صورة من مسلسل "حريم السلطان" التركي الذي ذاع صيته في العالم العربي، وتعرض لحياة السلطانة هويام- تعبيرية
صورة من مسلسل "حريم السلطان" التركي الذي ذاع صيته في العالم العربي، وتعرض لحياة السلطانة هويام- تعبيرية

تمكنت عشرات النساء المسلمات من الاستحواذ على أقدار متفاوتة من السلطة والحكم في المجتمعات اللاتي عشن فيها، الشيء الذي لاقى استهجاناً حيناً، وقبولاً من العامة حيناً آخر.

في هذا المقال، نستذكر أبرز الأسماء التي لمعت في تاريخ الخلافة الإسلامية، وكيف حاولن البقاء في السلطة والاستحواذ عليها أما كل طامع بها.

 

الخيزران

كانت  الخيزران جارية، اشتراها الخليفة العباسي الثالث محمد بن عبد الله المهدي، من اليمن، وأحبها بشدة، ما دفعه لإعتاقها والزواج بها، لتصبح السيدة الأولى في البلاط.

حظيت بمكانة مُعتبرة في هرم السلطة العباسية، واعتادت أن تدير بعضاً من شؤون الدولة، وتتصل بالقادة والوزراء.

ولمّا توفي زوجها وآل الحكم لابنها موسى الهادي، حاولت الخيزران أن تنتهج النهج ذاته. يقول ابن جرير الطبري في كتابه "تاريخ الرسل والملوك"، إنها "أرادت أن تسلك به -موسى الهادي- مسلك أبيه من قبله في الاستبداد بالأمر والنهي…".

رفض الهادي مشاركة أمه في أعمال الخلافة والحكم، فاضطرت أن تدبر مؤامرة للتخلص منه. يورد  الطبري: "دست إليه من جواريها لمّا مرض من قتله بالغم والجلوس على وجهه".

بعد ذلك، وقفت الخيزران بجوار ابنها الثاني هارون الرشيد، وعملت على مشاركته الحكم، لكنها سرعان ما توفيت سنة 789 ميلادية، بعد عامين فقط من وفاة الهادي.

 

تركان خاتون

يرجع نسب تركان خاتون إلى سلالة ملوك القراخانيين الذين حكموا بلاد ما وراء النهر في القرن الحادي عشر الميلادي.

وكنوع من أنواع المصالحة السياسية مع الدولة السلجوقية، تم تزويج تركان خاتون من ولي العهد السلجوقي جلال الدولة ملك شاه الذي لم يكن قد بلغ التاسعة من عمره بعد، وكان عمرها هي 12 عاماً، بحسب مصادر عدة.

تمكنت تركان خاتون من إحكام قبضتها على مفاصل الدولة السلجوقية، ما عرضّها لنقمة الوزير الفارسي الأشهر نظام الملك الطوسي، الذي انتقدها بشكل مبطن في كتابه "سياست نامة" فقال: "إن كل من يجعل النساء قيمات على الرجال يستحمل وحده جرم أي خطأ أو انحراف؛ لأنه هو الذي سمح بذلك وتخطى العادة المتبعة".

في سنة 485 هجرية، تخلصت تركان خاتون من الوزير بعد أن دبرت مؤامرة لاغتياله.

وظهرت سلطتها عقب وفاة زوجها. يذكر ابن الجوزي في كتابه "المنتظم في تاريخ الملوك والأمم"، أنها "كانت حازمة حافظة شهمة... زمت الأمور حين وفاة السلطان وحفظت أموال السلطان فلم يذهب منها شيء…".

وسرعان ما عملت تركان خاتون لكي يصل ابنها الصغير محمود لسدة الحكم، يقول ابن الأثير في كتابه "الكامل في التاريخ": "لما مات السلطان ملكشاه كتمت زوجته تركان خاتون موته، وأرسلت إلى الأمراء سراً فأرضتهم، واستحلفتهم لولدها محمود، وعمره أربع سنين وشهور، وأرسلت إلى الخليفة المقتدي في الخطبة لولدها أيضاً. فأجابها، وشرط أن يكون اسم السلطنة لولدها، والخطبة له....".

رغم كل تلك الترتيبات، تعرضت تركان خاتون للهزيمة أمام أبناء زوجها (من زوجته الثانية زبيدة خاتون) الطامحين للوصول للعرش، وتوفيت بعدها عام 487 هـ.

 

الملكة أروى

ولدت أروى بن أحمد عام 444 هـ، وكان أبوها واحداً من كبار الدعاة الإسماعيليين في اليمن. ولما مات كفلها الملك علي الصليحي وزوجته أسماء بنت شهاب، وزوجوها من ابنهما وولي العهد المكرم أحمد بن علي الصليحي.

يذكر عمارة اليمني في كتابه "تاريخ اليمن"، أن المكرم أحمد لما أصيب بالشلل فوض زوجته في إدارة شؤون الدولة: "لمّا توفيت أسماء بنت شهاب، والدة المكرم، فوض الأمر لزوجته الملكة أروى، فقامت بالأمر وحدها واستعفته في نفسها، وقالت، إن المرأة التي تُراد للفراش لا تصلح لتدبير أمر، فدعني وما أنا بصدده".

تمكنت أروى من تدبير أمور الدولة لنحو أربعين عاماً، ولعبت دوراً مهماً في رفع المستوى الاقتصادي للشعب اليمني من خلال العمل على حفر الترع والقنوات، والاهتمام بحركة التجارة وتبادل السلع والبضائع مع الموانئ الهندية.

انهارت الدولة الصليحية بوفاة أروى عام 532 هـ، وبقيت ذكرى تلك المرأة حاضرة في الوجدان اليمني عبر القرون، وأُطلق عليها العديد من الألقاب، منها "بلقيس الصغرى"، و"السيدة الحرة"، و"أول ملكة في تاريخ الإسلام".

 

شجرة الدر

يوجد اختلاف كبير حول أصول عصمة الدين أم خليل، الملقبة بـ"شجرة الدر". يذكر المؤرخ تقي الدين المقريزي في كتابه "السلوك في معرفة دول الملوك"، أنها كانت أرمينية أو تركية، بيعت كجارية إلى الملك الصالح نجم الدين أيوب حاكم مصر، فأعتقها وتزوجها، وظلت إلى جواره أثناء التصدي لقوات الحملة الصليبية السابعة، ولما مات نجم الدين أثناء القتال أخفت أمر وفاته وقادت الجيش الأيوبي للنصر، وأرسلت في طلب توران شاه بن نجم الدين أيوب ليتولى العرش.

قدم توران شاه إلى مصر واصطدم بكبار المماليك فقتلوه، واختاروا شجرة الدر لتتولى الحكم. يقول المقريزي: "وَهَذِه الْمَرْأَة شجرة الدّرّ هِيَ أول من ملك مصر من مُلُوك التّرْك المماليك… وخطب لَهَا على مَنَابِر مصر والقاهرة وَنقش اسْمهَا على السِّكَّة…".

أثار اختيار شجرة الدر لحكم مصر استياء الخليفة العباسي المستعصم بالله، وبحسب بدر الدين العيني في كتابه "عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان"، أرسل الخليفة إلى كبار المماليك رسالة جاء فيها "إن كانت الرجال قد عدمت عندكم فأعلمونا حتى نسيّر إليكم رجلاً".

عندها اضطرت شجرة الدر أن تتنازل عن الحكم للأمير عز الدين أيبك وتزوجته، لكنها استمرت محتفظة بمقاليد الأمور والسلطة. يقول ابن تغري بردي في كتابه "النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة" معبراً عن ذلك الحال "كانت مستولية على أيبك في جميع أحواله، ليس له معها كلام…".

ولمّا شعرت شجرة الدر أن زوجها يعمل على تهميشها، دبرت مؤامرة فقتلته، ولكن سرعان ما لاقت عاقبة فعلها عندما أمرت الزوجة الأولى لأيبك جواريها بقتل شجرة الدر، فقمن بضربها بالقباقيب على رأسها ثم ألقين بجثمانها من أعلى سور قلعة الجبل، ولم تُدفن إلا بعد مرور عدة أيام سنة 1257.

 

ساتي بيك

هي ابنة الإيليخان المغولي محمد أولجايتو، حاكم إيران وأذربيجان في النصف الأول من القرن الرابع عشر الميلادي.

ولدت ساتي بيك في تبريز عام 1300، وتمكنت من الوصول للسلطة بعد وفاة أبيها. كان معظم إخوانها من الذكور قد ماتوا في حياة أبيهم، ولم يتبق من أبناء أولجايتو إلا ساتي بيك وأخيها أبي سعيد بهادر.

تعرضت الدولة للكثير من الاضطرابات والقلاقل بعد فترة حكم قصيرة لبهادر الذي مات بالطاعون، وفي عام1339 حاولت ساتي بيك أن تضع حداً للفوضى الضاربة في شتى أنحاء الدولة الإيليخانية، فأعلنت نفسها حاكمة للدولة وساندها بعض أعوانها في ذلك.

يتحدث طه الراوي في كتابه "بغداد مدينة السلام" عن استيلاء ساتي بيك على الحكم فيقول "هي أول مرة تكون فيها بغداد خاضعة لمملكة تملكها امرأة، وخطب لها على المنابر في بغداد وغيرها".

مارست ساتي بيك الحكم بشكل فعلي لشهور معدودة، وضُربت باسمها السكة المعدنية في تلك الفترة، ولكن سرعان ما انتهت قصتها بعدما أجبرت على الزواج من أحد أحفاد هولاكو، وتنازلت عن العرش، كما يقول محمد التونجي في كتابه "معجم أعلام النساء".

 

السلطانة هويام

اسمها الأصلي أناستازيا أو روكسِلانا. ولدت عام 1502 في إحدى نواحي أوكرانيا، وبيعت كجارية إلى السلطان العثماني سليمان القانوني، فأحبها حباً شديداً، حتى أنه أعتقها وتزوجها بعد أن دخلت في الإسلام.

تمتعت السلطانة هويام بنفوذ كبير داخل البلاط العثماني، ودخلت في العديد من الصراعات مع رجال القصر والحكم. على سبيل المثال دبرت هويام إحدى المؤامرات لإعدام عدوها اللدود الصدر الأعظم إبراهيم باشا، كما أوقعت بين السلطان سليمان وابنه وولي عهده الأمير مصطفى، ولما قام السلطان بإعدام ولي العهد، نجحت خطة السلطانة عندما تم تعيين الأمير سليم -ابن هويام- في هذا المنصب الرفيع.

ينقل المستشرق الأميركي برنارد لويس في كتابه "إستنبول وحضارة الخلافة الإسلامية" عن سفير النمسا في الدولة العثمانية قوله المعبر عن السلطة الواسعة التي استحوذت عليها السلطانة هويام في البلاط العثماني: "..ولكنه -السلطان سليمان القانوني- كان مغرماً بزوجته وحبه المتزايد لها جعله يقتل ابنه مصطفى. وحتى هذه النقيصة تنسب عادة إلى غلبتها عليه بجمالها الخلاّب وإكسير الحب، ومن المؤكد أنه بعد أن اختارها لتكون زوجته الشرعية لم يلامس أي امرأة أخرى مع أن شريعتهم لم تمنعه من ذلك".

توفيت هويام في أبريل سنة 1558.

 

السلطانة كوسم

اسمها الحقيقي هو أنستازيا، وعُرفت أيضا باسم "ماه پيكر" أي وجه القمر. ولدت كوسم في اليونان عام 1590، ووصلت إلى القصر العثماني كجارية. ولما شغف السلطان العثماني الرابع عشر أحمد الأول بحبها أعتقها وتزوجها.

استحوذت السلطانة كوسم على بعض السلطة في حياة زوجها، ولمّا توفي عملت على تعيين أخيه مصطفى الأول في منصب السلطان، وأرادت بذاك أن تستغل حالة الاضطراب العقلي التي كانت تنتاب مصطفى، لتحكم قبضتها على السلطة.

بعد ثلاثة شهور فقط، تم عزل السلطان مصطفى وفشلت خطة كوسم، وعُيّن عثمان الثاني بن أحمد الأول، كسلطان جديد على الإمبراطورية العثمانية.

توارت كوسم لفترة قصيرة، لتعود مجدداً إلى الساحة السياسية عقب انقلاب الجيش الإنكشاري على عثمان الثاني.

في عام 1623 عُين ابنها مراد الرابع سلطاناً جديداً، وتولت هي الوصاية عليه لفترة طويلة، ولمّا توفي مراد عام 1640 حافظت كوسم على نفوذها من خلال وصول ابنها الآخر إبراهيم الأول للحكم.

يذكر المؤرخ التركي يلماز أوزتونا في كتابه "تاريخ الدولة العثمانية"، أن الصدام وقع بين السلطان إبراهيم الأول وأمه السلطانة كوسم، وأن السلطانة -التي رفضت الابتعاد عن أمور الحكم- دبرت للانقلاب الذي أطاح بحكم ابنها عام 1648، وبعدها عيّنت حفيدها محمد الرابع في منصب السلطنة، وتولت الوصاية عليه لبضع سنوات. 

وفي سبتمبر 1651، توفيت السلطانة كوسم مخنوقة بسبب مؤامرة دبرتها لها أم السلطان محمد الرابع.

لم يمنع حب كوسم للسلطة من مشاركتها في الأعمال الخيرية، تذكر الدكتورة ماجدة صلاح مخلوف في كتابها "الحريم في القصر العثماني"، أنها "عُرفت بأعمال الخير، وبمساعدتها الكبيرة للفقراء والمساكين. كما أوقفت أموالاً طائلةً على سداد ديون الغارمين، وتزويج الفتيات الفقيرات، والإنفاق على تجهيز الحجاج القاصدين مكة". 

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

Boxing - Women's 66kg - Quarterfinal
صورة من مباراة إيمان خليف في أولمبياد باريس، ترتدي اللون الأحمر- تعبيرية

46 ثانية فقط احتاجت إليها الملاكمة الجزائرية إيمان خليف لإجبار منافستها الإيطالية أنجيلا كاريني على الانسحاب خلال مبارتيهما معاً في أولمبياد باريس 2024.

الهزيمة السريعة للملاكمة الإيطالية فتحت باباً واسعاً من الجدل في الساحة الرياضية العالمية بسبب استدعاء الاتهامات القديمة لخليف بأنها ذكر متحوّل وليست أنثى، بالتالي لا يحقُّ لها خوض هذه التنافسات.

وتُلاحق التهمة الملاكمة الجزائرية منذ العام الماضي حين مُنعت من استكمال بطولة العالم للملاكمة النسائية بناءً على قرار الاتحاد الدولي للملاكمة، الأمر الذي تسبّب في أزمة كبرى بين اللجنة الأولمبية واتحاد الملاكمة بسبب الخلافات المتراكمة بينهما طيلة السنوات الماضية.

Boxing - Women's 66kg - Prelims - Round of 16
إيمان خليف.. الملاكمة الجزائرية في قلب جدل الجندر والرياضة
في مايو 2023 تسبب استبعاد خليف من خوض نهائي وزن 66 كيلوغراماً في بطولة العالم بالملاكمة التي أقيمت في نيودلهي، بغضب كبير عبر وسائل التواصل الاجتماعي في الجزائر. حينها برر الاتحاد الدولي استبعاد خليف بأنها "لا تستوفي معايير الأهلية"، دون أن يتطرق البيان إلى تفاصيل هذا الخرق بسبب التزام الاتحاد بالخصوصية الشخصية والطبية للرياضيين.

خلافات قديمة متجددة

منذ أولمبياد مكسيكو سيتي 1968 بدأت اللجنة الأولمبية في إخضاع نسبة من المتسابقات إلى اختبار تحديد الجنس شملت فحصاً بصرياً للأعضاء التناسلية للرياضيات من قِبَل لجنة طبية مختصة.

في عام 2000 قرّرت اللجنة الأولمبية التخلّي عن هذه المهمة لصالح الاتحادات الرياضية على أن يحدّد كل اتحاد قواعد الأهلية الجنسية الخاصة به. وبموجبه، تولى الإشراف الكامل على اللعبة وأيضاً وضع قواعد "اختبارات الأهلية الجنسية" الخاصة بمنافسات السيدات.

لسنوات عِدة عانَى اتحاد الملاكمة من مشكلات بعدما لاحقت رؤساءه اتهامات بالفساد والتلاعب بالمباريات. في 2017 اضطر التايواني تشينغ-كيو وو إلى الاستقالة بعدما لاحقته اتهامات بسوء إدارة موارد الاتحاد وتورط عشرات الحكام في التلاعب بنتائج المباريات.

قبيل هذه الاستقالة بأربع سنوات دخل تشينغ في منافسة مع الألماني توماس باخ على رئاسة اللجنة الأولمبية الدولية إلا أن المبارز الألماني السابق فاز في الانتخابات بسهولة ولا يزال رئيساً للجنة حتى اليوم.

بعد رحيل تشينغ تولّى غفور ريخموف رجل الأعمال الأوزبكي رئاسة الاتحاد وهو رجل وصفته وزارة الخارجية الأميركية بأنه على علاقة بـ"منظمات إجرامية عابرة للحدود". 

وفي 2019 خلَفه عمر كريمليف رجل الأعمال الروسي، الذي أعيد انتخابه في 2022 بعدما مُنع منافسه بوريس فان دير فورست رئيس الاتحاد الهولندي للملاكمة من الترشح، خطوة وصفتها لاحقاً محكمة التحكيم الرياضية بأنها "ظالمة"، رغم ذلك بقي كريمليف على رأس اتحاد الملاكمة.

طيلة هذه الفترة أعربت اللجنة الأولمبية الدولية عن مخاوف بشأن إدارة اتحاد الملاكمة للعبة بعدما أظهرت قلقاً من تزايد أخطاء الحكّام بشكل أثّر بشدة على نتائج المباريات، ومن اعتماده على شركة "غاز بروم" الروسية العملاقة كإحدى أهم مصادر تمويله، التي لعبت دوراً كبيراً في تسوية ديون الاتحاد، حيث فاقت 200 مليون دولار.

ورغم التوجيهات الأولمبية بمنع الرياضيين الروس من المشاركة في بطولاتها بعد غزو أوكرانيا، إلا أن اتحاد الملاكمة لم يستجب وسمح لهم بالتنافس في البطولات التي ينظمها. وبعدما بلغت الخلافات بين الطرفين ذروتها قرّرت اللجنة الأولمبية تعليق العمل مع هذا الاتحاد في 2019.

بطولة 2023: القشة التي قصمت الظهر

في يونيو 2023 وبينما بطولة العالم للملاكمة النسائية في نيودلهي، أعلن اتحاد الملاكمة بشكلٍ مفاجئ استبعاد الملاكمتين إيمان خليف والتايوانية يو-تينغ لين خلال التنافسات بدعوى رسوبهما في اختبارات "الأهلية الجنسية".

تضمّنت اختبارات اتحاد الملاكمة إخضاع الرياضيّات لاختبارات جينية "سرية" لم يحدد طبيعتها ولم يكن من بينها اختبارات تحديد مستوى هرمون التستوستيرون، وفي النهاية أعلن الاتحاد أن المُلاكمتين تملكان كروموسوم XY الذكوري في جسديهما بالتالي لا يحقُّ لهما المشاركة في منافسات النساء فجرى استبعادهما.

بحسب دراسة أجرتها جامعة "نورث إيسترن" الأميريكة، فإن مثل هذا النوع من الاختبارات "غير عادل" للرياضيّات لأنها لا تضع في اعتبارها مجموعة أكبر من العوامل التي تؤثر في النتائج مثل نسبة الهرمونات والأعضاء التناسلية الداخلية والخارجية وعدة خصائص جنسية ثانوية تحتاج إلى تحليلات منفصلة ومعقدة.

واعتبرت الدراسة أن الاختبار الذي خضعت له إيمان خليف ليس دقيقاً لأنه أهمل وضع الحالة الصحية للرياضيات في الاعتبار، فأي امرأة تعاني من تكيّس المبايض ستعتبرها النتيجة ذكراً، كما كشفت دراسات أخرى عن إناث يملكون بعض الصفات "الخنثوية" الطفيفة التي تُظهر وجود هذا الكروموسوم في عيناتهن رغم طبيعتهن الأنثوية.

انتقدت اللجنة الأولمبية هذا القرار ووصفته بـ"التعسفي" و"غير العادل". وبحسب بيان اللجنة فإن قرار الاستبعاد اتُخذ من قِبَل الأمين العام والرئيس التنفيذي لها ثم صادق عليه مجلس الإدارة بعد ذلك. 

من ناحيته رفض الاتحاد الكشف رسمياً عن طبيعة هذه الاختبارات؛ مَن أجراها؟ ومتى؟ ومَن قيّم النتائج؟ ومتى حصل المنظمون عليها؟ وكيف تأخّر الإعلان عنها بشكلٍ سمح للملاكمتين بالاستمرار في التنافس ببطولة العالم حتى مبارياتها النهائية؟

 أصرّت اللجنة الأولمبية على رفض هذه النتائج جملةً وتفصلاً لمجرد أن مَن قام بها اتحاد غير معترف به، فصرّح آدمز "لم يكن هناك أي اعتبار ما إذا كانت هذه الاختبارات صحيحة أم لا، لأن النتائج أتت من مصدر غير موثوق به".

مع تفاقم الخلافات سحبت اللجنة الأولمبية اعترافها باتحاد الملاكمة في 2023 بموافقة 69 صوتاً بها، وحينما لجأ الاتحاد إلى محكمة التحكيم الرياضية لإلغاء هذا القرار أنصفت اللجنة الأولمبية وأقرّت سحب الاعتراف بالاتحاد.

وكيلا تحرم اللجنة الأولمبية الملاكمين حول العالم من المشاركة في أولمبياد 2020 في طوكيو و2024 في باريس، أنشأت وحدة خاصة لإدارة رياضة الملاكمة وتنظيم مسابقات رياضييها بنفسها.

هذا الأمر لن يتكرر في أولمبياد لوس أنجلوس 2028 بعدما أعلنت اللجنة الأولمبية في أبريل الماضي أنها لن تسمح لرياضة الملاكمة بالتواجد في المحافل الأولمبية طالما بقي اتحادها عير معترف به وغير موثوق في قراراته.

طالبت اللجنة الأولمبية من الاتحادات المحلية للملاكمة التدخل في هذه الأزمة لاختيار اتحاد جديد يخضع للشروط الأولمبية المتعلقة بنزاهة المسابقات وشفافية التمويل وإلا لن يُرفع الحظر الأوليمبي عن اللعبة.

هذه الخطوة فتحت الباب واسعاً للإعلان عن ظهور تنظيمٍ جديد منشق عن الاتحاد الدولي للملاكمة شكّله ممثلون عن بريطانيا وألمانيا وهولندا والسويد، بهدف خلق كيان جديد يُدير لعبة الملاكمة بعيداً عن الاتحاد الرسمي الذي لم يعد يحظى بالاعتراف الأولمبي.

أولمبياد باريس

مع بدء منافسات الملاكمة في أولمبياد باريس 2024 سمحت اللجنة الأولمبية للملاكمتين الجزائرية والتايلاندية بالمشاركة، وحققت كلاهما نجاحاً متسارعاً وضمنتا ميدالية لبلديهما بعدما وصلت كلاهما للدور نصف النهائي، خطوات استدعت ردة فعل عنيفة من اتحاد الملاكمة ومن الاتحادات الرياضية التي تعرضت لاعباتها للخسارة.

وفي محاولة لإحراج اللجنة الأولمبية تعهّد اتحاد الملاكمة الدولي بتقديم مكافأة قدرها 50 ألف دولار للملاكمة الإيطالية لتعويضها عن خسارتها أمام نظيرتها الجزائرية.

من جانبها، حرصت اللجنة الأولمبية الدولية على الدفاع عن قرارها بالسماح لإيمان خليف بالمشاركة مؤكدة أن الملاكمة الجزائرية استوفت معايير "الأهلية الجنسية" الأولمبية.

في هذه الدورة طبّقت اللجنة القواعد التي سبق أن جرى العمل بها في أولمبياد 2016 و2021 ولا تتضمن إجراء اختبار بيولوجي للجنس، فلم تطوّر اللجنة الأولمبية قواعد "الأهلية الجنسية" الخاصة بها إلى ذلك مثلما فعلت اتحادات ألعاب القوى والرياضات المائية والدراجات بشكلٍ منفرد وباتت تعتمد على اختبارات تقيس مستويات هرمون الإستروجين في جسد كل رياضية قبل خوض التنافسات.

حتى الآن، فإن اللجنة الأولمبية تعتمد فقط على الفئة الجنسية المذكورة في جواز السفر الذي تحمله كل رياضية وتاريخها الرياضي بالمشاركة في تنافسات النساء، وهو ما تطرّق إليه آدمز في معرض دفاعه عن السماح للملاكمتين بالمشاركة بالأولمبياد قائلة "إنهما امرأتين في جوازات سفريهما".

على هامش تلك الأزمة راجت صور للملاكمة الجزائرية وهي ترتدي ملابس أنثوية منذ صغرها، كما أن القانون الجزائري لا يسمح بعمليات تحويل الجنس داخل البلاد، ما يؤكد أنها وُلدت وعاشت أنثى ولم تخضع لأي عملية تغيير جنس سابقاً.

وهو ما تقاطع مع تصريحات توماس باخ رئيس اللجنة الأولمبية الدولية خلال تعليقه على الأزمة بقوله "لدينا ملاكمتان وُلدتا كنساء وتربيتا كنساء وتملكان جوازي سفر كنساء".

رغم ذلك الموقف الصلب من المسؤولين الأولمبيين وتمسّكهم بصواب قرارهم، اعترف مارك آدمز المتحدّث باسم اللجنة بعدم وجود إجماع علمي حول كيفية التوصل لحل نهائي لقضايا الأهلية الجنسية في الرياضات النسائية، واصفاً الموضوع بأنه "حقل ألغام" لا يُمكن وضع حل نهائي له قريباً.