صورة أرشيفية من فيديو خاص بـ"أبعاد"، ضمن حملة احتجاجية ضد الاعتداء الجنسي على النساء
صورة أرشيفية من فيديو خاص بـ"أبعاد"، ضمن حملة احتجاجية ضد الاعتداء الجنسي على النساء

قد يخيل للبعض أن النسوية هي مرادف لدعم المرأة لبنات جنسها فقط، ولكن من قال إن الرجال لا يمكن أن يكونوا "فيمينست" (نسويين) أيضاً؟

بالعودة إلى التاريخ نكتشف على سبيل المثال كيف دعم الرجال في منتصف القرن التاسع عشر، حق المرأة في التصويت والترشح للانتخابات وعضوية هيئات المحلفين في المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأميركية.

وعلى الرغم من أن الاعتراف بهذا الحق لاقى بعض السخرية في البداية، تطور دعم الرجال بمختلف تسمياتهم ومراكزهم لحق المرأة في التصويت، على غرار الشاعر وولت ويتمان الذي تأثرت كتاباته، حسب دراسة لشيري جينيزا من جامعة كارنيغي ميلون (Carnegie Mellon University) بشخصيات النساء المناضلات من أجل الإصلاح وحقوق المرأة، مثل آبي هيلز وبولينا رايت ديفيس وإرنستين روز.

في ذلك الحين، لم يطلق على هؤلاء الرجال اسم "النسويين" الذي انتشر بعد ذلك بكثير ليرمز للرجال المنخرطين في الدفاع عن قضايا متعلقة بالمرأة.

وبشكل عام، عرفت الحركة النسوية موجتين: الأولى، التي شابها الكثير من التشرذم، والثانية كانت في الستينيات  والثمانينيات، التي تحول فيها التركيز ليشمل دور الرجال، لا بل وليضع ثقل المسؤولية كلها على كاهل الرجل.

أما اليوم، فيسعى المدافعون عن حقوق المرأة لإيجاد صيغة تحقق نوعا من التكامل وترسي العدالة بين الرجل والمرأة بشكل متكافىء دون أن يطغى أحدهم على الآخر حتى في سياق النضال.

واستطلع "ارفع صوتك" في هذا السياق، نشاط مؤسسة "أبعاد" التي تعمل على دعم المساواة بين الجنسين في لبنان، من خلال مقابلة مع ليلى علي حمدان، المسؤولة الأولى عن برنامج الاستجابة (senior response program lead) والحقوقي حسن جمعة، منسق مشاريع، يتمحور عمله حول نقاط التركيز التقني. 

 

إشراك الرجل حجر أساس

تقول ليلى حمدان: "نحاول من خلال عملنا تسليط الضوء على دور الرجل وانخراطه بإحدى أهم القضايا التي نناضل من أجلها ألا وهي حماية المرأة، كما نركز على الطريقة التي تتم حمايتها فيها. ولهذه الغاية، يستهدف عملنا شريحة واسعة، تضم على سبيل المثال لا الحصر، الفتيات والفتيان".

ومن خلال هذا التركيز، ينصب عمل "أبعاد" على "الدور الأساسي للرجل وعلى إشراكه في القضية التي تشكل حجر أساس لجهودنا"، بحسب حمدان.

وتشير إلى أن العمل مع شريحة من صغار السن ومن الجنسين على حد سواء "يساهم في تغيير العادات والتقاليد منذ الصغر وكسر الصور النمطية التي ترسخها الموروثات، وتحديدا حول الإرث البطريركي، الذي يضع الرجل في مكانة أعلى بكثير من المرأة ويحولها إلى تابع له". 

وتؤكد حمدان على "أهمية النشاطات التي تنقل النظرية المعقدة لتزيد طابعها العملي بشكل أكبر من خلال التطبيق"، مبينةً: "من ضمن النشاطات التي نقوم بها، مجموعة من التدريبات في سياق مركز مخصص للموارد مثلا الأمن العام اللبناني، حيث يتم إشراك المؤسسة في عملية حماية المرأة من النهج السائد والعنف القائم على أساس النوع الاجتماعي أو الجندر. كما خصصنا مركزا للرجال، يعتبر الوحيد والفريد من نوعه في منطقة الشرق الأوسط".

يفتح هذا المركز أبوابه أمام الرجال الذين يلجؤون إليه بسبب معاناتهم من "سلوك عنيف ومن مشاكل نفسية ويطلبون تلبيتهم لناحية الاستماع النفسي".

تشرح حمدان: "لاحظنا إقبالا كبيرا، خصوصاً في جلسات علاج الزوجين (couples therapy). ولاحظنا أن الإحالات إلى هذا المركز تزداد بشكل مستدام وعلى المدى البعيد بفضل التواصل".

من جهته، يؤكد حسن جمعة على كلام حمدان، مضيفاً: "في مجتمعاتنا، من السائد أن نرى الجمعيات التي عملت حصرا في السابق، على تمكين المرأة ومناصرة قضاياها وإدماجها في المجتمع. ولكن هذا تغيّر الآن، وما يميزنا هو أننا لمسنا من خلال عملية الرصد والتقييم أن المرأة تشعر بضرورة إدماج الرجل بالعملية".

ويتابع: "سمعنا المرأة مرارا وهي تقول (بتّ على يقين بحقوقي أو بما يتطلبه الأمر لأداء دوري، ولكني أصطدم بعقبة في المنزل كالعجز عن تطبيق النظرية.. بسبب حاجز ما في البيت، قد يكون الأب أو العم أو الأخ أو أحيانا الاخوة الصغار)، فقد نجد من الأولاد من يحاولون فرض آرائهم على أمهاتهم. ومن هنا، بدأ نهج إشراك الرجال للعمل في ظل مقاربة شاملة لحل المشاكل الاجتماعية".

"بالتالي، نحن نستهدف من خلال عملنا الرجال والنساء على حد سواء  لحل كل الفجوات في المجتمع"، يقول جمعة.

ويبيّن: "مراعاة المرأة وحمايتها تتطلب بناء مجتمع سوي يعترف فيه الرجل بالحاجة لتعلم احترام وجود المرأة و كيفية التعامل معها، والتغلب على المشاكل التي تتسبب بها الأنماط التي يعلّب فيه المجتمع أفراده".

من ناحية أخرى، يقول جمعة، إن الجمعيات "تستفيد من هذا الأمر لمساعدة الرجل نفسه، لأنه لاحقاً، لن يشكل حاجزاً أمام حقوق المرأة".

 

المجتمع ومقاومة النسويين

ليس من السهل بالنسبة للكثير من الرجال في مجتمعات مصطبغة بالذكورية، أن يكونوا نسويين.  يقول جمعة، إن "المشكلة الأساسية تتمثل في مقاومة المفاهيم والأفكار النسوية، على فرض أن جمعيات تمكين المرأة  تسعى لتسليم المجتمع للمرأة ولوضعه تحت سطوتها".

"بالتالي، يواجه النسويون خلال عملهم التدريبي مع الرجال نوعا من المقاومة، تماما كما يحصل مع النساء اللاتي يرفضن دعم بنات جنسهن أو الرجال الذين يرفضون الخوض في  قضايا الجندر والعنف الممنهج الذي لا يستهدف جندرا واحدا فحسب في كل الأحوال"، يضيف جمعة.

ويتابع: "لحلّ هذه المشكلة، يركّز التدريب على العنف الذي يواجهه الرجل ليس من الجمعيات كما يخيل له إنما من المجتمع. وهدفنا تحويل الرجال لعناصر فعالة وغير معيقة لتطور المرأة، إذ ينطلق التدريب من قصص يطرحها الرجال أنفسهم قبل التشعب للمواضيع الأكثر تعقيدا". 

مع ذلك، ليس من السهل اختراق كل المجتمعات، وتحديداً التي تصنّف الرجل النسوي في خانة "المثلية الجنسية أو الميل للتشبه بالنساء" على شكل تهمة، كما يقول جمعة.

ويوضح: "إذا تعذر الوصول للشباب، تركز الجمعيات التدريبات على الأشخاص المتواجدين على الأرض، والناشطين في المناطق نفسها، الذين يتولون نقل القيم للمستهدفين (ما بين 14 و30 عاما) بشكل غير مباشر وبمحاضرات أكثر شمولية، مع توخي إظهار أن الأشخاص الذين يصبحون عنيفين هم أشخاص نشأوا في محيط تغيب عنه التوعية الاجتماعية".

وتتمحور التدريبات حول المجالات التي تدور في فلك التشاركية بهدف الوصول إلى المساواة، وبرهنت الكثير من القصص نجاحها، على حد تعبير جمعة.

يقول: "بالنسبة لهؤلاء الناشطين، النسوية هي التحلي بالإنسانية للتعاطي مع الآخر بشكل عادل واحترامه بشكل سليم بغضّ النظر عن الجندر".

وتؤشر ليلى حمدان إلى نماذج من التدريبات مثل لعبة (سوا سوا)  وبرنامج (ر) أي رجل، قائلة "هذه البرامج، ترسخ المساواة بين الفتى والفتاة في البلد منذ التنشئة المبكرة، حيث يتعلم الفتى أن أخته ليست مجبرة على القيام بواجباته وهي تتعلم بدورها أن المساعدة صفة جيدة لكنها لا تعني أن رفض تلبية الطلب مستحيل، والعكس صحيح".

"ويقرّب ذلك عمل النسويين الذكور والإناث إلى العمل الحكيم الذي يتوخى من جملة أمور أخرى، لإنقاذ المرأة من خلال إنقاذ الرجل"، تؤكد حمدان في ختام حديثها مع "ارفع صوتك".

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

طفل وأبيه يتلقون العلاج بعد تعرض منطقتهم إلى هجوم كيمياوي في الغوطة الشرقية بسوريا
طفل وأبوه يتلقيان العلاج بعد تعرض منطقتهما إلى هجوم كيمياوي في الغوطة الشرقية بسوريا

قبل 11 عاماً، بالتحديد يوم 21 أغسطس 2013، نام سكّان بلداتٍ في غوطة دمشق على وقع قصف مدفعي وصاروخي اعتادوا على معايشته خلال شهور بعد خروج مناطقهم من سيطرة النظام السوري.

غير أن هذه الليلة لم تكن اعتياديةً كما في كل يوم، إذا كانت القذائف تُسبّب انفجاراتٍ وحرائق معروفة في المنطقة، بينما خرج السكان في مدن الغوطة الشرقية ومعضمية الشام في الغوطة الغربية، وهم يتنفّسون بصعوبة بالغة، لأن الهجوم هذه المرّة كان بالأسلحة الكيماوية.

كانت حصيلة 4 هجمات متزامنة، مقتل 1144 شخصا اختناقاً، منهم 1119 مدنياً بينهم 99 طفلا و194 سيدة، أما الذين قتلوا في صفوف مسلحي المعارضة، فكانوا 25.

تسببت الهجمات أيضاً بإصابة 5935 شخصاً بأعراض تنفسية وحالات اختناق، وفقاً لتقرير صادر عن الشبكة السورية لحقوق الإنسان.

ورغم أن الولايات المتحدة قادت آنذاك جهوداً لمحاسبة النظام السوري على استخدام غاز السارين ضد المدنيين، وتخطّيه "الخطوط الحمراء" في النزاع، إلا أن الملف انتهى بإجبار بشار الأسد على تفكيك مخزونه من السلاح الكيماوي، والتوقيع على اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، والانضمام إلى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، مع إصدار مجلس الأمن الدولي القرار 2118، الذي ينصّ على عدم تطوير أو تخزين أو نقل أو استخدام الأسلحة الكيميائية من أي طرف في سوريا، تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.

إلا أن منظمة حظر الأسلحة الكيماوية وثقت استخدام النظام السوري للأسلحة الكيماوية تسع مرات بعد حادثة الغوطة، إحداها هجوم وقع في الغوطة الشرقية نفسها في 7 أبريل 2018.

منظمة حظر الأسلحة الكيميائية: النظام السوري مسؤول عن هجوم الكلور في دوما
أثبت تحقيق أجرته هيئة مراقبة الأسلحة الكيميائية العالمية أن هناك "أسبابا معقولة للاعتقاد" أن القوات الجوية التابعة للنظام السوري أسقطت أسطوانتين تحتويان على غاز الكلور على مدينة دوما في أبريل 2018، ما أسفر عن مقتل 43 شخصا.

خطوات للمحاسبة

وفي ظل ما يعتبره الناجون من مجزرة الكيماوي في غوطة دمشق "إفلاتاً من العقاب" بالنسبة لمحاسبة النظام السوري على استخدام الأسلحة الكيماوية، بموجب حماية روسيا له داخل أروقة مجلس الأمن ومنع وصول الملف إلى المحكمة الجنائية الدولية، نتيجة الفيتو الروسي- الصيني، سعت منظمات حقوقية سورية إلى سلوك طرق بديلة في سبيل الحصول على حقوق الضحايا والناجين.

في عام 2020، تقدّمت كل من "مبادرة العدالة" و"مبادرة الأرشيف السوري" بالإضافة لـ"المركز السوري للإعلام وحرية التعبير"، بشكوى جنائية أمام الادّعاء العام الألماني ضد مسؤولين سوريين بينهم بشار الأسد، حول استخدام الأسلحة الكيماوية في عدة مناطق سورية، بينها الغوطة الشرقية.

كما تقدّمت المنظمات الثلاث عام 2021 بالدعوى نفسها أمام القضاء الفرنسي، مع إرفاقها بشهادات عدد من الناجين من هجمات السارين في الغوطة، وفي العام نفسه قدمت المنظمات ذاتها شكوى في السويد، لمحاسبة مسؤولين سوريين على استخدام غاز السارين في هجومين، الأول على الغوطة الشرقية عام 2013، والثاني على خان شيخون بريف إدلب عام 2017.

قادت التحقيقات في فرنسا إلى إصدار محكمة في باريس أربع مذكرات توقيف في نوفمبر 2023، بتهمة التواطؤ في جرائم ضد الإنسانية والتواطؤ في جرائم حرب، بشأن الهجمات الكيميائية القاتلة في الغوطة عام 2013، واستهدفت كلاً من الرئيس السوري بشار الأسد، وشقيقه المسؤول عن الفرقة الرابعة ماهر الأسد، وضابطين برتبة عميد، هما غسان عباس مدير الفرع "450" التابع لمركز الدراسات والبحوث العلمية السورية، وبسام الحسن الذي يعمل كضابط اتصال بين القصر الرئاسي السوري ومركز البحوث العلمية.

في يونيو الماضي، صدّق القضاء الفرنسي على مذكرة التوقيف نفسها، فيما يُعد هذا الحكم أبرز جهد في طريق محاسبة النظام السوري على شنّ هجمات كيماوية، رغم مطالبة مكتب المدّعي العام الوطني لمكافحة الإرهاب، بإلغاء مذكرة التوقيف ضد الأسد، بسبب الحصانة الشخصية للرؤساء أثناء وجودهم في السلطة.

من جهتها، أوصت الشبكة السورية لحقوق الإنسان كلاً من مجلس الأمن الدولي والأمم المتحدة بتطبيق البند السابع من الميثاق الأممي وفرض عقوبات سياسية واقتصادية وعسكرية ضد النظام السوري "كشكل من أشكال التعويض المعنوي لأُسر الضحايا"، مع التشديد على ضرورة إحالة الملف السوري إلى المحكمة الجنائية الدولية، ومحاسبة جميع المتورّطين.

" خيبة أمل كبيرة"

على حسابها الرسمي في فيسبوك، أصدرت "رابطة ضحايا الأسلحة الكيماوية" (أُنشئت عام 2021 من مجموعة من ذوي الضحايا والناجين)، عدّة  دعوات لتنفيذ وقفات وفعاليات في الداخل السوري وتركيا وأوروبا، تطالب بمحاسبة القيادات الأمنية والعسكرية لدى النظام السوري، جراء مجمل الهجمات الكيماوية، وعلى رأسها هجوم الغوطة الشرقية 2013، تحت شعار "معا لأجل حقوق الضحايا ومنع الإفلات من العقاب".

عقد و نيّف...

Posted by ‎رابطة ضحايا الأسلحة الكيميائية Association of Victims of Chemical Weapons‎ on Sunday, August 18, 2024

 

ورغم مرور 11 عاماً على المجزرة التي يعدها السوريون "الأكبر" خلال فترة الحرب، لا يزال ناجون وذوو ضحايا قضوا فيها، يعبّرون عن عدم تجاوزهم آثارها القاسية.

من بينهم وديان طرابلسي، وهي شاهدة عيان على مجزرة الكيماوي، تقول لموقع "ارفع صوتك" إن الإصابات الجسدية التي لحقت بالمتضرّرين يمكن تجاوزها خلال سنوات "غير أن الآثار النفسية لا تزال حاضرة".

وتعتقد أن المجتمع الدولي "لم يقم بواجباته القانونية والإنسانية تجاه محاسبة الأسد على ارتكاب هذه المجزرة" معبّرةً عن "خيبة أمل كبيرة" من الدول الغربية.      

الحاج زهير دبس، وهو ناج من مجزرة دوما، يقيم حالياً في مدينة عفرين شمال سوريا، يستبعد أن تتم محاسبة الأسد وفق المنظور الحالي، بسبب ما يسمّيه "تبدُّل المزاج الدولي تجاه الملف السوري".

ويقول لـ"ارفع صوتك" إن أسوأ ما حصل في الملف السوري "دمج التوافقات السياسيّة بالجرائم التي تم ارتكابها على مدى 13 عاماً، بالتالي فإن المجرم يمكن أن يعود مُرحّباً به وبريئاً من كل الانتهاكات"، على حدّ تعبيره.

يتابع زهير "بدلاً من محاسبة الأسد، تقوم بعض الدول العربية أو الغربية اليوم بالتطبيع مع القاتل، كأنها تغسل يديه من جميع الجرائم، وتقول للضحايا (حاولوا النسيان)".