صورة من مسلسل "حريم السلطان" التركي الذي ذاع صيته في العالم العربي، وتعرض لحياة السلطانة هويام- تعبيرية
صورة من مسلسل "حريم السلطان" التركي الذي ذاع صيته في العالم العربي، وتعرض لحياة السلطانة هويام- تعبيرية

تمكنت عشرات النساء المسلمات من الاستحواذ على أقدار متفاوتة من السلطة والحكم في المجتمعات اللاتي عشن فيها، الشيء الذي لاقى استهجاناً حيناً، وقبولاً من العامة حيناً آخر.

في هذا المقال، نستذكر أبرز الأسماء التي لمعت في تاريخ الخلافة الإسلامية، وكيف حاولن البقاء في السلطة والاستحواذ عليها أما كل طامع بها.

 

الخيزران

كانت  الخيزران جارية، اشتراها الخليفة العباسي الثالث محمد بن عبد الله المهدي، من اليمن، وأحبها بشدة، ما دفعه لإعتاقها والزواج بها، لتصبح السيدة الأولى في البلاط.

حظيت بمكانة مُعتبرة في هرم السلطة العباسية، واعتادت أن تدير بعضاً من شؤون الدولة، وتتصل بالقادة والوزراء.

ولمّا توفي زوجها وآل الحكم لابنها موسى الهادي، حاولت الخيزران أن تنتهج النهج ذاته. يقول ابن جرير الطبري في كتابه "تاريخ الرسل والملوك"، إنها "أرادت أن تسلك به -موسى الهادي- مسلك أبيه من قبله في الاستبداد بالأمر والنهي…".

رفض الهادي مشاركة أمه في أعمال الخلافة والحكم، فاضطرت أن تدبر مؤامرة للتخلص منه. يورد  الطبري: "دست إليه من جواريها لمّا مرض من قتله بالغم والجلوس على وجهه".

بعد ذلك، وقفت الخيزران بجوار ابنها الثاني هارون الرشيد، وعملت على مشاركته الحكم، لكنها سرعان ما توفيت سنة 789 ميلادية، بعد عامين فقط من وفاة الهادي.

 

تركان خاتون

يرجع نسب تركان خاتون إلى سلالة ملوك القراخانيين الذين حكموا بلاد ما وراء النهر في القرن الحادي عشر الميلادي.

وكنوع من أنواع المصالحة السياسية مع الدولة السلجوقية، تم تزويج تركان خاتون من ولي العهد السلجوقي جلال الدولة ملك شاه الذي لم يكن قد بلغ التاسعة من عمره بعد، وكان عمرها هي 12 عاماً، بحسب مصادر عدة.

تمكنت تركان خاتون من إحكام قبضتها على مفاصل الدولة السلجوقية، ما عرضّها لنقمة الوزير الفارسي الأشهر نظام الملك الطوسي، الذي انتقدها بشكل مبطن في كتابه "سياست نامة" فقال: "إن كل من يجعل النساء قيمات على الرجال يستحمل وحده جرم أي خطأ أو انحراف؛ لأنه هو الذي سمح بذلك وتخطى العادة المتبعة".

في سنة 485 هجرية، تخلصت تركان خاتون من الوزير بعد أن دبرت مؤامرة لاغتياله.

وظهرت سلطتها عقب وفاة زوجها. يذكر ابن الجوزي في كتابه "المنتظم في تاريخ الملوك والأمم"، أنها "كانت حازمة حافظة شهمة... زمت الأمور حين وفاة السلطان وحفظت أموال السلطان فلم يذهب منها شيء…".

وسرعان ما عملت تركان خاتون لكي يصل ابنها الصغير محمود لسدة الحكم، يقول ابن الأثير في كتابه "الكامل في التاريخ": "لما مات السلطان ملكشاه كتمت زوجته تركان خاتون موته، وأرسلت إلى الأمراء سراً فأرضتهم، واستحلفتهم لولدها محمود، وعمره أربع سنين وشهور، وأرسلت إلى الخليفة المقتدي في الخطبة لولدها أيضاً. فأجابها، وشرط أن يكون اسم السلطنة لولدها، والخطبة له....".

رغم كل تلك الترتيبات، تعرضت تركان خاتون للهزيمة أمام أبناء زوجها (من زوجته الثانية زبيدة خاتون) الطامحين للوصول للعرش، وتوفيت بعدها عام 487 هـ.

 

الملكة أروى

ولدت أروى بن أحمد عام 444 هـ، وكان أبوها واحداً من كبار الدعاة الإسماعيليين في اليمن. ولما مات كفلها الملك علي الصليحي وزوجته أسماء بنت شهاب، وزوجوها من ابنهما وولي العهد المكرم أحمد بن علي الصليحي.

يذكر عمارة اليمني في كتابه "تاريخ اليمن"، أن المكرم أحمد لما أصيب بالشلل فوض زوجته في إدارة شؤون الدولة: "لمّا توفيت أسماء بنت شهاب، والدة المكرم، فوض الأمر لزوجته الملكة أروى، فقامت بالأمر وحدها واستعفته في نفسها، وقالت، إن المرأة التي تُراد للفراش لا تصلح لتدبير أمر، فدعني وما أنا بصدده".

تمكنت أروى من تدبير أمور الدولة لنحو أربعين عاماً، ولعبت دوراً مهماً في رفع المستوى الاقتصادي للشعب اليمني من خلال العمل على حفر الترع والقنوات، والاهتمام بحركة التجارة وتبادل السلع والبضائع مع الموانئ الهندية.

انهارت الدولة الصليحية بوفاة أروى عام 532 هـ، وبقيت ذكرى تلك المرأة حاضرة في الوجدان اليمني عبر القرون، وأُطلق عليها العديد من الألقاب، منها "بلقيس الصغرى"، و"السيدة الحرة"، و"أول ملكة في تاريخ الإسلام".

 

شجرة الدر

يوجد اختلاف كبير حول أصول عصمة الدين أم خليل، الملقبة بـ"شجرة الدر". يذكر المؤرخ تقي الدين المقريزي في كتابه "السلوك في معرفة دول الملوك"، أنها كانت أرمينية أو تركية، بيعت كجارية إلى الملك الصالح نجم الدين أيوب حاكم مصر، فأعتقها وتزوجها، وظلت إلى جواره أثناء التصدي لقوات الحملة الصليبية السابعة، ولما مات نجم الدين أثناء القتال أخفت أمر وفاته وقادت الجيش الأيوبي للنصر، وأرسلت في طلب توران شاه بن نجم الدين أيوب ليتولى العرش.

قدم توران شاه إلى مصر واصطدم بكبار المماليك فقتلوه، واختاروا شجرة الدر لتتولى الحكم. يقول المقريزي: "وَهَذِه الْمَرْأَة شجرة الدّرّ هِيَ أول من ملك مصر من مُلُوك التّرْك المماليك… وخطب لَهَا على مَنَابِر مصر والقاهرة وَنقش اسْمهَا على السِّكَّة…".

أثار اختيار شجرة الدر لحكم مصر استياء الخليفة العباسي المستعصم بالله، وبحسب بدر الدين العيني في كتابه "عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان"، أرسل الخليفة إلى كبار المماليك رسالة جاء فيها "إن كانت الرجال قد عدمت عندكم فأعلمونا حتى نسيّر إليكم رجلاً".

عندها اضطرت شجرة الدر أن تتنازل عن الحكم للأمير عز الدين أيبك وتزوجته، لكنها استمرت محتفظة بمقاليد الأمور والسلطة. يقول ابن تغري بردي في كتابه "النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة" معبراً عن ذلك الحال "كانت مستولية على أيبك في جميع أحواله، ليس له معها كلام…".

ولمّا شعرت شجرة الدر أن زوجها يعمل على تهميشها، دبرت مؤامرة فقتلته، ولكن سرعان ما لاقت عاقبة فعلها عندما أمرت الزوجة الأولى لأيبك جواريها بقتل شجرة الدر، فقمن بضربها بالقباقيب على رأسها ثم ألقين بجثمانها من أعلى سور قلعة الجبل، ولم تُدفن إلا بعد مرور عدة أيام سنة 1257.

 

ساتي بيك

هي ابنة الإيليخان المغولي محمد أولجايتو، حاكم إيران وأذربيجان في النصف الأول من القرن الرابع عشر الميلادي.

ولدت ساتي بيك في تبريز عام 1300، وتمكنت من الوصول للسلطة بعد وفاة أبيها. كان معظم إخوانها من الذكور قد ماتوا في حياة أبيهم، ولم يتبق من أبناء أولجايتو إلا ساتي بيك وأخيها أبي سعيد بهادر.

تعرضت الدولة للكثير من الاضطرابات والقلاقل بعد فترة حكم قصيرة لبهادر الذي مات بالطاعون، وفي عام1339 حاولت ساتي بيك أن تضع حداً للفوضى الضاربة في شتى أنحاء الدولة الإيليخانية، فأعلنت نفسها حاكمة للدولة وساندها بعض أعوانها في ذلك.

يتحدث طه الراوي في كتابه "بغداد مدينة السلام" عن استيلاء ساتي بيك على الحكم فيقول "هي أول مرة تكون فيها بغداد خاضعة لمملكة تملكها امرأة، وخطب لها على المنابر في بغداد وغيرها".

مارست ساتي بيك الحكم بشكل فعلي لشهور معدودة، وضُربت باسمها السكة المعدنية في تلك الفترة، ولكن سرعان ما انتهت قصتها بعدما أجبرت على الزواج من أحد أحفاد هولاكو، وتنازلت عن العرش، كما يقول محمد التونجي في كتابه "معجم أعلام النساء".

 

السلطانة هويام

اسمها الأصلي أناستازيا أو روكسِلانا. ولدت عام 1502 في إحدى نواحي أوكرانيا، وبيعت كجارية إلى السلطان العثماني سليمان القانوني، فأحبها حباً شديداً، حتى أنه أعتقها وتزوجها بعد أن دخلت في الإسلام.

تمتعت السلطانة هويام بنفوذ كبير داخل البلاط العثماني، ودخلت في العديد من الصراعات مع رجال القصر والحكم. على سبيل المثال دبرت هويام إحدى المؤامرات لإعدام عدوها اللدود الصدر الأعظم إبراهيم باشا، كما أوقعت بين السلطان سليمان وابنه وولي عهده الأمير مصطفى، ولما قام السلطان بإعدام ولي العهد، نجحت خطة السلطانة عندما تم تعيين الأمير سليم -ابن هويام- في هذا المنصب الرفيع.

ينقل المستشرق الأميركي برنارد لويس في كتابه "إستنبول وحضارة الخلافة الإسلامية" عن سفير النمسا في الدولة العثمانية قوله المعبر عن السلطة الواسعة التي استحوذت عليها السلطانة هويام في البلاط العثماني: "..ولكنه -السلطان سليمان القانوني- كان مغرماً بزوجته وحبه المتزايد لها جعله يقتل ابنه مصطفى. وحتى هذه النقيصة تنسب عادة إلى غلبتها عليه بجمالها الخلاّب وإكسير الحب، ومن المؤكد أنه بعد أن اختارها لتكون زوجته الشرعية لم يلامس أي امرأة أخرى مع أن شريعتهم لم تمنعه من ذلك".

توفيت هويام في أبريل سنة 1558.

 

السلطانة كوسم

اسمها الحقيقي هو أنستازيا، وعُرفت أيضا باسم "ماه پيكر" أي وجه القمر. ولدت كوسم في اليونان عام 1590، ووصلت إلى القصر العثماني كجارية. ولما شغف السلطان العثماني الرابع عشر أحمد الأول بحبها أعتقها وتزوجها.

استحوذت السلطانة كوسم على بعض السلطة في حياة زوجها، ولمّا توفي عملت على تعيين أخيه مصطفى الأول في منصب السلطان، وأرادت بذاك أن تستغل حالة الاضطراب العقلي التي كانت تنتاب مصطفى، لتحكم قبضتها على السلطة.

بعد ثلاثة شهور فقط، تم عزل السلطان مصطفى وفشلت خطة كوسم، وعُيّن عثمان الثاني بن أحمد الأول، كسلطان جديد على الإمبراطورية العثمانية.

توارت كوسم لفترة قصيرة، لتعود مجدداً إلى الساحة السياسية عقب انقلاب الجيش الإنكشاري على عثمان الثاني.

في عام 1623 عُين ابنها مراد الرابع سلطاناً جديداً، وتولت هي الوصاية عليه لفترة طويلة، ولمّا توفي مراد عام 1640 حافظت كوسم على نفوذها من خلال وصول ابنها الآخر إبراهيم الأول للحكم.

يذكر المؤرخ التركي يلماز أوزتونا في كتابه "تاريخ الدولة العثمانية"، أن الصدام وقع بين السلطان إبراهيم الأول وأمه السلطانة كوسم، وأن السلطانة -التي رفضت الابتعاد عن أمور الحكم- دبرت للانقلاب الذي أطاح بحكم ابنها عام 1648، وبعدها عيّنت حفيدها محمد الرابع في منصب السلطنة، وتولت الوصاية عليه لبضع سنوات. 

وفي سبتمبر 1651، توفيت السلطانة كوسم مخنوقة بسبب مؤامرة دبرتها لها أم السلطان محمد الرابع.

لم يمنع حب كوسم للسلطة من مشاركتها في الأعمال الخيرية، تذكر الدكتورة ماجدة صلاح مخلوف في كتابها "الحريم في القصر العثماني"، أنها "عُرفت بأعمال الخير، وبمساعدتها الكبيرة للفقراء والمساكين. كما أوقفت أموالاً طائلةً على سداد ديون الغارمين، وتزويج الفتيات الفقيرات، والإنفاق على تجهيز الحجاج القاصدين مكة". 

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

نساء كرديات سوريات يرتدين الزي التقليدي خلال الاحتفال بـ"يوم اللباس الكردي" في مدينة القامشلي ذات الأغلبية الكردية في محافظة الحسكة شمال شرق سوريا.
نساء كرديات سوريات يرتدين الزي التقليدي خلال الاحتفال بـ"يوم اللباس الكردي" في مدينة القامشلي ذات الأغلبية الكردية في محافظة الحسكة شمال شرق سوريا.

تعرف المجتمعات العربية تنوعاً عرقياً ودينياً فريداً من نوعه، إذ تعيش في المنطقة مجموعات متباينة من العرب والأكراد والتركمان والأمازيغ فضلاً عن طوائف متنوعة من الزرادشتيين والمندائيين والأيزيديين والمسيحيين واليهود الذين يعيشون بجانب المسلمين السنة والشيعة. تميزت تلك المجموعات بأزياء وملابس شعبية متوارثة على مر القرون، حتى دخلت في تشكيل هويتها الجمعية.

ما هي أهم الملابس والأزياء التقليدية المعروفة في المنطقة العربية؟ وكيف ارتبطت تلك الأزياء بالهوية والذاكرة؟

 

العراق والخليج

توجد العديد من الملابس التي ارتبطت ببعض المجموعات العرقية المعروفة في العراق. فعلى سبيل المثال يُعدّ العنصر الكردي أحد المكونات الرئيسة في التركيبة السكانية العراقية، ويتميز الأكراد ببعض الأزياء القومية التي يحرصون على ارتدائها في المناسبات الخاصة.

يمكن تقسيم الزي الذي يلبسه الرجل الكردي إلى نوعين: الأول ويطلق عليه "بشم وبركير" وهو منتشر بشكل واسع بين الكرد في كل من تركيا وسوريا وأجزاء من العراق، ويتألف من قطعتين من اللون ذاته، الجاكيت والسروال، ويكونان فضفاضين، ويُستعمل معهما قماش يُلف على الوسط ويُطلق عليه "شوتك" وغطاء للرأس يسمى "جمداني". تُصنع تلك الأزياء من صوف الخراف والماعز، بشكل عام. وتُلون بالأسود، والأبيض، والأزرق، والبني، والرمادي.

أما النوع الثاني فيُطلق عليه اسم "كورتك وشروال"، ويتكون هو الآخر من قطعتين: جاكيت وسروال، وحزام للوسط مع غطاء للرأس، وهو يستعمل الأقمشة المستعملة في صناعة الملابس الغربية.

 أما المرأة الكردية فيتكون زيها التقليدي من دشداشة طويلة، ذات كمين طويلين يرتبطان بذيلين مخروطيين طويلين أيضاً يسميان في اللغة الكردية بـ"فقيانة". وفي الغالب تخاط هذه الدشداشة من قماش شفاف ذي خيوط حريرية ناعمة الملمس ومطرزة بأنواع مختلفة من المنمنمات. تحت هذه الدشداشة ترتدي المرأة الكردية قميصاً داخلياً رقيقاً وحريرياً، لكنه ذو لون داكن وغير شفاف ليصبح بمثابة خلفية عاكسة للدشداشة الشفافة، أما الجزء العلوي من هذا الزي فإنه مؤلف من سترة قصيرة جداً بلا أكمام.

تعرف بلاد الرافدين أيضاً مجموعة من الأزياء التقليدية التي ارتبطت ببعض المناطق والأقاليم. في كتابه "الملابس الشعبية في العراق"، يسلط الباحث وليد الجادر الضوء على ذلك النوع من الملابس.

يصف الجادر ملابس البدو وسكان الأرياف بالبسيطة. وتتألف في العادة من السروال والدشداشة، ويُرتدى فوقهما العباءة المنسوجة من الوبر، والتي تكون -في أغلب الأحيان- باللونين الأبيض والأسود، بالإضافة إلى الكوفية والعقال المصنوع من الوبر، أما نساء البدو فيرتدين العباءة الصوفية، وفي وسطها حزام صوفي خشن عريض، ويزين نهايته بأهداب أو شراشيب.

يختلف الحال في مناطق البصرة وجنوبي العراق وبعض أنحاء الخليج. ترتدي النساء في تلك الأنحاء "الزي الهاشمي"، وهو عبارة عن ثوب من قماش رقيق جداً وواسع الأكمام والأطراف، يُلون عادة باللون الأسود. ويُحلى بأشكال مرسومة من خيوط الذهب. ويُرتدى في مناسبات الأعياد والاحتفالات، كذلك ترتدي المرأة البصرية العباءة، وكانت تُعرف قديماً بالجزية أو المبرد، وهي تغطي الجسم من الكتف، وتصاحبها "الشيلة" وهي غطاء للشعر ترتديه النساء تحت العباءة.

أيضاً، تُعدّ "الصاية" من الأزياء الشعبية العراقية المشهورة، وتتكون الصاية من ثوب طويل مفتوح من الأمام، وغالباً يكون دون أكمام وهو عبارة عن صدرين وظهر. يلتف صدر الثوب الأيمن على الصدر الأيسر.

في دراسته "الأكسية والألبسة الشعبية في مدينة سامراء خلال القرن العشرين"، يوضح الباحث بكر عبد المجيد محمد بعض الأزياء الفلكلورية التي عُرفت في مناطق وسط العراق، ومنها "الدميري"، وهو لباس خاص بكبار الرجال، يشبه السترة إلا ان ردنيه عريضتان، وفي نهاية كل ردن فتحة بمقدار خمسة عشر سنتمترا. وهو على نوعين: المطرز والعادي بلا تطريز. أما "الزخمة" فهو لباس يشبه السترة إلا إنه من غير أكمام، وفي مقدمته ستة أزرار تكون أشكالها حسب الطلب، فضلاً عن "السروال"، وهو من الملابس الشعبية، ويشبه البنطلون، والعامة من سكان سامراء يسمونه "شروال".

 

مصر

تذكر الباحثة علا الطوخي إسماعيل في دراستها "الأزياء فى الثقافة الشعبية" أن هناك علاقة وطيدة بين الأزياء الشعبية المصرية من جهة، والعادات والتقاليد المتوارثة التي عرفتها حضارة وادي النيل من جهة أخرى.

من هنا، فإن الأزياء الشعبية المصرية صارت أحد العلامات الفارقة في الفلكلور المصري المتوارث على مر القرون.

بشكل عام، تُعرف "الجلابية" باعتبارها الزي المصري التقليدي للرجال في المناطق الريفية في الدلتا والصعيد، وهي عبارة عن رداء طويل وفضفاض له أكمام طويلة، وهي دون ياقة ولها فتحة رقبة مستديرة، وبشق طويل من الأمام بدون أزرار، وتلبس فوقها الشيلان البيضاء والملونة.

في السياق نفسه، يتكون الزي التقليدي للمرأة المصرية من 3 طبقات يسمونه بـ "التزييرة". عرفت الطبقة الأولى باسم "السبلة"، وهي جلابية واسعة وأكمامها طويلة تلبسها المرأة فوق ملابس المنزل كي تغطيها تماماً، والطبقة الثانية قطعة قماش تغطي بها رأسها وأكتافها اسمها "الحبرة". أما القطعة الثالثة فهي "اليشمك"، وكانت تستخدم في إخفاء الوجه، ويغلب الظن أن المصريين استعاروا اليشمك من العثمانيين.

ومن الملاحظات المهمة أن أشكال الأزياء الشعبية المصرية اختلفت من منطقة لأخرى. ففي سيناء تأثرت الملابس بروح البداوة والترحال، ولذلك اعتمد الرجل في ملابسه على الأزياء العربية التقليدية مثل الغترة، والعقال، والبشت، والعباءة، بينما اعتادت المرأة ارتداء ثوب أسود فضفاض طويل محاط بحزام مطرز يحكم منطقة الوسط ويعلو رأسها وشاح أسود أيضاً يغطي جسدها بالكامل مع وجود برقع على الوجه مزين بالحلي.

في محافظة مطروح تأثرت الأزياء الشعبية بنمط الملابس المنتشر في شرقي ليبيا. في هذا السياق، اعتاد الرجال على ارتداء "المَلِف" ويتكون من قطعتين من الصوف المطرز يدوياً، وهو عبارة عن "سدرية"، وهي صدرية بلا أكمام وبلا أزرار وسروال واسع يرتدى تحت الثوب. يختلف الوضع في الإسكندرية والمدن الساحلية في شمالي مصر.

وكان من الشائع أن يرتدي الرجال ملابس الصيادين المكونة من السروال الأسود الفضفاض والقميص الأبيض، فيما اعتادت النساء  ارتداء الجلباب والملاية اللف التي لا تزال تُباع حتى الآن في أسواق بعض الأحياء الشعبية في الإسكندرية.

 

سوريا

يلقي الباحث عبد العزيز حميد صالح الضوء على الملابس التقليدية السورية في كتابه "الأزياء عند العرب عبر العصور المتعاقبة"، فيقول: "يمكن القول إن الأزياء الشعبية التراثية التقليدية في سوريا كانت خلال القرون الثلاثة أو الأربعة الأخيرة منوعة أكثر مما كانت عليه في أي إقليم عربي آخر، فكانت لكل مدينة كبيرة في هذه البلاد ملابسها المتميزة ببعض الخصائص التي قلما نجدها في المدن السورية الأخرى".

بحسب صالح، تتألف الملابس التقليدية السورية الرجالية من القميص والصدرية والسروال فضلاً عن مجموعة مختلفة من أغطية الرأس التي تتباين أشكالها من مدينة إلى أخرى، وفي العادة، يُلون القميص باللون الأبيض، ويكون قصيراً، وبكمين طويلين يصلان إلى مفرق الرسغ. أما السروال فيكون فضفاضاً في الأعلى وضيقاً في الأسفل، فيما تتألف الصدرية من رداء قصير مفتوح من جهته الأمامية، يغطي الصدر والظهر فقط، وغالباً ما تُصنع الصدرية من قماش قطني أو من الحرير في موسم الصيف، ومن الجوخ الأسود أو الأزرق في موسم الشتاء بالنسبة للأغنياء.

من جهة أخرى، تتنوع الملابس الفلكلورية النسائية في سوريا وتتباين من منطقة لأخرى من حيث الألوان،وطرق الزخرفة والتطريز.

من الملاحظات المهمة أيضاً، أن الأزياء النسائية عبرت عن بعض الأوضاع الاجتماعية والحضارية، فعلى سبيل المثال، اعتادت المرأة المتزوجة في دمشق  ارتداء غطاء للرأس يعرف بـ "البخنق" وهو عبارة عن قطعة قماش سوداء رقيقة تغطي بها المرأة عنقها وصدرها، في حين اعتادت النساء الريفيات ارتداء غطاء رأس مختلف يعرف بـ "البرقع".

وفي السنوات السابقة، حظيت الملابس التقليدية بسوريا بقدر وافر من الاهتمام. في يوليو 2008، أُقيم معرض للأزياء الشعبية في إدلب.

وفي يوليو 2019، تم تنظيم المهرجان السنوي الأول للأزياء الفلكلورية في الحسكة شمال شرقي سوريا، عُرضت فيه نماذج متباينة من الأزياء التقليدية التي تنتمي للكرد والعرب والسريان والشركس.

 

الدول المغاربية

تعرف الدول العربية المغاربية تنوعاً كبيراً في أزيائها التقليدية. ففي تونس، توجد "الجبة"، وهي عبارة عن سترة طويلة دون أكمام يتم ارتداؤها فوق قميص وسترة وبنطال فضفاض. و"البرنس" ويشبه العباءة الطويلة والفضفاضة ولكنه دون أكمام.

و"الملية أو الحِرام" وهو الزي الشعبي الذي ترتديه العرائس في الجنوب الشرقي التونسي، و"السفساري" وهو عباءة بيضاء اللون، بشكل عام، تحتفي تونس بأزيائها الفلكلورية، وتخصص الدولة السادس عشر من مارس فى كل عام لإحياء اليوم الوطني للملابس التقليدية.

على الجانب الآخر، تشترك كل من الجزائر والمغرب في العديد من الأزياء التقليدية المعروفة. منها على سبيل المثال، "الكندورة"، وهو لباس فضفاض وقصير، بأكمام قصيرة، يرتديه الرجال في فصل الصيف عادة، و"القفطان" الذي تعود أصوله إلى القرن الثاني عشر ميلادي. ويتميز بالتطريز اليدوي كالرباطي نسبة إلى مدينة الرباط أو الفاسي نسبة إلى فاس في المغرب، كما أنه ينتشر في الجزائر أيضا.

هذا، فضلاً عن "الملحفة" التي ترتديها النساء في المنطقة الصحراوية في البلدين، وهي عبارة عن ثوب واحد طويل. وتلتف حول الجسد بعد أن يتم ربطها عند الكتفين، وتتباين أشكالها من حيث الألوان والزركشة.

بشكل عام، ارتبطت العديد من الأزياء التقليدية المغاربية بإثارة الجدل. ومنها لباس "الحايك" الذي يرجع إلى أصول أندلسية قديمة، وينتشر في مناطق مختلفة من المغرب والجزائر.

في الحقبة الاستعمارية، ارتبط الحايك برمزية وطنية، وقد  كانت النساء تخبئن تحته الأسلحة لتوصيلها للمقاومين. وفي مارس 2023، تسبب الحايك في إثارة الجدل بين المغرب والجزائر على مواقع التواصل الاجتماعي، ووقع ذلك عندما تجولت مجموعة من النساء المغربيات في مدينة طنجة وهن يرتدين الحايك للاحتفال بعيد المرأة، وأثار ذلك غضب الجزائريين، الذين رأوا أن "وسائل الإعلام المغربية نسبت ثوب الحايك للمغرب"، وهو برأيهم "ليس منها".

في السياق نفسه، تسبب "القفطان" في إثارة مشكلة إعلامية كبيرة بين المغرب والجزائر، وذلك بعدما صرح وزير الثقافة الجزائري الأسبق، عز الدين ميهوبي، بأن الجزائر ستتقدم بملف لمنظمة اليونسكو لإدراج القفطان لباسا تقليديا جزائريا محضا، ما أثار غضب المغرب التي تعتبر أن لها أيضاً دورا في إخراج زي القفطان إلى العالمية.