أصدرت المحكمة الإدارية العليا في فرنسا حكماً بتأييد حظر ارتداء لاعبات كرة القدم للحجاب خلال المباريات.
وخاضت مجموعة من النساء المسلمات أطلقن على أنفسهن لقب "المحجبات" صراعاً قانونياً ضد لوائح الاتحاد الفرنسي، لكن جاء قرار المحكمة الأخير ليقضي على أحلامهن في السماح للحجاب بدخول كرة القدم.
ويأتي هذا الحُكم غداة اضطرابات كبيرة تشهدها فرنسا، التي تعيش بها أكبر أقلية مسلمة في أوروبا، بعد مقتل مراهق ذي أصول جزائرية على يدي الشرطة الفرنسية.
تأثير القرار على الرياضة الفرنسية
قرار الاتحاد الفرنسي، الذي أيّده القضاء، مخالف لتوجهات الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) الذي أتاح للاعبات الكرة ارتداء الحجاب خلال المنافسات الرياضية.
ومن المتوقّع أن يخلّف هذا القرار آثاراً واضحة على صعيد مشاركة النساء المسلمات الفرنسيات في ممارسة الرياضة.
فمنذ الإعلان عن نية مجلس الشيوخ إقرار تعديلات لحظر الحجاب في المنافسات الرياضية انبرت عدة رياضيات مسلمات لإدانة هذه الخطوة معتبرات أنها ستجعل الرياضة في فرنسا أمراً محظوراً على النساء المسلمات.
خديجة ملاح أول مسلمة محجبة تفوز بسباقٍ للخيول في بريطانيا أعلنت بأنها ستفكر كثيراً قبل خوض أي ممارسات رياضية في فرنسا بسبب ممارساتها "المعادية للإسلام"، على حد قولها. خلال حديثها، اعتبرت خديجة أن كثيراً من المواهب النسائية الفرنسية ستضيع بسبب هذا القرار.
بالمثل فإن الفرنسية، هاوا سيسكو لاعبة الكرة في فريق وست هام يونايتد للسيدات، وهي مسلمة ترتدي الحجاب وتلعب ضمن صفوف المنتخب الفرنسي، أعلنت معارضتها لهذه القرارات معتبرة إياها تنتقص من قدر المرأة المسلمة.
وفي تقرير لمجلة فوربس، قالت كارثوم ديمبلي إحدى لاعبات الكرة الهاويات وعضو في مجموعة "المحجبات" أنها وعددا كبيرا من زميلاتها اضطررن للتخلي عن أحلامهن بلعب كرة القدم والاحتراف في منافساتها بسبب رفض اتحاد الكرة السماح لهن بممارستها بالحجاب.
ومن المتوقّع أن يُلقي هذا القرار بظلاله على استضافة فرنسا المرتقبة لدورة الألعاب الأولمبية في باريس 2024، وسط تساؤلات عن كيفية تعامُل السُلطات الفرنسية مع مئات الرياضيات المسلمات اللائي ستستضيفهن على أراضيها، وبالطبع سيرفضن خلع الحجاب، وكيف ستتصرّف اللجنة المنظمة حال فوز إحداهن بميدالية أولمبية كما فعلت المبارزة الأميركية ابتهاج محمد في أولمبياد ريو 2016 والمصرية فريال عبد العزيز التي فازت بذهبية الكاراتيه في طوكيو 2022.
لا حجاب في المدارس والشواطئ
في 2004، أقرّ أول مشروع قانون لحظر الرموز الدينية في المدارس وهو القانون الذي أثار جدلاً كبيراً في العالم الإسلامي بعدما اعتُبر أن الهدف الأساسي منه هو منع الحجاب تحديداً، وفي 2010 مُنع ارتداء النقاب في الشوارع الفرنسية.
لاحقاً تمدّد هذا القرار ليشمل منع ارتداء الحجاب على الشواطئ فضلاً عن تجريم منْع ارتداء "البوركيني".
وخلال حملة ترشّح الرئيس السابق نيكولا ساركوزي لرئاسة فرنسا وصف ارتداء البوركيني بـ"العمل السياسي الاستفزازي". في 2016 غُرِّمت امرأة فرنسية في شاطئ مدينة كان بعدما طلبت منها الشرطة نزع غطاء رأسها فرفضت.
وعلى وقع مقتل صموئيل باتي أستاذ التاريخ الذي نشر رسوماً كاريكاتورية مسيئة للنبي محمد على يد تلميذ من أصولٍ شيشانية في أكتوبر 2022، أعلن ماكرون نيته القيام بحزمة تشريعات قانونية لـ"تعزيز العلمانية وتقوية قيم الجمهورية".
بعدها، أقرّ مجلس الشيوخ الفرنسي تعديلات قانونية تضمّنت إقرار منع ارتداء البوركيني في المسابح العامة، ومنع القاصرين من ارتداء أي رمز ديني في الأماكن العامة، وكذلك منع النساء من دخول المدارس بالحجاب، الأمر الذي أثار معارضة دولية واعتبرته لجنة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة مخالفاً لـ"تعهداتها الحقوقية".
وأيضا، منعت محكمة النقض الفرنسية المحاميات المسلمات من ارتداء الحجاب خلال وجودهن في المحكمة واصفة إياها بأنها خطوة ضرورية لضمان "استقلال المحامين".
هذا الجدل المستمر جعل قضية الحجاب عنصراً أساسياً خلال المناظرات الرئاسية الفرنسية، مثلما جرى في الانتخابات الأخيرة عام 2022 حين انتقد ماكرون تعهدات منافسته اليمينية مارين لوبان بحظر الحجاب الإسلامي تماماً في الأماكن العامة.
وخلال مناظرة بين الطرفين، اتّهم ماكرون لوبان بأنها ستتسبب في إشعال "حرب أهلية" حال تطبيق هذا القرار.
معارضة ماكرون لفكرة "الحظر الكلي" للحجاب لم تمنع البرلمانية آن كريستين لانج عضو الحزب الذي يقوده الرئيس ماكرون في سبتمبر 2022 من مغادرة اجتماع رسمي لمجرد مشاركة فتاة محجبة فيه.
فخلال عقد جلسة لمناقشة كيفية تقليل آثار أزمة كورونا على الشباب دخلت القاعة ممثلة لاتحاد الطلاب مريم بوجيتوكس مرتدية الحجاب، ورفضت البرلمانية الفرنسية الاستماع إلى مريم واعتبرت وجود شخصية محجبة في اجتماع رسمي يتعارض مع القيم العلمانية فقررت الانسحاب من الاجتماع.
وخاض المجتمع الفرنسي نضالاً كبيراً للحدِّ من نفوذ الكنيسة الكاثوليكية به. ومنذ 1905 حُرمت الكنيسة من مزاياها بموجب القانون الذي رسّخ العلمانية في الدولة الفرنسية وجعلها تعيش حذراً كبيراً تجاه شيوع أي رموز دينية، وتعتبر أن ترويج أي كتلة سكانية لها يعكس ضعفاً في الوطنية الفرنسية العلمانية، وهي حالة من النادر أن تجدها في دولة أخرى، على حد تعبير الكاتبة الصحفية هانا والاس.
ومع تزايد حجم الجالية الإسلامية في فرنسا ازداد الخلاف بين ممارسات أفرادها الدينية العلنية كالحجاب وبين التزام "الحياد الديني" في الفضاء العام الذي يعتبره ساسة فرنسا أحد أساسات جمهوريتهم العلمانية، لتبدأ الدولة في سلسلة قراراتها الرافضة للحد من ارتداء الحجاب في الأماكن العامة.
