تناقلت صفحات سورية في الأيام الماضية، قصة نجاح امرأة من ريف السويداء جنوب سوريا، تحدت الكثير من الظروف لتحقق حلمها في التعليم، إلى جانب عملها وزوجها في جمع الأعشاب الطبية من الجبال، وتربية ولدين من ذوي الإعاقة هما طالبان جامعيان الآن.
مراسل "ارفع صوتك" تحدث مع السيدة تهاني الزيلع، وهذه قصتها كما ترويها هي بنفسها:
"أنا تهاني نوّاف الزيلع، عمري 55 عاما، من قرية مفعلة في ريف السويداء. أعمل وأسرتي في جمع النباتات الطبية من جبال السويداء، وتجفيفها، من أجل تصنيع خلطات عشبية وشامبو طبيعي خال من المواد الحافظة والأصباغ الكيميائية.
لم تتح لي فرصة التعلّم في الصغر، وكنت دائما أحلم بأن أكون على مقاعد الدراسة. لم أكن كأي فتاة تغار من ذهب أو فستان أو حلي، بل عندما أرى الطلاب يذهبون إلى المدرسة، وخاصة خلال فترة الامتحانات، حينها، أذهب إلى الغرفة وأبكي بكاء شديدا، وأتمنى لو يعود الزمان بي كي أعود إلى المدرسة.
لدي شغف بالمعرفة وحب الاستطلاع عن الأشياء الغامضة، وأقدر العلم والعلماء، ولدي إيمان أن الإنسان قادر على صنع المعجزات، وبأن لا شيء مستحيل، فكل العقبات تهوي وترحل عند التصميم والعمل والإرادة.
قررت العودة للدراسة، وتعلمت مع ابني، وقدمت معه امتحان السبر من أجل الترشح إلى التقدم لامتحان الشهادة الثانوية. لأن الطالب المنقطع عن الدراسة لا يحق له العودة، إلا إذا اجتاز امتحان السبر.
نجحت وحصلت على معدل عال واستطعت التقديم للشهادة الثانوية، ودرست المنهاج مع الطلاب غير النظاميين، بشكل حر.
كان الطلاب يستهجنون وجودي بينهم، ويستغربون التزامي وتفاعلي مع الدرس وسؤالي عن كل شيء لا أعرفه، كذلك كان الناس يستغربون ويقولون إن ما أفعله جنون، متسائلين "هل يُعقل أن أنجح؟".
حاول الكثير من الناس إحباط عزيمتي، لكني حددت هدفي ونظمت وقتي بشكل لا يتسبب بأي تقصير مع أفراد أسرتي، أو في عملي في جمع النباتات، فهو مصدر دخلنا الوحيد.
بذلت مجهوداً كبيراً كي لا يتغير على عائلتي شيء، وساعدني زوجي وأبنائي كثيرا، خاصة ابني صقر، إذ سهرت معه وقرأنا سويا وراجعنا دروسنا سويا وذهبنا إلى المدرسة معا.
لا يمكنني أن أجد كلمات تعبر عن شعوري الجميل حين عدت إلى المدرسة، نسيت أن العمر مرّ وأنني أصبحت في الخمسين، وكان هناك تشجيع من زوجي وكان المدرسون في المدرسة داعمين وسعداء بوجودي، وكان زملائي الطلاب متعاونين جدا.
قدمت ونجحت البكالوريا من الدورة الأولى، وسجلت في الجامعة في قسم الإرشاد نفسي، وكان الطلاب يقولون "يا خالتو هذا فرع صعب كيف بدك تنجحي؟"، لكني درست وتعبت، وفي السنة الأولى كنت الأولى على الدفعة، واستطعت أن أفرض وجودي كطالبة متميزة، وعند تقديم حلقات البحث كنت ألفت الأنظار لأنني أبحث بمصادر متعددة ولا أرضى إلا بالشيء المميز.
واجهت العديد من الصعوبات خلال دراستي، بينها كثافة المنهاج في كلية التربية، إذ يحتاج لجهد وتعب كثير، فكنت أستيقظ عند الساعة الثالثة والنصف فجرا، أدرس وأبقى حتى نهاية الدوام في الكلية، وكنت أنام في الباص عند العودة إلى البيت، كذلك كنت أجد صعوبة في فهم بعض المصطلحات، فأبحث في الإنترنت والكتب الإلكترونية المتوفرة بنسخة (بي دي أف) لأفهم معانيها، وهكذا تغلبت على الصعوبات وجاء النجاح الجميل والإنجاز وتخرجت بتفوق.
من الصعوبات التي واجهتها أيضا عدم وجود مواصلات في قريتي، وكنت أضطر للمشي مسافات حتى أصل إلى قرية قنوات المجاورة، فأستقل الباص إلى السويداء حيث جامعتي، وكنت أعتبرها رياضة جميلة، وأدرس وأنا أمشي على الطريق.
لدي ابنان، هما صقر وصفوان، من ذوي الاحتياجات الخاصة. صقر لديه نقص أكسجة، وصفوان لديه إعاقة سمعية وهو شبه أصم.
ابناي هما حياتي ونبض قلبي، تعلمت منهما ومعهما ومن أجلهما. هما نعمة من رب كريم.
أصبح صقر في السنة الثالثة تخصص أدب عربي في جامعة دمشق، ويدرس صفوان تقنيات الحاسوب، وهما يساعداننا في أعمال البيت وجمع النباتات الطبية والأعمال الزراعية.
وضعهما أعطاني دافعا لدراسة الإرشاد النفسي، ونتيجة التعايش معهما والعمل مع الجمعيات، أصبحت لدي خبرة عملية في التأهيل والتعليم والتعامل مع هذه الفئة الجميلة من البشر.
وأحب أن أوظف ما ادخرته من تجارب ناجحة لمساعدة هذه الفئة، خاصة مع خبرتي بالعمل بالنباتات الطبية، ودراسة علم النفس الصيدلاني، والتأهيل والتعامل مع ذوي الهمم.
زوجي إنسان متعاون أعطاني الدعم والتشجيع، ونحن كأسرة نعيش بتكاتف وتعاون ومحبة، وجميع من حولنا ينظرون بعين الإعجاب والاحترام لهذه التجربة الفريدة، ويشعرون بالاعتزاز لأننا أثبتنا أننا نستطيع، وأنه لا يوجد مستحيل أمام الإرادة والطموح.
حاليا وبعد أن تخرجت بتفوق، أحلم أن يأتي اليوم الذي أحمل فيه شهادة الماجستير، ومن ثم الدكتوراة.
وأتمنى لكل شخص يقرأ قصتي أن يحقق حلمه، ولا يقف ويتحسر، فرحلة الألف ميل تبدأ بخطوة، فابدؤوا الخطوة الأولى على طريق الحلم".
