزم (المذهب الظاهري) اختار هذا الرأي، إذ قال: "...قرن عز وجل بين المراجعة والطلاق والإشهاد، فلا يجوز إفراد ذلك عن بعض، وكان من طلق ولم يشهد ذوي العدل، أو راجع ولم يشهد ذوي العدل متعدياً لحدود الله تعالى".

حظي القول بضرورة توثيق الطلاق بدعم الكثير من الفقهاء المعتبرين في العصر الحديث كذلك. على سبيل المثال، يقول محمد أبو زهرة في كتابه الأحوال الشخصية: "لو كان لنا أن نختار للمعمول به في مصر لاخترنا ذلك الرأي، فيشترط لوقوع الطلاق حضور شاهدين عدلين، يمكنهما مراجعة الزوجين فيضيِّقان الدائرة، ولكيلا يكون الزوج فريسة لهواه، ولكي يمكن إثباته في المستقبل فلا تجري فيه المشاحة، وينكره المطلِّق إن لم يكن له دين. والمرأة على علم به، ولا تستطيع إثباته، فتكون في حرج ديني شديد".

الرأي نفسه ذهب إليه الشيخ التونسي محمد الطاهر بن عاشور في كتاب "التحرير والتنوير". يقول عند تفسيره للآية الثانية من سورة الطلاق: "ظاهر صيغة الأمر: الدلالة على الوجوب، فيتركب من هذين أن يكون الإشهاد على المراجعة وعلى بت الطلاق واجباً على الأزواج، لأن الإشهاد يرفع أشكالاً من النوازل".

وأيضاً، أيد المُحدث السلفي محمد ناصر الدين الألباني هذا الرأي في أشرطته المسماة بـ"سلسلة الهدى والنور". يقول الألباني: "العقل والنظر السليم يؤيد أن يشترط فيه -أي الطلاق- الإشهاد، ومعنى ذلك أن إنساناً ما قرر وعزم على الطلاق، ولكن هذا الطلاق وضع له الشارع الحكيم شروطاً، وهذه الشروط هي في الواقع كالعرقلة لمنع وقوع هذا الطلاق، لأن الطلاق يترتب من وراءه هدم الأسرة، فقال أن السُّنّـة الإشهاد، فكأن الشارع الحكيم يقول للمطلق: لو عزمت على الطلاق وأردت تنفيذه فائت بشاهدين، كما إذا أردت أن تنكح فخذ الولي وائت بشاهدين، وإلا فلا نكاح لك".

 

في المدونات القانونية

 

تنص الكثير من المدونات القانونية المعمول بها في الدول العربية على ضرورة توثيق الطلاق في المحكمة، وعلى عدم اعتبارية الطلاق الشفوي.

في العراق، جاء في المادة التاسعة والثلاثين من قانون الأحوال الشخصية العراقي رقم 188 لسنة 1959: "على من أراد الطلاق أن يقيم الدعوى في المحكمة الشرعية بطلب إيقاعه واستحصال حكم به. فإذا تعذر عليه مراجعة المحكمة وجب عليه تسجيل الطلاق في المحكمة خلال مدة العدة".

يوضح الباحث حيدر حسين كاظم الشمري في دراسته "المعالجات التشريعية للحد من ظاهرة الطلاق في العراق" أن معظم حالات الطلاق في العراق لا تُنفذ بنفس الطريقة التي ورد النص عليها في المادة القانونية، "فقد يكون إيقاع الطلاق خارجياً، أي عن طريق رجل الدين ومن ثم يتم تصديق الطلاق أمام المحكمة سواء أثناء العدة أم بعدها، وسواء أكان المدعي هو الزوج أم الزوجة. وهذه أكثر الحالات شيوعاً في العراق".

في تونس، تم تعطيل الطلاق الشفوي بشكل قاطع. نص الفصل الثلاثون من مجلة الأحوال الشخصية التونسية سنة 1957م على أنه "لا يقع الطلاق إلاّ لدى المحكمة". ووضعت المجلة مجموعة من الضوابط التي يجب الرجوع إليها قُبيل الطلاق، إذ يجب أن "يختار رئيس المحكمة قاضي الأسرة من بين وكلائه. ولا يحكم بالطلاق إلاّ بعد أن يبذل قاضي الأسرة جهداً في محاولة الصلح بين الزوجين ويعجز عن ذلك. وإذا لم يحضر المدعى عليه ولم يبلغ الاستدعاء لشخصه، فإن قاضي الأسرة يؤجل النظر في القضية ويستعين بمن يراه لاستدعاء المعني بالأمر شخصياً أو لمعرفة مقره الحقيقي واستدعائه منه. وعند وجود ابن قاصر أو أكثر تتكرر الجلسة الصلحية ثلاث مرات على أن تعقد الواحدة منها 30 يوماً بعد سابقتها على الأقل، ويبذل خلالها القاضي مزيداً من الجهد للتوصل إلى الصلح، ويستعين بمن يراه في ذلك".

الأمر ذاته نصت عليه المدونة القانونية المعمول بها في المغرب. جاء في المادتين 79 و114 من مدوّنة الأُسْرَة الصادرة في سنة 2004: "يجب على من يريد الطلاق أن يطلب الإذن من المحكمة بالإشهاد به لدى عدلين منتصبين لذلك، بدائرة نفوذ المحكمة التي يوجد بها بيت الزوجية، أو موطن الزوجة، أو محل إقامتها، أو التي أبرم فيها عقد الزواج حسب الترتيب. فبعد أن تحاول المحكمة الإصلاح بين الزوجين ما أمكن، فإذا تعذر الإصلاح، أذنت بالإشهاد على الطلاق وتوثيقه".

يختلف الوضع القانوني للمسألة في مصر. ورد في نص المادة الرابعة من قانون الأحوال الشخصية أن "الطلاق لا يقع إلا بالنية"، كما ذكرت المادة الخامسة من القانون أنه "على المطلق أن يوثق إشهاد طلاقه لدى الموثق المختص خلال ثلاثين يوماً من إيقاع الطلاق... وتُرتب أثار الطلاق من تاريخ إيقاعه إلا إذا أخفاه الزوج عن الزوجة، فلا تترتب أثاره من حيث الميراث والحقوق المالية الأخرى إلا من تاريخ علمها به".

يعني ذلك إمكانية وقوع التعارض بين الناحيتين الشرعية والقانونية في حالة أن قام الزوج بتطليق زوجته دون أن يوثق ذلك في المحكمة. وقتها، سيقع الطلاق بشكل شرعي وتصبح الزوجة مطلقة في حكم الشريعة الإسلامية. على الجهة المقابلة، ستبقى المرأة زوجة لطليقها من الناحية القانونية. الأمر الذي سيمنعها من الزواج مرة أخرى إن أرادت ذلك.

التفت المشرع المصري لتلك النقطة الإشكالية في قانون الأحوال الشخصية الجديد الذي يُناقش حالياً. تضمن القانون مواداً تنظم الطلاق الشفوي أو الرجعة الشفوية، حيث هناك نصوص منضبطة في هذا الشأن تلزم الزوج الذي يطلق زوجته شفوياً، أن يوثق هذا الطلاق عند مأذون أولاً ويخطر زوجته به، والأمر ينطبق على الرجعة الشفوية أيضاً في حالة أراد إرجاعها إلى عصمته مرة أخرى. وتسري أحكام هذا الطلاق الشفوي أو الرجعة الشفوية من وقت علم الزوجة، حيث إن هناك حالات كثيرة لبعض الأزواج يخفون تطليق زوجاتهم أو إرجاعه إليهم، ويتم اكتشاف ذلك في المحاكم.

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

Boxing - Women's 66kg - Quarterfinal
صورة من مباراة إيمان خليف في أولمبياد باريس، ترتدي اللون الأحمر- تعبيرية

46 ثانية فقط احتاجت إليها الملاكمة الجزائرية إيمان خليف لإجبار منافستها الإيطالية أنجيلا كاريني على الانسحاب خلال مبارتيهما معاً في أولمبياد باريس 2024.

الهزيمة السريعة للملاكمة الإيطالية فتحت باباً واسعاً من الجدل في الساحة الرياضية العالمية بسبب استدعاء الاتهامات القديمة لخليف بأنها ذكر متحوّل وليست أنثى، بالتالي لا يحقُّ لها خوض هذه التنافسات.

وتُلاحق التهمة الملاكمة الجزائرية منذ العام الماضي حين مُنعت من استكمال بطولة العالم للملاكمة النسائية بناءً على قرار الاتحاد الدولي للملاكمة، الأمر الذي تسبّب في أزمة كبرى بين اللجنة الأولمبية واتحاد الملاكمة بسبب الخلافات المتراكمة بينهما طيلة السنوات الماضية.

Boxing - Women's 66kg - Prelims - Round of 16
إيمان خليف.. الملاكمة الجزائرية في قلب جدل الجندر والرياضة
في مايو 2023 تسبب استبعاد خليف من خوض نهائي وزن 66 كيلوغراماً في بطولة العالم بالملاكمة التي أقيمت في نيودلهي، بغضب كبير عبر وسائل التواصل الاجتماعي في الجزائر. حينها برر الاتحاد الدولي استبعاد خليف بأنها "لا تستوفي معايير الأهلية"، دون أن يتطرق البيان إلى تفاصيل هذا الخرق بسبب التزام الاتحاد بالخصوصية الشخصية والطبية للرياضيين.

خلافات قديمة متجددة

منذ أولمبياد مكسيكو سيتي 1968 بدأت اللجنة الأولمبية في إخضاع نسبة من المتسابقات إلى اختبار تحديد الجنس شملت فحصاً بصرياً للأعضاء التناسلية للرياضيات من قِبَل لجنة طبية مختصة.

في عام 2000 قرّرت اللجنة الأولمبية التخلّي عن هذه المهمة لصالح الاتحادات الرياضية على أن يحدّد كل اتحاد قواعد الأهلية الجنسية الخاصة به. وبموجبه، تولى الإشراف الكامل على اللعبة وأيضاً وضع قواعد "اختبارات الأهلية الجنسية" الخاصة بمنافسات السيدات.

لسنوات عِدة عانَى اتحاد الملاكمة من مشكلات بعدما لاحقت رؤساءه اتهامات بالفساد والتلاعب بالمباريات. في 2017 اضطر التايواني تشينغ-كيو وو إلى الاستقالة بعدما لاحقته اتهامات بسوء إدارة موارد الاتحاد وتورط عشرات الحكام في التلاعب بنتائج المباريات.

قبيل هذه الاستقالة بأربع سنوات دخل تشينغ في منافسة مع الألماني توماس باخ على رئاسة اللجنة الأولمبية الدولية إلا أن المبارز الألماني السابق فاز في الانتخابات بسهولة ولا يزال رئيساً للجنة حتى اليوم.

بعد رحيل تشينغ تولّى غفور ريخموف رجل الأعمال الأوزبكي رئاسة الاتحاد وهو رجل وصفته وزارة الخارجية الأميركية بأنه على علاقة بـ"منظمات إجرامية عابرة للحدود". 

وفي 2019 خلَفه عمر كريمليف رجل الأعمال الروسي، الذي أعيد انتخابه في 2022 بعدما مُنع منافسه بوريس فان دير فورست رئيس الاتحاد الهولندي للملاكمة من الترشح، خطوة وصفتها لاحقاً محكمة التحكيم الرياضية بأنها "ظالمة"، رغم ذلك بقي كريمليف على رأس اتحاد الملاكمة.

طيلة هذه الفترة أعربت اللجنة الأولمبية الدولية عن مخاوف بشأن إدارة اتحاد الملاكمة للعبة بعدما أظهرت قلقاً من تزايد أخطاء الحكّام بشكل أثّر بشدة على نتائج المباريات، ومن اعتماده على شركة "غاز بروم" الروسية العملاقة كإحدى أهم مصادر تمويله، التي لعبت دوراً كبيراً في تسوية ديون الاتحاد، حيث فاقت 200 مليون دولار.

ورغم التوجيهات الأولمبية بمنع الرياضيين الروس من المشاركة في بطولاتها بعد غزو أوكرانيا، إلا أن اتحاد الملاكمة لم يستجب وسمح لهم بالتنافس في البطولات التي ينظمها. وبعدما بلغت الخلافات بين الطرفين ذروتها قرّرت اللجنة الأولمبية تعليق العمل مع هذا الاتحاد في 2019.

بطولة 2023: القشة التي قصمت الظهر

في يونيو 2023 وبينما بطولة العالم للملاكمة النسائية في نيودلهي، أعلن اتحاد الملاكمة بشكلٍ مفاجئ استبعاد الملاكمتين إيمان خليف والتايوانية يو-تينغ لين خلال التنافسات بدعوى رسوبهما في اختبارات "الأهلية الجنسية".

تضمّنت اختبارات اتحاد الملاكمة إخضاع الرياضيّات لاختبارات جينية "سرية" لم يحدد طبيعتها ولم يكن من بينها اختبارات تحديد مستوى هرمون التستوستيرون، وفي النهاية أعلن الاتحاد أن المُلاكمتين تملكان كروموسوم XY الذكوري في جسديهما بالتالي لا يحقُّ لهما المشاركة في منافسات النساء فجرى استبعادهما.

بحسب دراسة أجرتها جامعة "نورث إيسترن" الأميريكة، فإن مثل هذا النوع من الاختبارات "غير عادل" للرياضيّات لأنها لا تضع في اعتبارها مجموعة أكبر من العوامل التي تؤثر في النتائج مثل نسبة الهرمونات والأعضاء التناسلية الداخلية والخارجية وعدة خصائص جنسية ثانوية تحتاج إلى تحليلات منفصلة ومعقدة.

واعتبرت الدراسة أن الاختبار الذي خضعت له إيمان خليف ليس دقيقاً لأنه أهمل وضع الحالة الصحية للرياضيات في الاعتبار، فأي امرأة تعاني من تكيّس المبايض ستعتبرها النتيجة ذكراً، كما كشفت دراسات أخرى عن إناث يملكون بعض الصفات "الخنثوية" الطفيفة التي تُظهر وجود هذا الكروموسوم في عيناتهن رغم طبيعتهن الأنثوية.

انتقدت اللجنة الأولمبية هذا القرار ووصفته بـ"التعسفي" و"غير العادل". وبحسب بيان اللجنة فإن قرار الاستبعاد اتُخذ من قِبَل الأمين العام والرئيس التنفيذي لها ثم صادق عليه مجلس الإدارة بعد ذلك. 

من ناحيته رفض الاتحاد الكشف رسمياً عن طبيعة هذه الاختبارات؛ مَن أجراها؟ ومتى؟ ومَن قيّم النتائج؟ ومتى حصل المنظمون عليها؟ وكيف تأخّر الإعلان عنها بشكلٍ سمح للملاكمتين بالاستمرار في التنافس ببطولة العالم حتى مبارياتها النهائية؟

 أصرّت اللجنة الأولمبية على رفض هذه النتائج جملةً وتفصلاً لمجرد أن مَن قام بها اتحاد غير معترف به، فصرّح آدمز "لم يكن هناك أي اعتبار ما إذا كانت هذه الاختبارات صحيحة أم لا، لأن النتائج أتت من مصدر غير موثوق به".

مع تفاقم الخلافات سحبت اللجنة الأولمبية اعترافها باتحاد الملاكمة في 2023 بموافقة 69 صوتاً بها، وحينما لجأ الاتحاد إلى محكمة التحكيم الرياضية لإلغاء هذا القرار أنصفت اللجنة الأولمبية وأقرّت سحب الاعتراف بالاتحاد.

وكيلا تحرم اللجنة الأولمبية الملاكمين حول العالم من المشاركة في أولمبياد 2020 في طوكيو و2024 في باريس، أنشأت وحدة خاصة لإدارة رياضة الملاكمة وتنظيم مسابقات رياضييها بنفسها.

هذا الأمر لن يتكرر في أولمبياد لوس أنجلوس 2028 بعدما أعلنت اللجنة الأولمبية في أبريل الماضي أنها لن تسمح لرياضة الملاكمة بالتواجد في المحافل الأولمبية طالما بقي اتحادها عير معترف به وغير موثوق في قراراته.

طالبت اللجنة الأولمبية من الاتحادات المحلية للملاكمة التدخل في هذه الأزمة لاختيار اتحاد جديد يخضع للشروط الأولمبية المتعلقة بنزاهة المسابقات وشفافية التمويل وإلا لن يُرفع الحظر الأوليمبي عن اللعبة.

هذه الخطوة فتحت الباب واسعاً للإعلان عن ظهور تنظيمٍ جديد منشق عن الاتحاد الدولي للملاكمة شكّله ممثلون عن بريطانيا وألمانيا وهولندا والسويد، بهدف خلق كيان جديد يُدير لعبة الملاكمة بعيداً عن الاتحاد الرسمي الذي لم يعد يحظى بالاعتراف الأولمبي.

أولمبياد باريس

مع بدء منافسات الملاكمة في أولمبياد باريس 2024 سمحت اللجنة الأولمبية للملاكمتين الجزائرية والتايلاندية بالمشاركة، وحققت كلاهما نجاحاً متسارعاً وضمنتا ميدالية لبلديهما بعدما وصلت كلاهما للدور نصف النهائي، خطوات استدعت ردة فعل عنيفة من اتحاد الملاكمة ومن الاتحادات الرياضية التي تعرضت لاعباتها للخسارة.

وفي محاولة لإحراج اللجنة الأولمبية تعهّد اتحاد الملاكمة الدولي بتقديم مكافأة قدرها 50 ألف دولار للملاكمة الإيطالية لتعويضها عن خسارتها أمام نظيرتها الجزائرية.

من جانبها، حرصت اللجنة الأولمبية الدولية على الدفاع عن قرارها بالسماح لإيمان خليف بالمشاركة مؤكدة أن الملاكمة الجزائرية استوفت معايير "الأهلية الجنسية" الأولمبية.

في هذه الدورة طبّقت اللجنة القواعد التي سبق أن جرى العمل بها في أولمبياد 2016 و2021 ولا تتضمن إجراء اختبار بيولوجي للجنس، فلم تطوّر اللجنة الأولمبية قواعد "الأهلية الجنسية" الخاصة بها إلى ذلك مثلما فعلت اتحادات ألعاب القوى والرياضات المائية والدراجات بشكلٍ منفرد وباتت تعتمد على اختبارات تقيس مستويات هرمون الإستروجين في جسد كل رياضية قبل خوض التنافسات.

حتى الآن، فإن اللجنة الأولمبية تعتمد فقط على الفئة الجنسية المذكورة في جواز السفر الذي تحمله كل رياضية وتاريخها الرياضي بالمشاركة في تنافسات النساء، وهو ما تطرّق إليه آدمز في معرض دفاعه عن السماح للملاكمتين بالمشاركة بالأولمبياد قائلة "إنهما امرأتين في جوازات سفريهما".

على هامش تلك الأزمة راجت صور للملاكمة الجزائرية وهي ترتدي ملابس أنثوية منذ صغرها، كما أن القانون الجزائري لا يسمح بعمليات تحويل الجنس داخل البلاد، ما يؤكد أنها وُلدت وعاشت أنثى ولم تخضع لأي عملية تغيير جنس سابقاً.

وهو ما تقاطع مع تصريحات توماس باخ رئيس اللجنة الأولمبية الدولية خلال تعليقه على الأزمة بقوله "لدينا ملاكمتان وُلدتا كنساء وتربيتا كنساء وتملكان جوازي سفر كنساء".

رغم ذلك الموقف الصلب من المسؤولين الأولمبيين وتمسّكهم بصواب قرارهم، اعترف مارك آدمز المتحدّث باسم اللجنة بعدم وجود إجماع علمي حول كيفية التوصل لحل نهائي لقضايا الأهلية الجنسية في الرياضات النسائية، واصفاً الموضوع بأنه "حقل ألغام" لا يُمكن وضع حل نهائي له قريباً.