اشتهرت مريانا بنت فتح الله مرَّاش (1848-1919) بأنها أول امرأة شرقية كتبت في الصحافة.
اشتهرت مريانا بنت فتح الله مرَّاش (1848-1919) بأنها أول امرأة شرقية كتبت في الصحافة.

اشتهرت مريانا بنت فتح الله مرَّاش (1848-1919) بأنها أول امرأة شرقية كتبت في الصحافة. ولكن ما يتم نسيانه هو أنها صاحبة الدعوة الأولى لتحرير المرأة العربية من الأفكار المسبقة الراسخة في المجتمع عن عدم أهليتها للخوض في الشؤون العامة، عن طريق دراسة العلوم والصنائع. وهي الدعوة التي أطلقتها عبر مجلة الجنان البيروتية في شهر يوليو عام 1870 (الجزء 15).

للوقوف على شجاعة هذا الطرح ورياديته؛ لابد من مقارنته مع ما كان سائداً حينها في الغرب الأوروبي والأميركي من مفاهيم أنثوية مثالية، مرتبطة بملكة بريطانيا فيكتوريا (1819-1901)، حول تعزيز القيم المنزلية عن طريق الشراكة والتكامل بين المرأة والرجل، وتمجيد الطهارة، والأسرة، والأمومة، حيث كانت دعوات خروج المرأة إلى سوق العمل ما تزال مستهجنة؛ أيما استهجان.

 

ابنة تاجر ثري

 

ولدت مريانا مرَّاش في مدينة حلب، شمالي سوريا، لأب تاجر مثقف وصاحب ثروة طائلة، جمع خلال حياته مكتبة كبيرة، تحوي نفائس كتب اللغة والأدب والعربيين؛ ساهمت في تفتيح ذهن مريانا على الأدب العربي، فتعمقت معرفتها به على يد شقيقها الأديب والشاعر المعروف فرنسيس مراش.

 درست مريانا منذ أن كان عمرها خمس سنوات في مدرسة مارونية في حلب، ثم تابعت تعليمها على يد راهبات القديس يوسف في المدينة نفسها، قبل أن تنتقل إلى المدرسة البريطانية السورية للبنات في بيروت، لتحصل على شهادة تخولها التعليم في المدارس الابتدائية والثانوية. وكان برنامج تلك المدرسة يتضمن اللغتين الإنجليزية، والفرنسية، والرياضيات، والعلوم الطبيعية، والموسيقى. وحين عادت إلى حلب تهافت الشبان على طلب يدها، بحسب تعبير المؤرخ الحلبيّ محمد راغب الطبّاخ، الذي قال أيضاً: "فنظر الناس إليها بغير العين التي ينظرون بها إلى غيرها".

 

شامة الجنان

احتفت مجلة "الجنان" عن تحرير المرأة بمقالة مريانا وأطلقت عليها اسم "شامة الجنان" نظراً لفرادتها حيث كتب محرر المجلة: "ورد إلينا من حلب من قلم السيدة مريانا فتح الله مراش شقيقة فرنسيس أفندي مراش المشهور ما يأتي". وعدها مؤرخ الصحافة العربية فيليب طرازي "الكاتبة الأولى التي نشرت أفكارها في الصحف العربية على ما نعلم، فجدير بتاريخ الصحافة أن يدون سيرتها وأن يسبق سير الصحافيات بها، لأنها إحدى شهيرات الشعر ومن بواكيرهن في القرن التاسع عشر".

كان مدخل مريانا إلى طرح فكرتها المحورية حول الدعوة لنهوض المرأة بيتان للشاعر المتنبي هما:

بِنَفسي الخَيالُ الزائِري بَعدَ هَجعَةٍ       وَقَولَتُهُ لي بَعدَنا الغُمضَ تَطعَمُ

سَلامٌ فَلَولا الخَوفُ وَالبُخلُ عِندَهُ        لَقُلتُ أَبـو حَفصٍ عَلَينا المُسَلِّمُ

وناقشت مريانا هذين البيتين اللذين يعدان الجبن والبخل من صفات المرأة المستحبة، وهما في الوقت نفسه من صفات الرجال المستقبحة، مرجعة هذه الصفات إلى قيم المجتمع العربي القديمة، حين كانت النساء "محجوبات في خدورهن، أو يشتغلن فيما لا يعودهن على الشجاعة والكرم"، على عكس الرجال الذين كان دأبهم "الغزو والضرب والنهب وأخذ الثأر".

وتقول: "في عصرنا هذا يجب أن نلطف هاتين الصفتين ونستعوض البخل بالحرص، والجبن بالشجاعة الأدبية، لا بالجسارة والاقتحام نظير الرجال، حيث يطلب منهم ذلك لدى اقتضاء الضرورة، كإلقاء النفس في المخاطر والتهلكات، وحمل السلاح.. لأن الشجاعة الأدبية تقودهن إلى الصبر على الحوادث واحتمال الأكدار والكوارث عند تقلب الزمان عليهن، مع جراءة في الحديث وسرعة الجواب في مقام الخطاب حسب روح العصر".

وأضافت: "وأما الحرص فواجب على النساء لا البخل، لكون الأول عدم التبذير والثاني إفراط الإمساك الذي لا عاد يقتضي لهن لأنهن أخذن في درس العلوم والصنائع كالرجال، وعدن يصلحن للأعمال العقلية والتجارية التي تطلب الحرص وترفض البخل، وإن كان في بلادنا هذه لم تدرج بعد، وأما في أوروبا التي نقتدي بها الآن، فذلك أمر عمومي على جميع النساء، ولم تحصل نساء تلك البلاد على المراتب المذكورة بالفعل إلا بمساعدة الظروف هناك وشيوع التمدن".

ودعت نساء البلاد العربية للاستعداد قائلة: "فلنحوَ ذلك نحن (أي درس العلوم والصنائع كالرجال) بالقوة حتى إذا ما اضطرنا الحال وساعدتنا الظروف نكون أكفاء أن نقوم بذواتنا"، داعية نساء قومها إلى عدم الالتفات إلى "التمويه والتجمل الصناعي الذي تستعمله بعض الجاهلات من النساء"، اللاهثات "وراء الزخارف والزينات". وقالت: "هلمنّ بنا نتسابق في ميدان الآداب والمعارف، ولا نصغي لما اقترف به علينا بعض المغرضين بنفيهم عنا صلاحيتها".

 

شرارة الجدل العام

 

أطلقت مقالة مريانا الجدل العام حول حقوق المرأة في سوريا العثمانية ومصر، إذ تلقفت السيدة وستين مسرَّة دعوة الآنسة مراش، فنشرت في عام 1871 في مجلة "الجنان" أيضاً مقالة بعنوان "التربية"، أيدت فيها دعوة مرَّاش لطرد "الخوف والوجل"، داعية النساء لأن يرمحن "في ميادين الأدب بالقول والعمل".. متسائلةً: "فما لنا لا نخلع عنا أثواب التواني والكسل، ونلبس أثواب النشاط ونقدم على العمل، ونحن من بنات القرن التاسع عشر الذي فاق بالتمدن كل قرون البشر. كيف لا نبين للرجال لزوم دخول النساء إلى جنات العلوم الأدبية؟".

وقد وصلت دعوة مريانا مراش إلى مصر فتبنتها السيدة فريدة شكور، معلمة ثم مديرة مدرسة البنات الأميركية في القاهرة، إذ كتبت في مجلة "الجنان" أيضاً عام 1874 مقالة بعنوان "في النساء" أعادت فيها صياغة أفكار مريانا مراش؛ لتعالج موضوعها عن تربية البنات من أجل إعداد الأسرة المتمدنة مستقبلاً. وفي العام التالي نشرت فريدة شكور مقالتها الثانية بعنوان "التقدم الحقيقي" في "الجنان" أيضاً تحدثت فيها عن تعليم البنات بمناسبة افتتاح مدرسة السيوفية للبنات في القاهرة.

تتابعت مقالات مرَّاش وغيرها في مجلة "الجنان" طوال عقد السبعينات من القرن التاسع عشر، وجميعها كانت تعيد وتكرر الدعوات السابقة ذاتها لتعليم البنات، وضرورة تحلي النساء بالشجاعة الأدبية، والإسهام بالقول والعمل في مجالي الآداب والمعارف، والمشاركة بالكتابة في الصحافة، واتخاذ أفضل الأساليب في تربية الأبناء.

 

من الفكرة إلى الواقع

 

لم يطلّ العقد الثامن من القرن التاسع عشر برأسه حتى نشرت مجلة "المقتطف" القاهرية خبراً عن تأسيس "جمعية علمية أدبية للنساء في بيروت" اسمها "باكورة سورية". وحول هذه الجمعية واختصاصها كتبت المجلة: "يجتمع فيها أعضاؤها من النساء المهذبات مرة كل أسبوعين، ويروضن عقولهن بالخطب والمباحثات العلمية والأدبية، والنظر فيما من شأنه تحسين الهيئة الاجتماعية بين النساء في سورية". ودعت المجلة "كل سيدة مهذبة" للاشتراك في هذا المسعى الحميد، لأن "سورية لا تستقر قدمها على ركن التقدم والنجاح حتى تقاسم المرأة الرجل أشغاله، علماً وأدباً، ويسعيان بيد واحدة نحو إصلاح المعيشة العائلية وتحسين الهيئة الاجتماعية"، بحسب تعبير المجلة.

ولدت نبيهة عبود عام 1897 في مدينة ماردين في أعلى بلاد الجزيرة الفراتية، لوالد يعمل في التجارة، أصله من منطقة الموصل.
نبيهة عبود.. عالمة البرديات ورائدة البحث النسوي في التاريخ العربي
البروفيسورة العراقية-الأميركية نبيهة عبود (1897-1981)، رائدة بحوث البرديات العربية، وصاحبة الدراسات التاريخية حول النساء المسلمات في صدر الإسلام والعصر العباسي، وكذلك الملكات العربيات قبل الإسلام، والأشهر من كل ذلك، صاحبة التحقيب الزمني المعتمد حالياً في العالم أجمع لمسار كتابة "ألف ليلة وليلة".

ومما لا شك فيه أن تأسيس هذه الجمعية النسائية أتى كنتيجة طبيعية لدعوات مريانا مراش ووستين مسرَّة وفريدة شكٌّور  بأن يكون للمرأة السورية شأن بين الرجال، ولكن هذه الدعوات لا يمكن عزلها عن سياق الصحوة العربية في ولاية سوريا العثمانية التي شهدت خلال ولاية مدحت باشا طفرة غير مسبوقة في إنشاء المدارس العربية، وتأسيس الجمعيات الأدبية، والفرق المسرحية، وكان لابد؛ وأن تحظى المرأة بحيز في هذه "الصحوة"، نظراً لانتشار تعليم الفتيات في المدارس السورية آنذاك ، ووصول أفكار الحداثة إلى النخبة المثقفة التي كانت تقرأ عن النشاط النسوي المطلبي في فرنسا، وإنجلترا، وإسكندنافيا ذلك الوقت .

 

شعر وصالون ثقافي

 

لم تتوقف مريانا عند الدعوات لتحرير المرأة وتعليمها؛ بل أصدرت مجموعة شعرية بعنوان "بنت فكر" وكتاباً عن تاريخ سوريا آواخر العهد العثمانيّ، بعنوان تاريخ سوريا الحديث، ولكن مأثرتها الكبرى التي تذكر لها أنها أسست في منزلها أول صالون أدبي- فني في الشرق العربي والعثماني، ضم مثقفين حلبيّين شهيرين من كلا الجنسين، إضافةً إلى سياسيّين وأعضاء في السلك الدبلوماسيّ الأجنبيّ، إذ كانت تقدم فيه بالإضافة إلى المطارحات الفكرية والمناظرات الشعرية جلسات الغناء والعزف على آلتي القانون والبيانو.

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

نساء كرديات سوريات يرتدين الزي التقليدي خلال الاحتفال بـ"يوم اللباس الكردي" في مدينة القامشلي ذات الأغلبية الكردية في محافظة الحسكة شمال شرق سوريا.
نساء كرديات سوريات يرتدين الزي التقليدي خلال الاحتفال بـ"يوم اللباس الكردي" في مدينة القامشلي ذات الأغلبية الكردية في محافظة الحسكة شمال شرق سوريا.

تعرف المجتمعات العربية تنوعاً عرقياً ودينياً فريداً من نوعه، إذ تعيش في المنطقة مجموعات متباينة من العرب والأكراد والتركمان والأمازيغ فضلاً عن طوائف متنوعة من الزرادشتيين والمندائيين والأيزيديين والمسيحيين واليهود الذين يعيشون بجانب المسلمين السنة والشيعة. تميزت تلك المجموعات بأزياء وملابس شعبية متوارثة على مر القرون، حتى دخلت في تشكيل هويتها الجمعية.

ما هي أهم الملابس والأزياء التقليدية المعروفة في المنطقة العربية؟ وكيف ارتبطت تلك الأزياء بالهوية والذاكرة؟

 

العراق والخليج

توجد العديد من الملابس التي ارتبطت ببعض المجموعات العرقية المعروفة في العراق. فعلى سبيل المثال يُعدّ العنصر الكردي أحد المكونات الرئيسة في التركيبة السكانية العراقية، ويتميز الأكراد ببعض الأزياء القومية التي يحرصون على ارتدائها في المناسبات الخاصة.

يمكن تقسيم الزي الذي يلبسه الرجل الكردي إلى نوعين: الأول ويطلق عليه "بشم وبركير" وهو منتشر بشكل واسع بين الكرد في كل من تركيا وسوريا وأجزاء من العراق، ويتألف من قطعتين من اللون ذاته، الجاكيت والسروال، ويكونان فضفاضين، ويُستعمل معهما قماش يُلف على الوسط ويُطلق عليه "شوتك" وغطاء للرأس يسمى "جمداني". تُصنع تلك الأزياء من صوف الخراف والماعز، بشكل عام. وتُلون بالأسود، والأبيض، والأزرق، والبني، والرمادي.

أما النوع الثاني فيُطلق عليه اسم "كورتك وشروال"، ويتكون هو الآخر من قطعتين: جاكيت وسروال، وحزام للوسط مع غطاء للرأس، وهو يستعمل الأقمشة المستعملة في صناعة الملابس الغربية.

 أما المرأة الكردية فيتكون زيها التقليدي من دشداشة طويلة، ذات كمين طويلين يرتبطان بذيلين مخروطيين طويلين أيضاً يسميان في اللغة الكردية بـ"فقيانة". وفي الغالب تخاط هذه الدشداشة من قماش شفاف ذي خيوط حريرية ناعمة الملمس ومطرزة بأنواع مختلفة من المنمنمات. تحت هذه الدشداشة ترتدي المرأة الكردية قميصاً داخلياً رقيقاً وحريرياً، لكنه ذو لون داكن وغير شفاف ليصبح بمثابة خلفية عاكسة للدشداشة الشفافة، أما الجزء العلوي من هذا الزي فإنه مؤلف من سترة قصيرة جداً بلا أكمام.

تعرف بلاد الرافدين أيضاً مجموعة من الأزياء التقليدية التي ارتبطت ببعض المناطق والأقاليم. في كتابه "الملابس الشعبية في العراق"، يسلط الباحث وليد الجادر الضوء على ذلك النوع من الملابس.

يصف الجادر ملابس البدو وسكان الأرياف بالبسيطة. وتتألف في العادة من السروال والدشداشة، ويُرتدى فوقهما العباءة المنسوجة من الوبر، والتي تكون -في أغلب الأحيان- باللونين الأبيض والأسود، بالإضافة إلى الكوفية والعقال المصنوع من الوبر، أما نساء البدو فيرتدين العباءة الصوفية، وفي وسطها حزام صوفي خشن عريض، ويزين نهايته بأهداب أو شراشيب.

يختلف الحال في مناطق البصرة وجنوبي العراق وبعض أنحاء الخليج. ترتدي النساء في تلك الأنحاء "الزي الهاشمي"، وهو عبارة عن ثوب من قماش رقيق جداً وواسع الأكمام والأطراف، يُلون عادة باللون الأسود. ويُحلى بأشكال مرسومة من خيوط الذهب. ويُرتدى في مناسبات الأعياد والاحتفالات، كذلك ترتدي المرأة البصرية العباءة، وكانت تُعرف قديماً بالجزية أو المبرد، وهي تغطي الجسم من الكتف، وتصاحبها "الشيلة" وهي غطاء للشعر ترتديه النساء تحت العباءة.

أيضاً، تُعدّ "الصاية" من الأزياء الشعبية العراقية المشهورة، وتتكون الصاية من ثوب طويل مفتوح من الأمام، وغالباً يكون دون أكمام وهو عبارة عن صدرين وظهر. يلتف صدر الثوب الأيمن على الصدر الأيسر.

في دراسته "الأكسية والألبسة الشعبية في مدينة سامراء خلال القرن العشرين"، يوضح الباحث بكر عبد المجيد محمد بعض الأزياء الفلكلورية التي عُرفت في مناطق وسط العراق، ومنها "الدميري"، وهو لباس خاص بكبار الرجال، يشبه السترة إلا ان ردنيه عريضتان، وفي نهاية كل ردن فتحة بمقدار خمسة عشر سنتمترا. وهو على نوعين: المطرز والعادي بلا تطريز. أما "الزخمة" فهو لباس يشبه السترة إلا إنه من غير أكمام، وفي مقدمته ستة أزرار تكون أشكالها حسب الطلب، فضلاً عن "السروال"، وهو من الملابس الشعبية، ويشبه البنطلون، والعامة من سكان سامراء يسمونه "شروال".

 

مصر

تذكر الباحثة علا الطوخي إسماعيل في دراستها "الأزياء فى الثقافة الشعبية" أن هناك علاقة وطيدة بين الأزياء الشعبية المصرية من جهة، والعادات والتقاليد المتوارثة التي عرفتها حضارة وادي النيل من جهة أخرى.

من هنا، فإن الأزياء الشعبية المصرية صارت أحد العلامات الفارقة في الفلكلور المصري المتوارث على مر القرون.

بشكل عام، تُعرف "الجلابية" باعتبارها الزي المصري التقليدي للرجال في المناطق الريفية في الدلتا والصعيد، وهي عبارة عن رداء طويل وفضفاض له أكمام طويلة، وهي دون ياقة ولها فتحة رقبة مستديرة، وبشق طويل من الأمام بدون أزرار، وتلبس فوقها الشيلان البيضاء والملونة.

في السياق نفسه، يتكون الزي التقليدي للمرأة المصرية من 3 طبقات يسمونه بـ "التزييرة". عرفت الطبقة الأولى باسم "السبلة"، وهي جلابية واسعة وأكمامها طويلة تلبسها المرأة فوق ملابس المنزل كي تغطيها تماماً، والطبقة الثانية قطعة قماش تغطي بها رأسها وأكتافها اسمها "الحبرة". أما القطعة الثالثة فهي "اليشمك"، وكانت تستخدم في إخفاء الوجه، ويغلب الظن أن المصريين استعاروا اليشمك من العثمانيين.

ومن الملاحظات المهمة أن أشكال الأزياء الشعبية المصرية اختلفت من منطقة لأخرى. ففي سيناء تأثرت الملابس بروح البداوة والترحال، ولذلك اعتمد الرجل في ملابسه على الأزياء العربية التقليدية مثل الغترة، والعقال، والبشت، والعباءة، بينما اعتادت المرأة ارتداء ثوب أسود فضفاض طويل محاط بحزام مطرز يحكم منطقة الوسط ويعلو رأسها وشاح أسود أيضاً يغطي جسدها بالكامل مع وجود برقع على الوجه مزين بالحلي.

في محافظة مطروح تأثرت الأزياء الشعبية بنمط الملابس المنتشر في شرقي ليبيا. في هذا السياق، اعتاد الرجال على ارتداء "المَلِف" ويتكون من قطعتين من الصوف المطرز يدوياً، وهو عبارة عن "سدرية"، وهي صدرية بلا أكمام وبلا أزرار وسروال واسع يرتدى تحت الثوب. يختلف الوضع في الإسكندرية والمدن الساحلية في شمالي مصر.

وكان من الشائع أن يرتدي الرجال ملابس الصيادين المكونة من السروال الأسود الفضفاض والقميص الأبيض، فيما اعتادت النساء  ارتداء الجلباب والملاية اللف التي لا تزال تُباع حتى الآن في أسواق بعض الأحياء الشعبية في الإسكندرية.

 

سوريا

يلقي الباحث عبد العزيز حميد صالح الضوء على الملابس التقليدية السورية في كتابه "الأزياء عند العرب عبر العصور المتعاقبة"، فيقول: "يمكن القول إن الأزياء الشعبية التراثية التقليدية في سوريا كانت خلال القرون الثلاثة أو الأربعة الأخيرة منوعة أكثر مما كانت عليه في أي إقليم عربي آخر، فكانت لكل مدينة كبيرة في هذه البلاد ملابسها المتميزة ببعض الخصائص التي قلما نجدها في المدن السورية الأخرى".

بحسب صالح، تتألف الملابس التقليدية السورية الرجالية من القميص والصدرية والسروال فضلاً عن مجموعة مختلفة من أغطية الرأس التي تتباين أشكالها من مدينة إلى أخرى، وفي العادة، يُلون القميص باللون الأبيض، ويكون قصيراً، وبكمين طويلين يصلان إلى مفرق الرسغ. أما السروال فيكون فضفاضاً في الأعلى وضيقاً في الأسفل، فيما تتألف الصدرية من رداء قصير مفتوح من جهته الأمامية، يغطي الصدر والظهر فقط، وغالباً ما تُصنع الصدرية من قماش قطني أو من الحرير في موسم الصيف، ومن الجوخ الأسود أو الأزرق في موسم الشتاء بالنسبة للأغنياء.

من جهة أخرى، تتنوع الملابس الفلكلورية النسائية في سوريا وتتباين من منطقة لأخرى من حيث الألوان،وطرق الزخرفة والتطريز.

من الملاحظات المهمة أيضاً، أن الأزياء النسائية عبرت عن بعض الأوضاع الاجتماعية والحضارية، فعلى سبيل المثال، اعتادت المرأة المتزوجة في دمشق  ارتداء غطاء للرأس يعرف بـ "البخنق" وهو عبارة عن قطعة قماش سوداء رقيقة تغطي بها المرأة عنقها وصدرها، في حين اعتادت النساء الريفيات ارتداء غطاء رأس مختلف يعرف بـ "البرقع".

وفي السنوات السابقة، حظيت الملابس التقليدية بسوريا بقدر وافر من الاهتمام. في يوليو 2008، أُقيم معرض للأزياء الشعبية في إدلب.

وفي يوليو 2019، تم تنظيم المهرجان السنوي الأول للأزياء الفلكلورية في الحسكة شمال شرقي سوريا، عُرضت فيه نماذج متباينة من الأزياء التقليدية التي تنتمي للكرد والعرب والسريان والشركس.

 

الدول المغاربية

تعرف الدول العربية المغاربية تنوعاً كبيراً في أزيائها التقليدية. ففي تونس، توجد "الجبة"، وهي عبارة عن سترة طويلة دون أكمام يتم ارتداؤها فوق قميص وسترة وبنطال فضفاض. و"البرنس" ويشبه العباءة الطويلة والفضفاضة ولكنه دون أكمام.

و"الملية أو الحِرام" وهو الزي الشعبي الذي ترتديه العرائس في الجنوب الشرقي التونسي، و"السفساري" وهو عباءة بيضاء اللون، بشكل عام، تحتفي تونس بأزيائها الفلكلورية، وتخصص الدولة السادس عشر من مارس فى كل عام لإحياء اليوم الوطني للملابس التقليدية.

على الجانب الآخر، تشترك كل من الجزائر والمغرب في العديد من الأزياء التقليدية المعروفة. منها على سبيل المثال، "الكندورة"، وهو لباس فضفاض وقصير، بأكمام قصيرة، يرتديه الرجال في فصل الصيف عادة، و"القفطان" الذي تعود أصوله إلى القرن الثاني عشر ميلادي. ويتميز بالتطريز اليدوي كالرباطي نسبة إلى مدينة الرباط أو الفاسي نسبة إلى فاس في المغرب، كما أنه ينتشر في الجزائر أيضا.

هذا، فضلاً عن "الملحفة" التي ترتديها النساء في المنطقة الصحراوية في البلدين، وهي عبارة عن ثوب واحد طويل. وتلتف حول الجسد بعد أن يتم ربطها عند الكتفين، وتتباين أشكالها من حيث الألوان والزركشة.

بشكل عام، ارتبطت العديد من الأزياء التقليدية المغاربية بإثارة الجدل. ومنها لباس "الحايك" الذي يرجع إلى أصول أندلسية قديمة، وينتشر في مناطق مختلفة من المغرب والجزائر.

في الحقبة الاستعمارية، ارتبط الحايك برمزية وطنية، وقد  كانت النساء تخبئن تحته الأسلحة لتوصيلها للمقاومين. وفي مارس 2023، تسبب الحايك في إثارة الجدل بين المغرب والجزائر على مواقع التواصل الاجتماعي، ووقع ذلك عندما تجولت مجموعة من النساء المغربيات في مدينة طنجة وهن يرتدين الحايك للاحتفال بعيد المرأة، وأثار ذلك غضب الجزائريين، الذين رأوا أن "وسائل الإعلام المغربية نسبت ثوب الحايك للمغرب"، وهو برأيهم "ليس منها".

في السياق نفسه، تسبب "القفطان" في إثارة مشكلة إعلامية كبيرة بين المغرب والجزائر، وذلك بعدما صرح وزير الثقافة الجزائري الأسبق، عز الدين ميهوبي، بأن الجزائر ستتقدم بملف لمنظمة اليونسكو لإدراج القفطان لباسا تقليديا جزائريا محضا، ما أثار غضب المغرب التي تعتبر أن لها أيضاً دورا في إخراج زي القفطان إلى العالمية.