صورة لزينب زعيتر منتشرة على مواقع التواصل الإجتماعي
صورة للضحية زينب زعيتر منتشرة على مواقع التواصل الإجتماعي

بثماني رصاصات أردى اللبناني حسن موسى زعيتر زوجته زينب زعيتر (26 عاماً) أمام أطفالها الثلاثة.

والسبب، كما ذكرت منصة "شريكة ولكن" النسوية عبر حسابها على تويتر، أنه "لم يتحمل تلقيه لاتصال من مجهول يفيده عن خيانة زوجته له".

وانتقدت المنصة انطلاق "جوقة التبرير المجتمعي للمجرم بحجة أنه يعاني منذ زمن طويل من اضطرابات عصبية". الجريمة المروّعة هزّت الشارع اللبناني وتحوّلت إلى حديث منصات التواصل الاجتماعي، بعد انتشار فيديو لأقارب الضحية، بحضور أخيها، يؤكدون فيه على أن "حسونة (شقيق زينب) وحسن (زوجها) إخوة وشرف واحد. حسن غسل عاره وعار حسونة، والموضوع انتهى".

"إنهاء" الموضوع بهذه الطريقة، وضياع العدالة لزينب، وإفلات زوجها من العقاب، هو ما تخشى حصوله الناشطات النسويات في لبنان، خصوصاً أن الجريمة تترافق مع انهيار اقتصادي وتأزّم سياسي كبيرين في البلد. وهو ما يسمح بحسب الناشطة النسوية والمتخصصة في شؤون الجندر هند حمدان، بـ"زيادة العنف ضد الأقليات والفئات الضعيفة في المجتمع ومن ضمنها النساء".

وتضيف حمدان أن الانهيار لحق بجميع مؤسسات الدولة، خصوصاً القضاء والقوى الأمنية، حيث "شهدنا إفلاتاً من العقاب في قضايا أكبر مثل تفجير مرفأ بيروت". لكن هذا الأمر "لا يجب أن يؤدي إلى عدم وضع قضية مقتل زينب في رأس سلم الأولويات، خصوصاً أن العدالة في هذه القضية تواجه ثلاثة مستويات يمكن لها أن تلعب دوراً في حماية القاتل وإفلاته من العقاب، كما تشرح حمدان لـ"ارفع صوتك".

المستوى الأول، حسب الناشطة اللبنانية، هو النظام الذكوري الذي لا يزال مسيطراً على مفاصل السياسة والأمن والقضاء، والمستوى الثاني هو العشيرة التي أعلنت في الفيديو المنتشر "انتهاء الموضوع"، والمستوى الثالث هو الحديث عن "اضطراب عصبي" يعاني منه القاتل.

وكل هذه الأشياء، حسب هند حمدان، محاولات لوضع هذه الجريمة في "إطار فردي" وعزلها عن الإطار المجتمعي الذي حصلت فيه "للتخفيف من وطأة الحدث على الجمهور وتجنيب قوى المنظومة المساءلة".

صورة
جرائم قتل النساء تتكرر وحلول تصطدم بحواجز القانون والمجتمع
ازدادت في الآونة الأخيرة جرائم قتل النساء في عدة دول عربية، ومنها الجريمتين الأخيرتين بحق طالبتين جامعيتين في مصر والأردن، الأولى قتلت ذبحا والثانية بالرصاص، بالإضافة إلى جريمة أخرى هزت الرأي العام المصري، وهي قتل المذيعة شيماء جمال على يد زوجها القاضي الذي تم القبض عليه.

وحتى الآن،  ليست هناك رواية رسمية لما حدث، لكن القوى الأمنية اللبنانية أكدت لموقع "الحرة" أن الزوج القاتل "فرّ مصطحباً أولاده الثلاثة إلى جهة مجهولة"، مشيرة إلى أنها "فتحت تحقيقاً بالحادث في حين لم يتقدم أهل الضحية حتى الساعة بشكوى ضد حسن".    

وتتخوف الناشطة اللبنانية ومديرة جمعية FE-MALE حياة مرشاد من أن يمكن الغطاء العشائري الزوج من الإفلات من العقاب.

"العشائر قائمة على سلطة الرجال"، تقول مرشاد. وتضيف: "كلمة الرجال هي الكلمة العليا". وهذا يعزز بحسب الناشطة اللبنانية من "إمكانية الإفلات من العقاب بغطاء عشائري ومباركة من أهل الضحية كما شهدنا مع شقيقها. وللأسف هذا هو الخوف الأساسي في قضية زينب".

وعلى الرغم من أن ما يسمى بـ"جرائم الشرف" ألغيت من القانون اللبناني منذ عام 2011، إلا أن مرشاد تشير إلى أن "هذا العذر لا يزال موجوداً ويستخدم إلى جانب عذر الاضطرابات العصبية والأمراض النفسية".

وترى الناشطة اللبنانية في حديث مع "ارفع صوتك" أن تكرار جرائم قتل النساء هو "نتيجة طبيعية للتراخي في قضايا قتل النساء التي لا يزال أغلبها عالقاً في المحاكم وكثير منها شهدت أحكاماً مخففة لصالح القتلة، كما شهدنا في حالات إفلاتاً تاماً من العقاب، وبقي القتلة أحرارا يعيشون حياتهم بشكل عادي في لبنان أو خارجه".

وتتابع مرشاد أن قضية مقتل زينب زعيتر تمثل "جرس إنذار" جديدا يحذر من السكوت عن ملفات قتل النساء داخل الأسرة التي يفترض أن تكون "مكاناً آمناً للنساء.. لكن للاسف معظم التقارير تشير إلى أن الأسرة هي أخطر مكان للنساء لأن كل ما يحدث داخل الأسرة يصنّف تحت خانة الخاص، الأمر الذي يعقّد مسألة المحاسبة، خصوصاً في قضايا الاعتداءات الجنسية والعنف الأسري".

ولا تخفي مرشاد قلقها على مصير أطفال زينب ووضعهم النفسي، وقد شهدوا مقتل أمهم أمامهم، وهم الآن برفقة أبيهم القاتل في مكان مجهول.

وكانت منظمة "كفى" قد أكدت لموقع "الحرة" إحصاءها حوالي 18 جريمة قتل نتيجة العنف الزوجي العام الماضي.

هذا العدد من الجرائم المتكررة "لا يجب أن يجعل من قضايا قتل النساء مسألة عادية وغير مستغربة، ولا يجب أن تمرّ هذه الجريمة ولا غيرها مرور الكرام" تقل هند حمدان.

بدورها، تقول مرشاد إن "المطلوب اليوم المزيد من التشدد في جرائم قتل النساء وأن تتوقف جوقة التبرير للقاتل". وقد حان الوقت "لوقف التسامح مع قتل النساء وأن نضع القوى الأمنية والقضاء والدولة كلها أمام مسؤولياتها في هذا الخصوص لتحقيق العدالة لزينب وغيرها من ضحايا العنف الأسري".  

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

من تظاهرة احتجاجية في العاصمة العراقية بغداد حول تعديلات مقترحة على قانون الأحوال الشخصية
من تظاهرة احتجاجية في العاصمة العراقية بغداد حول تعديلات مقترحة على قانون الأحوال الشخصية- تعبيرية

 في مكتبها وسط العاصمة العراقية بغداد، تجتمع المحامية مروة عبد الرضا مع موكلها الشاب العشريني وزوجته (ابنة خالته)، اللذين يسعيان لتوثيق زواجهما المنعقد خارج المحكمة لصغر سن الزوجة (13 عاما)، وهي طالبة في السادس الابتدائي بمنطقة المدائن على أطراف العاصمة بغداد.

تقول عبد الرضا لـ"ارفع صوتك": "لا يمكن الحديث عن الزواج المبكر من دون أن يتم ربطه بشكل مباشر بالزواج خارج المحاكم لأنهما مرتبطان ببعضهما البعض".

بعد اكتشاف حمل الفتاة، قررت العائلة توكيل محام لتقديم طلب توثيق العقد. تضيف عبد الرضا "الإجراءات الحكومية بسيطة وغير معقدة في مثل هذه الحالات، فالقاضي يجد نفسه أمام الأمر الواقع بسبب حمل الفتاة، فيتم تصديق العقد وفرض غرامة أقصاها 250 ألف دينار على الزوج (نحو 150 دولاراً)".

الزيجة التي تشير إليها المحامية "ليست الأولى ولن تكون الأخيرة" على حدّ تعبيرها، "بل هي حالة اجتماعية متوارثة لاعتقاد سائد أن الرجل يرتبط بفتاة صغيرة ليقوم بتربيتها على ما يحب ويكره، لكن النتيجة كثيرا ما تكون سلبية بحسب القضايا التي تشغل أروقة المحاكم ونراها بشكل يومي. فالفتاة التي تتزوج بعمر الطفولة غير قادرة على استيعاب العلاقة الزوجية، وفي كثير من الحالات يكون الأمر أشبه بالاغتصاب".

تتحدث عبد الرضا عن ارتفاع كبير بنسب الطلاق في المحاكم العراقية: "كثير منها يكون نتيجة الزواج المبكر وتدخّل الأهل بسبب صغر أعمار الطرفين وهو ما يؤثر بشكل كبير على العلاقة الزوجية".

وتشير إلى أنه كثيرا ما يتم التزويج "لعدم وجود فتيات في منزل العائلة للرعاية والعمل المنزلي، فيكون مطلوب منها القيام بأعمال الكبار وهي بعمر الطفولة، وهذا أكبر من قدرة أي فتاة صغيرة".

ما تكشف عنه عبد الرضا تؤيده إحصاءات مجلس القضاء الأعلى، ففي شهر يوليو الماضي كان هناك 2760 عقد زواج خارج المحكمة، و1782 حالة طلاق خارج المحاكم و4562 حالة بتّ فيها، بعد رفع دعاوى قضائية.

وينقل المجلس الأعلى في أحد تقاريره عن القاضي عماد عبد الله قوله إن المحاكم العراقية "شهدت ارتفاعاً ملحوظاً في حالات الطلاق. وأهم الأسباب ترجع إلى حالات الزواج المبكر التي تفتقر لمتابعة الأهل، وعدم توفر الاستقرار المالي الذي يسمح بإنشاء أسرة بالإضافة إلى التأثر بالسوشيال ميديا".

A woman holds up a sign reading in Arabic "the marriage of minors is a crime in the name of safeguarding (honour)", during a…
"خارج السرب".. رجال دين يعارضون تعديلات "الأحوال الشخصية"
مع أن طرح التعديلات على قانون الأحوال الشخصية العراقي لعام 1959، يحظى بدعم كبير من غالبية رجال الدين الشيعة والسنة في العراق، إلا أن بعض رجال الدين من الطائفتين، غردّوا خارج السرب وسجّلوا مواقف معارضة للتعديلات على القانون.

تداعيات الزواج خارج المحاكم

تتحدث شابة فضّلت عدم الكشف عن اسمها لـ"ارفع صوتك" عن سنوات طويلة حُرمت فيها من أبسط حقوقها، فلم تتعلم القراءة والكتابة، ولم تنل رعاية صحية لائقة، فقط لأن زواج أمها المبكر وإنجابها لها وهي في عمر صغير، جعلها من دون أوراق ثبوتية.

"تزوجت والدتي بعقد خارج المحكمة بعمر صغير، وانفصلت بعد أشهر قليلة عن والدي لعدم انسجامهما معاً، لتكتشف حملها بي"، تروي الشابة.

وضعت الأم حملها وتزوجت مرة ثانية، ورزقت بالمزيد من الذرية. تبين: "لم يتم إصدار أوراق ثبوتية لي، فحُرمت من التعليم ومن الرعاية الصحية، وكنت أحياناً استعين ببطاقة شقيقتي الأصغر للحصول على العلاج في المستشفيات".

توفيت والدتها التي قابلناها لصالح تقرير سابق قبل ثلاث سنوات، وفي أوائل العام الحالي وهي بعمر 23 عاماً تزوجت الشابة بعقد خارج المحكمة، واليوم تسعى لاستخراج هوية الأحوال المدنية لتوثيق زواجها "لا أريد أن تتكرر مأساتي مع أطفالي أيضاً".

من جهته، يقول المحامي خالد الأسدي لـ"ارفع صوتك" إن قضايا الزواج والطلاق خارج المحكمة في أغلبها تكون "بسبب صغر عمر الزوجة أو للزواج الثاني، كون القضاء يطلب موافقة الزوجة الأولى، ونتيجة لذلك أصبح لدينا جيش صغير من الأطفال غير الموثقين رسمياً والمحرومين من أبسط الحقوق".

الزواج المبكر كما يشرح الأسدي "لا يقتصر على الإناث فقط بل يشمل الذكور أيضاً، فقانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 اعتبر سن الثامنة عشرة هو سن الأهلية القانونية لإجراء عقد الزواج".

القانون ذاته وضع استثناءات، يفنّدها الأسدي "فقد منح القاضي صلاحيات تزويج من أكمل الخامسة عشرة من العمر وقدم طلباً بالزواج، وفق شروط تتعلق بالأهلية والقابلية البدنية التي تتحقق بتقارير طبية وموافقة ولي الأمر". 

ستابع الأسدي "هذا الاستثناء لا يشجع زواج القاصرين قدر تعلق الأمر بمعالجة حالة اجتماعية بطريقة قانونية تتيح فيه القرار للسلطة القضائية".

مع ذلك، فما كان مقبولاً في الفترة التي تم تشريع القانون بها، لم يعد مقبولاً في الوقت الحالي؛ كون المسالة تتعلق برؤية اجتماعية جديدة فيها جوانب اقتصادية وتغيرات اجتماعية كبيرة شهدها العراق خلال العقود الستة الأخيرة، بحسب الأسدي.

 

قصص

لم تكن أم علي تتجاوز 14 عاماً حين تم تزويجها إلى ابن عمها، كان ذلك أواخر تسعينيات القرن الماضي. واليوم تواجه "مشكلة"، إذ تم الاتفاق - دون رغبة الأم- على تزويج ابنتها البالغة من العُمر 14 سنة.

عدم رغبة الأم هي نتيجة مباشرة لما تعرضت له خلال رحلة زواجها الطويلة. تقول أم علي لـ"ارفع صوتك": "صحيح أنني أمتلك عائلة وأبناء وبنات أصبح بعضهم بعمر الزواج. لكن، لا أحد يتحدث عن مرارة الرحلة".

وتوضح "أنا وزوجي كنا بعمر متقارب ومن عائلتين فقيرتين. بعد زواجي بشهر واحد حملت بطفلي الأول.. كنا مجرد طفلين نعتمد على مصروف يوفره والده، أو أعمال متقطعة في مجال البناء، ولم يأت الاستقرار إلا بعد عشر سنوات حين تطوع في الجيش، وأصبح لديه راتب ثابت وبات قادراً على الإنفاق".

على الرغم من عدم رغبتها بخضوع ابنتها للتجربة ذاتها، تقول أم علي "التقاليد والأعراف لا تسمح لنا بذلك، لا أريد لابنتي أن تواجه المصير ذاته ولكن ليس بيدي حيلة وليس لنا رأي".

على عكس حكايتها، تقول أم نور  إن أحداً لم يجبرها على الزواج حين كانت بعمر السادسة عشرة، مردفة "كل فكرتي عن الزواج كانت ترتبط برغبتي بارتداء فستان أبيض، وأن الجميع سيرقصون من حولي، لكن سرعان ما اكتشفت أنّي لم أكن مؤهلة لتكوين عائلة".

في العراق كما تشرح أم نور وهي على أعتاب الستين " كثيراً ما يكون الزواج مبكراً، ودون أن تكون هناك فكرة حقيقية عن المسؤولية ومدى قدرتنا على تحملها، أو تربية أطفال والتعامل مع بيئة جديدة مختلفة عن التي تربينا فيها بعد الانتقال إلى منزل الزوجية".

أفكار نمطية                       

الموروث الثقافي كما يرى أستاذ الاجتماع رؤوف رحمان يلعب دوراً كبيراً فيما يتعلق بالزواج المبكر للإناث والذكور بشكل عام في العراق.

يقول لـ"ارفع صوتك" إن البيئة العراقي التقليدية "تربّي الفتاة على أنها غير مؤهلة لإدارة شؤونها، فيكون مصيرها مرهوناً بقرار العائلة التي تفضّل تزويجها مبكرا لأنها مرغوبة اجتماعياً ومطلوبة للزواج ما دامت صغيرة في السن، وتقل حظوظها كلما تقدمت في العُمر".

في حالات كثيرة يذكرها رحمان "تسعى الفتيات للارتباط حين تفتقد الأسرة إلى الانسجام، أو للتخلص من العنف الأسري والفقر، خصوصاً ضمن العائلات الممتدة والريفية أو في أحيان أخرى للحصول على مهرها".

ويرى أن الزواج المبكر في العراق يرتبط أيضاً "بالعنف والصراعات والحروب المستمرة، فعدم الاستقرار الأمني يدفع العوائل لتزويج الفتيات بعمر مبكر للتخلص من مسؤوليتهن".

أما في ما يتعلق بالزواج المبكر للذكور، فيشير رحمان إلى وجود "فكرة خاطئة مفادها أن تزويج الذكر بعمر صغير يقيه من الانحراف أو الوقوع في المشاكل عندما يكون مسؤولاً عن زوجة وأطفال بعمر مبكر".

كل هذه التقاليد والأعراف النمطية المتوارثة تشكّل بحسب رحمن "مواطن الخلل في المجتمع، فنحن اليوم بحاجة إلى ثقافة مختلفة تماماً، في زمن تغيرت طبيعة الحياة فيه من ريفية بسيطة إلى مدنية معقدة، غزتها وسائل التواصل وغيرت الكثير من أساليب العيش وسط أزمة اقتصادية خانقة وزيادة مرعبة بأعداد السكان".

جزء من الحل كما ترى المحامية مروة عبد الرضا، يكمن في "تثقيف الشباب من الإناث والذكور عن الحياة الزوجية والمسؤولية المترتبة عن إنشاء أسرة عبر دروس ضمن مناهج وزارة التربية، ومحاضرات من الباحثين الاجتماعيين ضمن المحاكم العراقية قبل عقد القران، لتأهيل وتوعية المقدمين على الزواج".