في 21 مارس، من كل عام، تحتفي مجموعة من الدول العربية بعيد الأم (يوم الأم)، وفيه تبرز مظاهر الاندفاع الاستهلاكي والتنميط الجندري لدور الأم وحياتها.
وتختزل الهدايا التقليدية دور الأم بالرعاية المنزلية، متناسية أن وجودها كفرد ليس مرتبطا بالدور الذي يخصصه له المجتمع ولو كان دورا تصفه هي من ضمن أولوياتها.
الدول التي تحتفل بعيد الأم في 21 مارس: سوريا، جيبوتي، مصر، العراق، الأردن، الكويت، ليبيا، لبنان، موريتانيا، عُمان، فلسطين، قطر، الصومال، السودان، البحرين، الإمارات العربية المتحدة، اليمن، الجزائر".
تعلّق الكاتبة في شؤون الجندر، جودي الأسمر بالقول: "يترجم هذا التنميط بطريقتين، أولهما التسويق لعيد الأم، وثانيهما، تفاعل الأم نفسها".
"فيما يتعلق بالتسويق، تتضح صورة المرأة كأداة إنجابية ومطلعة بالدور الرعائي حصرا من خلال الرسائل التي تغرق الهواتف ومواقع التواصل الاجتماعي لتعرض بريق المكنسة الكهربائية والغسالة وجلاية الصحون وفرامة اللحم وسواها من الهدايا التي تذكر بالمكان الذي يرسم للمرأة في بيتها نفسه"، توضح الأسمر لـ"ارفع صوتك".
وتتابع: "في مقارنة بين يوم المرأة وعيد الأم، سنجد الأول يمر مرور الكرام على الرغم من كل المعاني الرمزية التي يحملها، بينما تستثمر الشركات كل يوم وبنسب كبيرة إعلاناتها لبيع المنتجات والخدمات في عيد الأم".
وتنتقد الأسمر بعض الشركات في لبنان، "التي تحتل قائمة المحتفلين بهذا العيد على الطرقات وفي العالم الافتراضي، بينما لا تقبل في الواقع توظيف النساء المتزوجات أو الأمهات خوفا من الأعباء الإضافية"، وفق تعبيرها.
وترى أن "أفضل هدية للأم في عيدها، التركيز على التشريعات التي تمنحها العدالة، كأن تتمكن في لبنان من منح جنسيتها لأبنائها، أو تتمتع بإنصاف في بعض البلدان حول العالم بإجازة أمومة لتهتم كما يجب بنفسها وبطفلها بعد الإنجاب، عدا عن المساواة في الأجور وقضايا أخرى تبرهن أننا ما زلنا على بعد أشواط من تكريم الأم كما تستحق ومن تحقيق المساواة على الصعيد الاجتماعي".
وهناك نمط آخر يظهر في عيد الأم، تشير الأسمر إليه، بالقول: "كم من مرة يمنح أحدهم والدته مبلغاً مالياً، فيراها تستثمره في مصروف البيت أو تنفقه على شيء يحتاجه أحد أولادها.. فالأم في مجتمعاتنا لم تتعلم أن اهتمامها بنفسها وحبها لما هي عليه ضروري لتستقيم الأسرة التي تشكل نواتها".
أمهات مضحيّات وأيضاً..
يحتفي أغلب الرجال والنساء بعيد الأم، بالأم "المثالية المضحيّة بكل شيء من أجل أبنائها"، ونرى توطيداً لهذه الفكرة في منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي كل عام، إلا أنه وبين كل تلك الجلبة من الاحتفاء، تظهر قصص خارج هذه الصورة المشعّة.
بالنسبة لتمارا، التي تحدثت لـ"ارفع صوتك"، مفضلة عدم الكشف عن اسمها الكامل، فإن "العلاقة مع أمها أبعد من الصورة السائدة".
تضيف "نحن لم نتخاطب يوما، ولا أذكر أنها تعرف شيئا عن تفضيلاتي. أحيانا أكره أني أشبهها في بعض التفاصيل، وجلّ ما أذكره انتقادها المستمر لخياراتي على مستوى الرفاق والعمل ثم شريك الحياة. لم أنج يوماً من الشعور بأن كل ما أقوم به لا يكفيها".
يندرج هذا التصوير للعلاقة حسب الكاتبة الأميركية بيغ ستريبو، مؤلفة كتاب عن العلاقة السامة بين الأم وابنتها "Daughter Detox: Recovering from an Unloving Mother and Reclaiming Your Life" في سياق السلوكيات التي تعتبر الفتيات أنها مدمرة للحياة.
ووفقا لستريب، تتسبب هذه السلوكيات بتفاعلات مؤلمة يصعب فهمها وإدارتها بالنسبة للفتيات، ومن الأمثلة عليها: "تجاهل ورفض إنجازات الأولاد باعتبارها غير هامة مثلا، فتكبر البنت لتعتقد أن احتياجاتها العاطفية ليست مهمة حقا، وتختبر شكاً مؤلما ينسيها أهميتها ككائن يستحق الحب".
" يُضاف إلى ذلك، السلوك الرفضي، حيث تتحول الأم لشخص عدواني خصوصا وأن رفضها للآخر قد لا يدفع الولد دائما للابتعاد إنما يزيد من توقه إليها، ولذلك يبدأ بجلد ذاته بالتزامن مع جلدها له، فيتساءل: لماذا لا تحبني أمي؟.. لماذا تتجاهلني؟ يترجم هذا التساؤل بمضاعفة الجهود إلى حد الإرهاق للحصول مثلا على درجات عالية في المدرسة، ظنا بأن نقص عاطفة الأم امتداد لنقص ما عند الأبناء"، كما تقول ستريب.
ومن السلوكيات التي تسمم العلاقة وفقا للكاتبة، المبالغة في السيطرة، حيث تلغي الأم أي فسحة للاختيار لدى الابنة وتستبدلها بخياراتها الخاصة، بحجة "أنها الأدرى بمصلحتها"، وتدير التفاصيل الدقيقة لحياتها، فترسخ شعورًا بعدم الأمان والعجز.
ومن الأمهات من يلحقن أحيانا دون إدراك منهن، ضررا كبيرا من خلال منح العاطفة للآخرين وقطعها عن أطفالهن.
يولّد هذا السلوك شعورا بالتخلي الذي يطارد الطفل ويمنعه من التعبير عن مشاعره مع تقدمه في السن. وتترك هذه السلوكيات الفتيات والأطفال بشكل عام تائقين لملء الفراغ العاطفي والبحث عن الأمومة في مكان آخر، فإما يجدون الخلاص في صورة الصديق وإما يتحولون فريسة للشعور الدائم بالحاجة لأداء دور الأم بالصورة المثالية.
ماذا تعني "المثالية"؟
لكن هل يعني هذا أن الأم يجب أن تكون مثالية؟ تبيّن جودي الأسمر، أنه "لا بد قبل كل شيء من وضع مفهوم المثالية تحت المجهر. فمن هو الذي يحدد معايير الأم المثالية؟ ربما أفضل طريقة لأداء دور الأمومة هي حب الذات والتمتع بالحياة لنقل هذه المحبة إلى الأطفال وإرشادهم لسبل العيش بسعادة".
وتطارد مسألة المثالية الأمهات اللاتي يسعين باستمرار لمضاهاة الأمهات الأخريات. على سبيل المثال، تقول سميرة (فضلت عدم كتابة اسمها كاملا)، وهي أم لثلاث أولاد: "أشعر بأني مقصرة مهما فعلت. أحيانا يعود ابني من المدرسة ويروي لي كيف أن أم صديقه ساعدته في المشروع المدرسي بينما اكتفيت أنا باعطاء الإرشادات. هل أخطأت في مكان ما؟ هل كان علي أن استثمر المزيد من الوقت معه؟".
وتضيف: "أعود وأفكر ربما قامت أم صديقه بإنجاز العمل عنه بينما هو نائم، أما نحن فاستمتعنا بإجراء البحث معا".
ولكن بغض النظر عن النتيجة، لم الدخول في المقارنات؟ توافق الباحثة الأسمر على أن "كل أم تمثل نموذجا يكفي لأبنائها ولو كان هذا النموذج هو ببساطة الروتين اليومي. الأم تصبح المثال لأبنائها. لذلك، فلتبدأ كل أم بتقدير نفسها كما هي، بعيوبها وبنقاط قوتها، فحين ترى صورتها المؤثرة، سيراها الآخرون كذلك".
