صورة تعبيرية امرأة حزينة
صورة تعبيرية لامرأة تشعر بالقلق

يحتاج المريض لتلبية حاجتين عند زيارة الطبيب، أولهما معرفة وفهم حالته الطبية وثانيهما،  الشعور بتفهم الآخر له، وفق الباحث والطبيب كريستيان غروغارد، لكن من الصعب تحقيقها في أحيان كثيرة بالنسبة للنساء العزباوات.

وترفض الكثير من النساء العزباوات في بعض المجتمعات العربية والمسلمة، الذهاب إلى الطبيب/ة النسائي/ة، سواء قبل انقطاع الطمث أو بعد ذلك، لأسباب عديدة، أبرزها ربط زيارتها بالعلاقات الجنسية، وهي بالضرورة غير مقبولة في تلك المجتمعات قبل الزواج، مع افتراض أن كل العزباوات عذراوات، بالتالي قد يكون مجرد التفكير أو البوح بزيارة الطبيب/ة خادشاً لهالة العذرية التي تحيط بها.

تقول الطبيبة النسائية شذى عبد الله، لـ"ارفع صوتك": "نحن على استعداد للاستماع لأي مشكلة قد تواجه الفتاة، التي قد تتردد في فترة مراهقتها بالبوح بها أمام أقرب الناس منها. كما أن  الفحص يقتصر عادة على الصورة الصوتية (ألترا ساوند) وهي خارجية ولا تسبب أي خطر، وحتى إذا كانت هناك ضرورة للفحص الداخلي، يمكن استخدام ناظور دقيق لا يسبب أي ضرر".   

من جهتها، تقول الأخصائية النفسية لانا قصقص، إن "هذه الظاهرة (القلق من زيارة الطبيب/ة النسائي/ة) موجودة، ومن الضروري أن تجمع المريضة والطبيب/ة علاقة شفافة وأن يفهم الأخير البيئة التي تأتي منها هذه المريضة"، في إشارة إلى الخلفية الاجتماعية والثقافية.

وتضيف لـ"ارفع صوتك": "لا شك بأن هذا الموضوع حساس جدا ومن المهم تسليط الضوء عليه. لقد نشأ الخوف والرهبة أساساً على خلفية الأفكار المجتمعية التي تحصر تدخل الطبيب أو الطبيبة النسائية لعلاج المتزوجات".

"بالتالي، فإن أي امرأة تذهب للطبيب/ة النسائي/ة قد تصبح -إذا كانت لا تمتلك الوعي الكافي-ضحية الخوف من الوصمة الاجتماعية، والعديد من الأسئلة، مثل (لماذا؟ وهل أنت متزوجة أو عزباء؟، بالإضافة إلى المعتقدات غير الصحية و اللاعقلانية التي تربط  هذه الزيارة أو الاستشارة بالشرف وبالعذرية"، تتابع قصقص.

وتشير إلى أن الإصابة بالالتهابات الداخلية -على سبيل المثال- غير مرتبطة بإقامة العلاقات الجنسية، ويمكن أن تحدث لأي امرأة. 

في سياق متصل، تنسحب المفاهيم الخاطئة على علاقة الفتاة بجسدها، بحسب قصقص، موضحةً: "تتشكل لدى الفتيات صور غير صحية ومعتقدات غير صحيحة عن أجسادهن، وتصبح علاقتهن به مبنية على الشعور بالذنب وعدم التقبل، وقد تتطور العلاقة لتصل إلى الخوف ونبذ الذات. فتفقد الفتاة الشعور بالراحة وربما يتطور مع الوقت حتى بعد الزواج ليترجم في علاقة جنسية غير سوية مع الشريك".

وتتساءل "كيف يمكن تصور أن تتصرف الفتاة براحة مع شخص آخر بينما تعجز في الأصل عن تقبل حميمية جسدها الخاص؟" مؤكدةً أنه "لا يمكن الفصل بين تشوه المفاهيم والمعتقدات لدى الفتيات وعدم تقبل وعدم التصالح مع صورة الجسد، بالتالي سوء العلاقة مع الجسد الآخر".

وعن الخجل من انقطاع الطمث، تقول مايا من لبنان، لـ"ارفع صوتك": "ما زلت أشتري الفوط الصحية على الرغم من انقطاع الطمث منذ شهور طويلة. أخاف أن يدرك الآخرون أني قد أصبحت عجوزا".

"كما لا أشعر بالرغبة بزيارة الطبيب النسائي ومواجهة هذه الحقيقة والاضطرار للاعتراف بها، وأنا أهرب منها، على الرغم من أن صديقاتي يؤكدن على ضرورة زيارة الطبيب للوقاية من أي عوارض جانبية محتملة"، تضيف مايا.

 

التوعية مفتاح الحل 

تعمل الأستاذة الجامعية اللبنانية، مناظر العاكوم، المتخصصة في الصحة المجتمعية والقبالة القانونية، بجهد مع طالباتها، من أجل نشر الوعي حول صحة الجهاز التناسلي.

تقول العاكوم لـ "ارفع صوتك": "تبدأ التوعية من المنزل حيث يلعب الأهل دورا غاية في الأهمية في التوعية الجنسية المبكرة للأطفال، ولا بد من أن يساهموا بتمكين توعية الأطفال حول التغيرات التي قد تطرأ على أجسادهم وإلى كافة الأمور المهمة التي قد يواجهونها فيما بعد".

وتضيف "لا يمكن أن نتوقع من فتاة تخجل بالبوح بآلامها لأمها أن تبوح بكل شيء للطبيبة وهي تشعر بالخوف والتردد. يجب تنمية الثقة لديها وأن تتصرف والدتها كنموذج لها".

وتستدرك العاكوم "لكن هنا تطفو مشكلة أخرى إلى السطح، وهي أن الأم قد لا تتمتع بنفسها بالثقافة اللازمة، لذا يقع على عاتقنا، نحن العاملين في المجال الصحي من قابلات ومرشدات صحة، إرشادها ودعوتها لطلب النصيحة دون تردد، والسعي للتثقف مثلا من خلال المحاضرات حول الأعضاء التناسلية للفتاة وتطورها في مرحلة البلوغ وعوارض ذلك".

وتتابع: "لا بد أيضاً من التثقيف حول النظافة الشخصية وأعراض الالتهابات النسائية، والاتفاق على ضرورة زيارة الطبيب أو مراجعة القابلة القانونية إذا طرأت أي مشكلة". 

 أما بالنسبة للعلاقة بين الطبيب/ة والمريضة، فتبين العاكوم : "يجب الحرص على الشفافية، حيث يلعب الأطباء دورا في زيادة الوعي والمساهمة في كسر ما يُعتبر (محظوراً) في بعض المجتمعات".

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

طفل وأبيه يتلقون العلاج بعد تعرض منطقتهم إلى هجوم كيمياوي في الغوطة الشرقية بسوريا
طفل وأبوه يتلقيان العلاج بعد تعرض منطقتهما إلى هجوم كيمياوي في الغوطة الشرقية بسوريا

قبل 11 عاماً، بالتحديد يوم 21 أغسطس 2013، نام سكّان بلداتٍ في غوطة دمشق على وقع قصف مدفعي وصاروخي اعتادوا على معايشته خلال شهور بعد خروج مناطقهم من سيطرة النظام السوري.

غير أن هذه الليلة لم تكن اعتياديةً كما في كل يوم، إذا كانت القذائف تُسبّب انفجاراتٍ وحرائق معروفة في المنطقة، بينما خرج السكان في مدن الغوطة الشرقية ومعضمية الشام في الغوطة الغربية، وهم يتنفّسون بصعوبة بالغة، لأن الهجوم هذه المرّة كان بالأسلحة الكيماوية.

كانت حصيلة 4 هجمات متزامنة، مقتل 1144 شخصا اختناقاً، منهم 1119 مدنياً بينهم 99 طفلا و194 سيدة، أما الذين قتلوا في صفوف مسلحي المعارضة، فكانوا 25.

تسببت الهجمات أيضاً بإصابة 5935 شخصاً بأعراض تنفسية وحالات اختناق، وفقاً لتقرير صادر عن الشبكة السورية لحقوق الإنسان.

ورغم أن الولايات المتحدة قادت آنذاك جهوداً لمحاسبة النظام السوري على استخدام غاز السارين ضد المدنيين، وتخطّيه "الخطوط الحمراء" في النزاع، إلا أن الملف انتهى بإجبار بشار الأسد على تفكيك مخزونه من السلاح الكيماوي، والتوقيع على اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، والانضمام إلى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، مع إصدار مجلس الأمن الدولي القرار 2118، الذي ينصّ على عدم تطوير أو تخزين أو نقل أو استخدام الأسلحة الكيميائية من أي طرف في سوريا، تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.

إلا أن منظمة حظر الأسلحة الكيماوية وثقت استخدام النظام السوري للأسلحة الكيماوية تسع مرات بعد حادثة الغوطة، إحداها هجوم وقع في الغوطة الشرقية نفسها في 7 أبريل 2018.

منظمة حظر الأسلحة الكيميائية: النظام السوري مسؤول عن هجوم الكلور في دوما
أثبت تحقيق أجرته هيئة مراقبة الأسلحة الكيميائية العالمية أن هناك "أسبابا معقولة للاعتقاد" أن القوات الجوية التابعة للنظام السوري أسقطت أسطوانتين تحتويان على غاز الكلور على مدينة دوما في أبريل 2018، ما أسفر عن مقتل 43 شخصا.

خطوات للمحاسبة

وفي ظل ما يعتبره الناجون من مجزرة الكيماوي في غوطة دمشق "إفلاتاً من العقاب" بالنسبة لمحاسبة النظام السوري على استخدام الأسلحة الكيماوية، بموجب حماية روسيا له داخل أروقة مجلس الأمن ومنع وصول الملف إلى المحكمة الجنائية الدولية، نتيجة الفيتو الروسي- الصيني، سعت منظمات حقوقية سورية إلى سلوك طرق بديلة في سبيل الحصول على حقوق الضحايا والناجين.

في عام 2020، تقدّمت كل من "مبادرة العدالة" و"مبادرة الأرشيف السوري" بالإضافة لـ"المركز السوري للإعلام وحرية التعبير"، بشكوى جنائية أمام الادّعاء العام الألماني ضد مسؤولين سوريين بينهم بشار الأسد، حول استخدام الأسلحة الكيماوية في عدة مناطق سورية، بينها الغوطة الشرقية.

كما تقدّمت المنظمات الثلاث عام 2021 بالدعوى نفسها أمام القضاء الفرنسي، مع إرفاقها بشهادات عدد من الناجين من هجمات السارين في الغوطة، وفي العام نفسه قدمت المنظمات ذاتها شكوى في السويد، لمحاسبة مسؤولين سوريين على استخدام غاز السارين في هجومين، الأول على الغوطة الشرقية عام 2013، والثاني على خان شيخون بريف إدلب عام 2017.

قادت التحقيقات في فرنسا إلى إصدار محكمة في باريس أربع مذكرات توقيف في نوفمبر 2023، بتهمة التواطؤ في جرائم ضد الإنسانية والتواطؤ في جرائم حرب، بشأن الهجمات الكيميائية القاتلة في الغوطة عام 2013، واستهدفت كلاً من الرئيس السوري بشار الأسد، وشقيقه المسؤول عن الفرقة الرابعة ماهر الأسد، وضابطين برتبة عميد، هما غسان عباس مدير الفرع "450" التابع لمركز الدراسات والبحوث العلمية السورية، وبسام الحسن الذي يعمل كضابط اتصال بين القصر الرئاسي السوري ومركز البحوث العلمية.

في يونيو الماضي، صدّق القضاء الفرنسي على مذكرة التوقيف نفسها، فيما يُعد هذا الحكم أبرز جهد في طريق محاسبة النظام السوري على شنّ هجمات كيماوية، رغم مطالبة مكتب المدّعي العام الوطني لمكافحة الإرهاب، بإلغاء مذكرة التوقيف ضد الأسد، بسبب الحصانة الشخصية للرؤساء أثناء وجودهم في السلطة.

من جهتها، أوصت الشبكة السورية لحقوق الإنسان كلاً من مجلس الأمن الدولي والأمم المتحدة بتطبيق البند السابع من الميثاق الأممي وفرض عقوبات سياسية واقتصادية وعسكرية ضد النظام السوري "كشكل من أشكال التعويض المعنوي لأُسر الضحايا"، مع التشديد على ضرورة إحالة الملف السوري إلى المحكمة الجنائية الدولية، ومحاسبة جميع المتورّطين.

" خيبة أمل كبيرة"

على حسابها الرسمي في فيسبوك، أصدرت "رابطة ضحايا الأسلحة الكيماوية" (أُنشئت عام 2021 من مجموعة من ذوي الضحايا والناجين)، عدّة  دعوات لتنفيذ وقفات وفعاليات في الداخل السوري وتركيا وأوروبا، تطالب بمحاسبة القيادات الأمنية والعسكرية لدى النظام السوري، جراء مجمل الهجمات الكيماوية، وعلى رأسها هجوم الغوطة الشرقية 2013، تحت شعار "معا لأجل حقوق الضحايا ومنع الإفلات من العقاب".

عقد و نيّف...

Posted by ‎رابطة ضحايا الأسلحة الكيميائية Association of Victims of Chemical Weapons‎ on Sunday, August 18, 2024

 

ورغم مرور 11 عاماً على المجزرة التي يعدها السوريون "الأكبر" خلال فترة الحرب، لا يزال ناجون وذوو ضحايا قضوا فيها، يعبّرون عن عدم تجاوزهم آثارها القاسية.

من بينهم وديان طرابلسي، وهي شاهدة عيان على مجزرة الكيماوي، تقول لموقع "ارفع صوتك" إن الإصابات الجسدية التي لحقت بالمتضرّرين يمكن تجاوزها خلال سنوات "غير أن الآثار النفسية لا تزال حاضرة".

وتعتقد أن المجتمع الدولي "لم يقم بواجباته القانونية والإنسانية تجاه محاسبة الأسد على ارتكاب هذه المجزرة" معبّرةً عن "خيبة أمل كبيرة" من الدول الغربية.      

الحاج زهير دبس، وهو ناج من مجزرة دوما، يقيم حالياً في مدينة عفرين شمال سوريا، يستبعد أن تتم محاسبة الأسد وفق المنظور الحالي، بسبب ما يسمّيه "تبدُّل المزاج الدولي تجاه الملف السوري".

ويقول لـ"ارفع صوتك" إن أسوأ ما حصل في الملف السوري "دمج التوافقات السياسيّة بالجرائم التي تم ارتكابها على مدى 13 عاماً، بالتالي فإن المجرم يمكن أن يعود مُرحّباً به وبريئاً من كل الانتهاكات"، على حدّ تعبيره.

يتابع زهير "بدلاً من محاسبة الأسد، تقوم بعض الدول العربية أو الغربية اليوم بالتطبيع مع القاتل، كأنها تغسل يديه من جميع الجرائم، وتقول للضحايا (حاولوا النسيان)".