تأسس أول نادٍ للمرأة العراقية عام 1923.

خاضت المرأة العراقية نضالاً طويلاً من أجل نيل حقوقها، وهو نضال تعدّدت جبهاته، فهو ضد السلطة المعادية لحقوق المرأة، وضد العادات والتقاليد الاجتماعية التي أعاقت تطورها في شتى المجالات.

وخلال مسيرة النضال الطويلة برزت المئات من الناشطات العراقيات في شتى المجالات. في هذا التقرير نستعرض مسيرة عدد من الناشطات الذي فتح نضالهن الباب أمام نيل العراقيات المزيد من الحقوق.  

 

"مدرسة زهرة".. عندما تلكأ الانتداب

 

شهد العام 1899، افتتاح أوّل مدرسة للإناث في العراق، وهي مدرسة "إناث رشدية مكتبي" في بغداد. ورغم "تقاليد المجتمع العراقي وعاداته المترسخة التي كانت ترى في خروج الفتاة من بيتها من أجل التعليم أمراً يؤدي إلى إفسادها"، كما يورد علي الوردي، في كتابه"دراسة في طبيعة المجتمع العراقي"، عُدّ افتتاح المدرسة نقطة انطلاق في حركة تعليم الإناث تبعها توسع محدود في إنشاء مدارس الإناث خلال فترة الحكم العثماني.

في سنة 2021، ما يزال 72 بالمئة من العراقيين المستطلعة آراؤهم يوافقون على الرأي القائل إن "الرجل أفضل من المرأة في القيادة السياسية".
من "تعليم البنات" إلى "المشاركة السياسية".. كيف تطورت حركة تحرير المرأة العراقية؟
في سنة 1899، نشر المفكر المصري قاسم أمين كتابه الشهير "تحرير المرأة". دعا أمين في الكتاب للاهتمام بتعليم المرأة المصرية، وطالب بتحريرها من الأغلال التراثية التي قيدتها وعطلت نهضتها. بعد ذلك بسنوات قلائل، صدرت بعض الدعوات المماثلة في أرض الرافدين. ما هي أهم تلك الدعوات؟ وكيف انخرطت المرأة العراقية في السلك التعليمي في عشرينات القرن العشرين؟ وما هي أهم المحطات التي مرت بها العراقيات في طريقهن للمشاركة الاجتماعية والسياسية؟

تعتبر زهرة خضر من الرائدات الأُولَيات في الدفاع عن تعليم الإناث. وفي مواجهة تلكؤ حكومة الانتداب البريطاني في الرد على الدعوات التي وجهتها مع عدد من السيدات لإنشاء مدارس للفتيات، أقدمت في العام 1918، على تأسيس مدرسة خاصة، بلغ عدد الطالبات المنضمات إليها نحو 40 طالبة.

وصفت خطوة زهرة خضر بـ"الثورة". وفي الوقت الذي قوبلت فيه بالإعجاب والتشجيع، تعرضت للنقد من قبل المجتمع المحافظ الذي كان يتماهى مع موقف حكومة الانتداب غير المتحمسة لتعليم الفتيات، والتي لم تقدم بدورها أي دعم يذكر لـ"مدرسة زهرة"، وفقاً لكتاب "رائدات الحركة النسوية في العراق".

استمر الوضع على حاله حتى عام 1920، عندما اضطرت حكومة الانتداب لإنشاء مدرسة رسمية للإناث استجابة للمطالبات التي لم تتوقف، إلى جانب ما شكلته "مدرسة زهرة" من إحراج.

بعد تأسيس المدرسة الرسمية أغلقت زهرة مدرستها وانضمّت إلى الكادر التعليمي، لتواصل إلى جانب المعلمات في المدرسة الجديدة النضال من أجل التوسع في إنشاء مدارس الإناث، وهو ما استجابت له حكومة الانتداب التي شَرعت في تأسيس مدارس الإناث في مختلف محافظات العراق.

 

بولينا حسون.. "على طريق نهضة المرأة العراقية"

 

صدر العدد الأوّل من مجلة "ليلى" في 15 أكتوبر 1923، مؤسسة بذلك لنشوء الصحافة النسوية في العراق، على يد بولينا حسون.

نشطت بولينا قبل إصدار المجلة في الحياة العامة، حيث كانت من العضوات المؤسسات لنادي "النهضة النسائية" الذي أعلن عن ولادته في 24 نوفمبر 1923، وبرزت صاحبة صوت عالٍ في الدفاع عن حقوق المرأة والمطالبة بمساواتها مع الرجال في جميع المجالات والمشاركة الكاملة للمرأة في بناء العراق ونهضته.

اختزلت بولينا أفكارها وموافقها تجاه قضية تحرير المرأة في شعار المجلة الذي كان "على طريق نهضة المرأة العراقية"، كما جاءت موضوعات المجلة منسجمة مع الخط التحريري الذي حمله الشعار، فدعت مقالاتها إلى منح المرأة حقوقاً سياسية مساوية للرجال، وانتقدت ضعف المشاركة الاقتصادية للمرأة، كما فتحت النار على بعض العادات الاجتماعية التي تؤثر سلباً على نهضة المرأة وتهضم حقوقها.

يصف أستاذ التاريخ الحديث في جامعة الموصل، إيراهيم العلاف، الفترة التي ظهرت فيها مجلة "ليلى" بأنه "بالغة الصعوبة"، حيث احتدم الصراع بين المدافعين عن الالتزام بالحجاب وخلعه.

تعرضت لولينا حسون إلى حملة شديدة قادها محافظون رفضاً لطروحات المجلة،  ما أدى في النهاية إلى توقف المجلة بعد عامين من الصدور. ومع توقفها توقفت الصحافة النسائية في العراق لنحو 15 عاماً، حتى صدر في عام 1936 العدد الأوّل من مجلة "المرأة الحديثة".

 

الجمعيات النسوية.. فتاوى التحريم تعيق النضال

 

يعود تاريخ تنظيم العمل النسوي في العراق إلى العام 1923، حين أسست الناشطة أسماء الزهاوي أوّل نادٍ للمرأة العراقية، وهو "نادي النهضة النسائية"، الذي كان محل ترحيب المجددين وغضب المحافظين الذين وصل بهم الأمر في بعض الأحيان إلى التهديد والوعيد بالقتل.

وفيما حدد النادي أهدافه بتعليم الفتيات الأميات، وخياطة الملابس للنساء الفقيرات، وتربية الفتيات اليتيمات، إلا أنه خاض نضالاً كبيراً في سبيل تحرير المرأة ومساواتها مع الرجال، كما أعلن انحيازه الصريح إلى دعوات نزع الحجاب.

أصبح النادي الجهة التمثيلية للمرأة العراقية في المحافل العربية، فشارك في المؤتمر النسائي العربي  الذي عقد في مصر عام 1929 برسالة تشرح واقع المرأة العراقية والصعوبات التي تعيشها في نضالها ضد التعصب الذكوري.

بعدها بعام شارك النادي في المؤتمر النسائي الشرقي الأول في دمشق ممثلا بالعضوين أمينة الرحال ( أول سيدة عراقية تحصل على رخصة قيادة سيارة وأوّل محامية عراقية)، وجميلة الجبوري.

وكان العام 1932 فارقاً في تاريخ النادي، فهو العام الذي استضاف فيه العراق المؤتمر النسائي العربي، والعام الذي شهد إغلاقه أيضا بأمر من الملك فيصل الأول.

قرار الإغلاق جاء في أعقاب اجتماع عقده وفد من رجال الدين مع الملك، عدوا فيه إنشاء النادي أمراً مخالفاً لتعاليم الدين الإسلامي، فما كان منه إلا الموافقة على طلبهم وتصدير أمر الإغلاق.  

شكل القرار ضربة كبيرة للحركة النسوية في العراق، وانتصاراً للتيار المحافظ الذي واصل وضع العراقيل أمام محاولات العراقيات تنظيم أنفسهن، قبل أن يشهد عام 1944، عودة العمل النسوي المنظم من خلال تأسيس الاتحاد النسائي العراقي، الذي استكمل مسيرة "نادي النهضة النسائية".

 

جلثومة العارضيّة.. "صوت المرأة ثورة"

 

عندما اندلعت ثورة العشرين في العراق ضد الاحتلال البريطاني، لم تمنع الطبيعة العشائرية المحافظة من لعب المرأة العراقية دوراً في الثورة. ورغم أنها لم تلعب دوراً مباشراً في المعارك، إلا انها تحملت  أعباء الإسناد وإعداد المؤونة وبعض عمليات الرصد والاستطلاع.

إلى جانب تلك الأدوار، برز دور المرأة في شحذ همم المقاتلين من خلال الأشعار والأهازيج الثورية، ومن أبرز النساء في هذا المجال كانت جلثومة العارضيّة التي لقبت بـ"شاعرة ثورة العشرين الكبرى".

رافقت جلثومة المقاتلين إلى ساحات المعارك التي شارك فيها زوجها وأولادها الثلاثة. ووفقاً لكتاب "رائدات الحركة النسوية في العراق"، فإنها كانت تقف في ساحة المعركة وتنشد أشعاراً حماسية لحثّ الثوار على الاستبسال في القتال.

وحتى بعد مقتل زوجها واثنين من أولادها في المعارك، لم تتوقف جلثومة عن مرافقة المقاتلين وحثّهم على مواصلة القتال ضد الاحتلال.

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

من تظاهرة في بغداد رافضة للتعديلات المقترحة على قانون الأحوال الشخصية- تعبيرية
من تظاهرة في بغداد رافضة للتعديلات المقترحة على قانون الأحوال الشخصية (8-8-2024)- تعبيرية

على خلفية انتقادها التعديلات المطروحة على قانون الأحوال الشخصية العراقي، تعرضت المحامية قمر السامرائي لحملة إهانات و"تسقيط" بشخصها وكرامتها وأنوثتها وسيقت بحقها اتهامات عديدة تقول سامرائي إنها كلها "مفبركة وغير صحيحة والهدف منها النيل من سمعتي وإسكاتي".

الغضب من سامرائي أتى بعد تصريحات تلفزيونية أدلت بها المحامية العراقية في برنامج حواري اتهمت فيها الساعين إلى تعديل قانون الأحوال الشخصية بأنهم يطبقون الشريعة الإسلامية فقط عندما يتعلق الأمر بالمرأة وحقوقها، ولا يطبقونها في باقي المسائل. 

وأضافت السامرائي "إذا كان الهدف تطبيق الشريعة الإسلامية في العراق، فلا داعي بعد الآن للمحاكم والقضاء المدني".

الملفت في النقاش حول قضية قانون الأحوال الشخصية، وفي نقاشات أخرى، أن الناشطات يتحولن إلى هدف لـ"التسقيط" الشخصي والإساءة والتنمر، بدل مواجهة الرأي بالرأي المضاد. 

ويتعرض كثير من معارضي مقترح تعديل القانون لاتهامات بـ"الابتعاد عن الدين"، و"التشكيك بالشرف"، أو بأنهم "أبناء السفارات"، كما جرى اتهام الناشطات بأنهن "ممثلات مبتذلات وراقصات".

السامرائي تقول في حديث مع "ارفع صوتك" حول ما تعرضت له "من المؤسف أنهم (تقصد المشرّعين الذين يحاولون تعديل قانون الأحوال الشخصية) يطبقون الدين بما يناسبهم، ويتخذون من الإسلام غطاءً لتحقيق أجنداتهم السياسية".

وتتابع: "ليس لديهم أي حجج للإجابة على الحجة بالحجة، بل هم يكررون سرديات خطيرة من مثل تشريع زواج القاصرات".

وترى السامرائي أن الحملة عليها ليست بسبب اعتراضها على تعديل قانون الأحوال الشخصية، بل يتعدى ذلك إلى موقفها من ملفات أخرى بينها قانون العفو العام.

تثق السامرائي بأن القانون العراقي قادر على حمايتها، مشيرةً إلى أنها ستتقدم بشكاوى قضائية لملاحقة مَن يقف وراء الحسابات الوهمية التي عملت على تشويه سمعتها، وستطالب بتعويضات مالية.

وهي تعتقد أن "الميليشيات الولائية وراء الحملة عليها"، مردفةً "لا أخشى التهديدات بالأذى الجسدي التي وصلتني، لأنني أؤمن أن حياتي بيد الله.. وأفضل أن أموت بطلة لا جبانة" على حد تعبيرها.

في الوقت نفسه، لا تتوقع السامرائي أن تنجح المساعي لإقرار التعديلات المطروحة على قانون الأحوال الشخصية، لأن الاعتراضات عليها كبيرة جداً داخل المجتمع العراقي.

تشرح الناشطة الحقوقية رؤى خلف لـ"ارفع صوتك" آلية عمل المجموعات والحسابات الوهمية المنظمة التي تهاجم الناشطات: "هذه المجموعات تقوم في أحيان كثيرة باقتطاع أجزاء من مقابلات مع الناشطات منزوعة من سياقاتها، ثم توزيعها ونشرها عبر حسابات وهمية على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تقوم الآلاف من هذه الحسابات بتسقيط الناشطات والتعرض لهنّ بشكل شخصي".

تحكي خلف عن تجربتها الشخصية: "قامت مجموعات مماثلة بنشر مقاطع لي مع تنسيبي، بسبب رأيي، إلى حزب البعث أو أي من المسميات الأخرى المكروهة اجتماعياً". 

وهذا الأمر، كما تقول خلف، تتعرض له معظم الناشطات بسبب آرائهن المتحررة والمعارضة للمنظومة الحاكمة.

"لذلك يجب دعم النساء عندما يتعرضن لهذا النوع من الحملات، لأن الناشطات في هذه الحالات يأخذن على عاتقهن شجاعة قول الحق مع معرفتهن المسبقة بالثمن المترتّب عليه، وإدراكهن لمخاطر الحملات التي سيتعرضن لها مع عائلاتهن بالنتيجة" تتابع خلف.

Iraqis Shiite Muslim worshippers gather outside the of Imam Moussa al-Kadhim shrine, who died at the end of the eighth century,…
كان "سابقاً لعصره".. خلفيات إقرار قانون الأحوال الشخصية العراقي 1959
أعاد النقاش حول قانون الأحوال الشخصية في العراق إلى الواجهة، الظروف الاجتماعية والسياسية التي أدت إلى صدور القانون المعمول به حالياً في عام 1959، خصوصاً بعد المطالبة بتعديله من قبل نوّاب من كتل سنيّة وشيعية في البرلمان.

من جهتها، تفنّد الناشطة الحقوقية أنسام البدري لـ"ارفع صوتك" أسباب تعرّض النساء العراقيات المتحررات اللواتي ينادين بحقوق الإنسان وحقوق المرأة، دائماً لحملات ممنهجة من قبل جهات نافذة وأصحاب أموال، وذلك ببساطة "بسبب وقوفنا في وجه مواقفهم وتصرفاتهم ضد النساء وحقوقهن في بلدنا" بحسب تعبيرها.

تعطي البدري مثالاً على ذلك "محاولتهم الأخيرة تعديل قانون الأحوال الشخصية الحالي الذي يعتبر من القوانين الرصينة، وأحد المكاسب القليلة للمرأة في العراق، وهو من أفضل القوانين في المنطقة".

وتبيّن: "على خلفية موقفنا من هذه التعديلات تعرضتُ على الصعيد الشخصي لحملات تسقيط شبيهة للتي تعرضت لها المحامية قمر السامرائي، وشاركتْ فيها للأسف إحدى النائبات التابعات لأحد الأحزاب الداعمة للتعديلات على القانون، بسبب معارضتي لتعديل المادة ٥٧ من قانون الأحوال الشخصية المتعلقة بالحضانة".

"هذه الحملات صعبة جداً على الصعيد النفسي وآثارها مدمرة"، تقول البدري، والسبب أنه "يصعب التعامل معها بسهولة خصوصا إذا أتت من حسابات وهمية".

الأمر بالنسبة للنساء في العراق لا ينتهي بانتهاء موجة التشويه و"التسقيط"، إذ يبقى أثرها يلاحقهن. 

تقول البدري "المجتمع محافظ ويرفض التغيير ويواجه أي آراء فيها شحنات من الحرية بالتنمر على أشكال أو ملابس او تبرّج الناشطات والدخول في حياتهن الشخصية، وليس هناك سند أو دعم لهن في مواجهة هذه الحملات".

وتؤكد غياب أي آلية قانونية تحمي حق الناشطات في التعبير عن آرائهن بحرية، وملاحقة من يتعرضون لهنّ عبر هذه الحملات، موضحةً "ليس هناك أي قوانين تحمي المدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان، لكننا بدأنا التأقلم مع هذا النوع من الحملات، ونتوقع ردود الفعل بعد أي ظهور إعلامي نقوم به في قضايا تتعلق بحرية النساء أو حقوق الإنسان".

في ختام حديثها، تؤكد خلف "هم يريدون بهذه الحملات أن يسكتونا، لكن لن نسمح لهم بذلك".