يرتبط التمييز على أساس النوع الاجتماعي، وتقع المرأة ضحيته غالباً، بممارسة ذكورية بحتة حيث يُنسب لجذور المجتمع البطريركي، الذي يكرّس سطوة الرجل على أهم مفاصل الحياة، من القرار في المنزل وصولا إلى السلطات التشريعية والتنفيذية، لكن هل هذا كل شيء؟
في كتابها Subversives: Ou l'art subtil de n'être jamais là où l'on vous attend (الانقلابيات: الفن المتقن لكسر التوقعات) الذي صدر عام 2021 وتُرجم للغات عدة، تبحث الكاتبة الفرنسية جيزيل سجيزلاك، عن دور المرأة أيضاً في توطيد الذكورية داخل المجتمعات، والسماح لها بالتنامي.
جيزيل سجيزلاك: كاتبة فرنسية، حائزة على دكتوراة في علوم الفلسفة، ورائدة أعمال ومتخصصة في العلوم الاجتماعية. تنظم دورات تدريبية حول القضايا النسوية والتواصل والإدارة مع تركيز خاص على القدرة على إحداث فارق. ترأست خلال تجربتها في العمل الاستشاري فرق عمل لتمكين المرأة وتشجيعها في مختلف مراحل مسيرتها المهنية. (لينكد إن)
ينقسم الكتاب إلى البحث في نوعين من الجذور: التاريخية والذاتية، من أجل التوصل لأساس التمييز ضد المرأة لصالح الرجل.
في الجذور التاريخية، تعود سجيزلاك إلى العصور القديمة، حين كان تصنيف المرأة كائناً من الدرجة الثانية، ومجردة من أي رسالة أو مساهمة في ما أُطلق عليه "المجتمع الثقافي" أو المجتمع الذي تنشأ هويته من الثقافة، تلك التي يساهم الرجال في صنعها. وفي هذا المجتمع، يصوغ الرجال القوانين، من بينهم الزعيم الفرنسي نابوليون بونابرت، الذي اعتبر المرأ "مواطنة سلبية"، وربط وجودها حصراً بما يُفترض أن تقدمه للرجل.
أما القسم الثاني، فهو رحلة في جذور الذات، وربما هي الأهم، إذ توجه الكاتبة عبرها دعوة لسبر أغوار نفس المرأة لحلّ لغز القبول بالخضوع قبل كل شيء. وتسأل: لماذا قبلت المرأة في البدء بهذا التصنيف ولماذا اعتادت عليه واستسلمت له مع مضيّ الوقت؟
يكشف هذا السؤال عن أمر أخطر بكثير من التمييز الذي تعاني منه المرأة بسبب الرجل، وهو التمييز الذي يخضعها إليه قرار بنات جنسها أنفسهن. ولا يخفى على أحد أن عبارات مثل "مكانك في البيت وفي المطبخ، فيم تفيدك الدراسة؟ أخفضي صوتك بحضور الرجل!"، تُلفَظ كثيراً على لسان نساء أيضا.
هؤلاء الأخيرات يقبلن بالواقع الذي تفرضه ثقافة المجتمع ولا بد لهن من العودة إلى جذور ما تسميه سجيزلاك بالـ"انجراف الحضاري" لحل المشكلة. وهذا "الانجراف" هو ببساطة الانصياع لواقع تم فرضه وصياغته في غرف اجتماعات لم تحضرها أي امرأة، ثم أسقطت عليها واكتسبت نوعا من الشرعية مع الوقت.
بالنسبة لسجيزلاك، لا يعني "الانقلاب" الذي اختارته عنوانا لكتابها، قلب الطاولة على كل ما هو مذكر، إنما البدء بقلب المفاهيم الخاطئة والصور النمطية التي بنيت عليها من خلال "الفن المتقن لكسر التوقعات".
ولهذه الغاية تفيض صفحات الكتاب الذي يتخطى 200 صفحة، بالنصائح التي تقضي على عقدة الذنب لدى النساء اللاتي يترددن بوضع أنفسهن في أعلى سلم الأولويات.
تقول سجيزلاك متوجهة للمرأة في كتابها: "نحن موجودات من أجل أنفسنا قبل التواجد من أجل الآخرين. هذا ليس بالأمر السيء ولا ينبغي لك أن تشعري بالذنب. هذه هي الحقيقة الكونية ولكل امرئ حصته في هذا العالم. نحن ننتمي في المقام الأول لأنفسنا".
وبذلك، تحاول قطع الطريق على الخوف المرتبط بالشعور بالأنانية وهو شعور ترفضه المرأة الشهيرة بالعطاء، من خلال التمييز بين الأنانية السلبية والأنانية الإيجابية.
أما عن هذه الأنانية الإيجابية، فهي الأنانية التي تعلّم المرأة كيف تضع حدا للظلم الذي تلحقه بنفسها.
نقرأ في هذا السياق في كتاب سجيزلاك: "تحلي بالأنانية الإيجابية لأنها ستمنعك يوميا من تكرار ما اعتدت عليه. ستمنعك من الاعتذار على ما أنت عليه، ومن السعي لتعويض كل النواقص التي ترينها حولك في محاولاتك المستمرة لأن تضمني، ليس فقط راحة الآخرين من كل شوائب الحياة وآلامها التي لا مفر منها؛ و لكن أيضاً والأهم من ذلك، إراحتهم من طبيعتك التي لا تناسبهم والتي اعتادوا ترويضها".
وتصر سجيزلاك على أن العقد الأساسي الذي تعقده المرأة لحل الأزمة، الذي توقعه مع نفسها. وتبين: "لا حاجة لك لتعتذري عن شكلك الخارجي مثلا أو عن التغيرات الطارئة على حياتك. عندما تكوني في مكان عملك، فكري بنفسك وبتطورك... وطبقي ذلك في المنزل أيضاً. كم مرة يصيبك الجمود وتترددين بالإجابة عن سؤال حول ما تطمحين إليه ببساطة لأنك تفكرين بالجميع قبل نفسك. ثم وقبل أن تدركي العكس، ترين الآخرين وهم يعيشون حلمك ويقومون بمشاريعك بينما تعيقك رغبتك وحدك من تحقيق ذاتك (...) أما عن البيت، لا شك بأن وجودك يجعله مكانا صالحا للعيش ولكن ماذا إن انتهى بك المطاف وأصبحت جزءاً من ديكور المنزل؟".
ويتردد في الكتاب صدى نصيحة تدفع أخيرا لكسر التابو الذي يمنع المرأة من مشاركة أفكارها لأنها كما يدعي البعض "كجسدها واستعراضه يصيب بالخزي"، فتشدد سجيزلاك: "كوني أنانية بطريقة إيجابية. فمن دون الأنا والإدراك الذاتي لطبيعتك الأساسية، لن تتمتعي بتفكير أصلي ولن تتركي مساحة للمغامرات في هذا العالم. لن تمتلكي الجرأة ولا القدرة على الاكتشاف. باختصار، لن تتمتعي بالحرية".



