فقدت عشرات النساء العراقيات في الأهوار والمناطق الريفية في جنوب العراق أعمالهن بسبب تغير المناخ والجفاف- أرشيفية
فقدت عشرات النساء العراقيات في الأهوار والمناطق الريفية في جنوب العراق أعمالهن بسبب تغير المناخ والجفاف- أرشيفية

تعيش النساء العراقيات، خاصة نساء الأهوار والمناطق الجنوبية، أوضاعا صعبة في ظل تأثيرات التغيير المناخي وارتفاع درجات الحرارة وانعكاساته على الحياة اليومية للعراقيين منذ عدة سنوات.

وصنف تقرير الأمم المتحدة للبيئة العالمية، العراق، كخامس دولة معرضة لنقص المياه والغذاء ودرجات الحرارة القصوى.

وكشف نائب الممثلة الخاصة للأمين العام، المنسق المقيم ومنسق الشؤون الإنسانية في العراق، غلام إسحق زي، في تقرير على موقع الأمم المتحدة نشر نهاية نوفمبر الماضي، أن "العراق شهد في عام 2021 ثاني أكثر مواسمه جفافاً منذ 40 عاماً بسبب الانخفاض القياسي في هطول الأمطار. وعلى مدى السنوات الأربعين الماضية، انخفضت تدفقات المياه من نهري الفرات ودجلة، التي توفر ما يصل إلى 98% من المياه السطحية في العراق، بنسبة 30-40%".

وقال زي إن تغير المناخ في العراق لا يؤثر على القطاع الزراعي فحسب، بل يمثل تهديداً خطيراً لحقوق الإنسان الأساسية ويضع عوائق أمام التنمية المستدامة ويفاقم التحديات البيئية والأمنية والسياسية والاقتصادية التي تواجهها البلاد.

وبحسب إحصائيات غير رسمية، فقدت عشرات النساء العراقيات في الأهوار والمناطق الريفية في جنوب العراق أعمالهن بسبب تغير المناخ والجفاف، واضطررن إلى الهجرة من الأرياف إلى المدن بحثا عن الماء.

تقول فاطمة علي، من هور الحمار الغربي جنوب العراق، لـ"ارفع صوتك": "نحن مرهقون من الجفاف ونخشى أن نفقد كل ما لدينا من جواميس وماشية بسبب ارتفاع درجات الحرارة وجفاف المياه".

"حتى الآن نفق 17 جاموسا من جواميسي ولا أمتلك سوى هذه الحيوانات التي اعتمدت عليها وهي التي تعيلني، وإذا نفقت جميعها سيكون مصيري مجهولا ولا أعلم أين سأذهب"، تضيف فاطمة.

 ويعتبر عمل المرأة في الأهوار صعبا وشاقا، فهي ترافق الرجل في تنفيذ أعمال يومية شاقة كحصاد القصب من وسط الأهوار لاستخدامه كعلف للجاموس إلى جانب رعي الجاموس والاعتناء بقطيعه وتحضير الحليب ومشتقاته وبيعها في أسواق المدن، إلى جانب مزاولة عدد منهن مهنة صيد السمك وبيعه، والزراعة.

إضافة إلى كل هذه المهام، تقع على عاتق نساء الأهوار، تربية الأطفال والأعمال المنزلية، وجميعها أمور باتت أكثر صعوبة وسط انعدام الماء والتصحر وقساوة المناخ بسبب ارتفاع درجات الحرارة.

بدوره، يعتبرمدير منظمة الجبايش، رعد حبيب، أن النساء"من أكثر الفئات المتأثرة بالتغيرات المناخية في جنوب العراق وفي الأهوار خصوصا، لاعتماد المرأة في المجتمع الاهواري بشكل مباشر على مياه الأهوار والأعمال اليدوية".

ويوضح حبيب لـ"ارفع صوتك": "بعد جفاف الأهوار أصبحت المرأة الأكثر ضرراً، فهي لا تجد مياه شرب ولا مياه غسل، وكل هذه الأعمال أصبحت صعبة وغير متاحة وصعبة المنال. النساء يعانين ويتعرضن لأشد أنواع الاضطهاد البيئي، كونهن فقدن أعمالهن، لأن غالبيتهن كنّ يعتشن على ما تصنعه أياديهن من الحُصُر والألبان والقيمر وبيع السمك".

"وهذه الأعمال الآن قليلة جدا وشبه انقرضت، لذلك أصبح وضع النساء في الأهوار صعب جدا، وهي بحاجة إلى دعم واستدامة وإلى توفير بعض الخدمات التي تساعد النساء على القيام بأعمالهن اليومية"، يضيف حبيب.

ورغم أن حياة المرأة في المدن أبسط مقارنة بحياة المرأة في الأهوار والارياف، إلا أنها ليست بمنأى عن تأثيرات التغيير المناخي في العراق.

تقول لمى أحمد، وهي موظفة تعيش في مدينة بغداد، إن "ارتفاع درجات الحرارة والعواصف الترابية وعدم توفر المياه الصالحة للشرب وارتفاع نسبة الملوحة جميعها أسباب لانتشار الأوبئة والأمراض".

وتضيف لـ"ارفع صوتك": "هذه الانعكاسات الناتجة عن تغير المناخ جعلت حياتنا نحن النساء أكثر صعوبة، وهناك العديد من النساء يتعرضن للعنف الأسري بسبب هذه التغيرات التي تسببت في فقدان فرص العمل وتشرد العوائل من منطقة إلى أخرى بسبب نقص الماء، لذلك نحن ونساء الأرياف الأكثر تأثرا بهذه التغييرات وستتعمق مشاكلنا أكثر كلما تعمقت هذه التأثيرات في ظل انعدام الدعم الحكومي للنساء".

وأعلنت وزارة البيئة العراقية في الرابع من أغسطس الحالي، أن المشاريع الحكومية الخاصة بمعالجة المشاكل البيئية ستحصل على دعم دولي.

ونقلت وكالة الأنباء العراقية عن مدير عام دائرة التوعية والإعلام في الوزارة، أمير علي الحسون، قوله، إن "الحكومة ساعية الى تخطي الآثار السلبية التي تنعكس على مشاكل التغيير المناخي والسياحي في العراق، إثر ندرة المياه والعواصف الترابية".

وأكد الحسون أن عام 2023 الجاري هو "عام الانطلاق الفعلي للمشاريع والبرامج وتغيير سلوك الإدارات حول إدارة البرامج البيئية في العراق".

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

طفل وأبيه يتلقون العلاج بعد تعرض منطقتهم إلى هجوم كيمياوي في الغوطة الشرقية بسوريا
طفل وأبوه يتلقيان العلاج بعد تعرض منطقتهما إلى هجوم كيمياوي في الغوطة الشرقية بسوريا

قبل 11 عاماً، بالتحديد يوم 21 أغسطس 2013، نام سكّان بلداتٍ في غوطة دمشق على وقع قصف مدفعي وصاروخي اعتادوا على معايشته خلال شهور بعد خروج مناطقهم من سيطرة النظام السوري.

غير أن هذه الليلة لم تكن اعتياديةً كما في كل يوم، إذا كانت القذائف تُسبّب انفجاراتٍ وحرائق معروفة في المنطقة، بينما خرج السكان في مدن الغوطة الشرقية ومعضمية الشام في الغوطة الغربية، وهم يتنفّسون بصعوبة بالغة، لأن الهجوم هذه المرّة كان بالأسلحة الكيماوية.

كانت حصيلة 4 هجمات متزامنة، مقتل 1144 شخصا اختناقاً، منهم 1119 مدنياً بينهم 99 طفلا و194 سيدة، أما الذين قتلوا في صفوف مسلحي المعارضة، فكانوا 25.

تسببت الهجمات أيضاً بإصابة 5935 شخصاً بأعراض تنفسية وحالات اختناق، وفقاً لتقرير صادر عن الشبكة السورية لحقوق الإنسان.

ورغم أن الولايات المتحدة قادت آنذاك جهوداً لمحاسبة النظام السوري على استخدام غاز السارين ضد المدنيين، وتخطّيه "الخطوط الحمراء" في النزاع، إلا أن الملف انتهى بإجبار بشار الأسد على تفكيك مخزونه من السلاح الكيماوي، والتوقيع على اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، والانضمام إلى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، مع إصدار مجلس الأمن الدولي القرار 2118، الذي ينصّ على عدم تطوير أو تخزين أو نقل أو استخدام الأسلحة الكيميائية من أي طرف في سوريا، تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.

إلا أن منظمة حظر الأسلحة الكيماوية وثقت استخدام النظام السوري للأسلحة الكيماوية تسع مرات بعد حادثة الغوطة، إحداها هجوم وقع في الغوطة الشرقية نفسها في 7 أبريل 2018.

منظمة حظر الأسلحة الكيميائية: النظام السوري مسؤول عن هجوم الكلور في دوما
أثبت تحقيق أجرته هيئة مراقبة الأسلحة الكيميائية العالمية أن هناك "أسبابا معقولة للاعتقاد" أن القوات الجوية التابعة للنظام السوري أسقطت أسطوانتين تحتويان على غاز الكلور على مدينة دوما في أبريل 2018، ما أسفر عن مقتل 43 شخصا.

خطوات للمحاسبة

وفي ظل ما يعتبره الناجون من مجزرة الكيماوي في غوطة دمشق "إفلاتاً من العقاب" بالنسبة لمحاسبة النظام السوري على استخدام الأسلحة الكيماوية، بموجب حماية روسيا له داخل أروقة مجلس الأمن ومنع وصول الملف إلى المحكمة الجنائية الدولية، نتيجة الفيتو الروسي- الصيني، سعت منظمات حقوقية سورية إلى سلوك طرق بديلة في سبيل الحصول على حقوق الضحايا والناجين.

في عام 2020، تقدّمت كل من "مبادرة العدالة" و"مبادرة الأرشيف السوري" بالإضافة لـ"المركز السوري للإعلام وحرية التعبير"، بشكوى جنائية أمام الادّعاء العام الألماني ضد مسؤولين سوريين بينهم بشار الأسد، حول استخدام الأسلحة الكيماوية في عدة مناطق سورية، بينها الغوطة الشرقية.

كما تقدّمت المنظمات الثلاث عام 2021 بالدعوى نفسها أمام القضاء الفرنسي، مع إرفاقها بشهادات عدد من الناجين من هجمات السارين في الغوطة، وفي العام نفسه قدمت المنظمات ذاتها شكوى في السويد، لمحاسبة مسؤولين سوريين على استخدام غاز السارين في هجومين، الأول على الغوطة الشرقية عام 2013، والثاني على خان شيخون بريف إدلب عام 2017.

قادت التحقيقات في فرنسا إلى إصدار محكمة في باريس أربع مذكرات توقيف في نوفمبر 2023، بتهمة التواطؤ في جرائم ضد الإنسانية والتواطؤ في جرائم حرب، بشأن الهجمات الكيميائية القاتلة في الغوطة عام 2013، واستهدفت كلاً من الرئيس السوري بشار الأسد، وشقيقه المسؤول عن الفرقة الرابعة ماهر الأسد، وضابطين برتبة عميد، هما غسان عباس مدير الفرع "450" التابع لمركز الدراسات والبحوث العلمية السورية، وبسام الحسن الذي يعمل كضابط اتصال بين القصر الرئاسي السوري ومركز البحوث العلمية.

في يونيو الماضي، صدّق القضاء الفرنسي على مذكرة التوقيف نفسها، فيما يُعد هذا الحكم أبرز جهد في طريق محاسبة النظام السوري على شنّ هجمات كيماوية، رغم مطالبة مكتب المدّعي العام الوطني لمكافحة الإرهاب، بإلغاء مذكرة التوقيف ضد الأسد، بسبب الحصانة الشخصية للرؤساء أثناء وجودهم في السلطة.

من جهتها، أوصت الشبكة السورية لحقوق الإنسان كلاً من مجلس الأمن الدولي والأمم المتحدة بتطبيق البند السابع من الميثاق الأممي وفرض عقوبات سياسية واقتصادية وعسكرية ضد النظام السوري "كشكل من أشكال التعويض المعنوي لأُسر الضحايا"، مع التشديد على ضرورة إحالة الملف السوري إلى المحكمة الجنائية الدولية، ومحاسبة جميع المتورّطين.

" خيبة أمل كبيرة"

على حسابها الرسمي في فيسبوك، أصدرت "رابطة ضحايا الأسلحة الكيماوية" (أُنشئت عام 2021 من مجموعة من ذوي الضحايا والناجين)، عدّة  دعوات لتنفيذ وقفات وفعاليات في الداخل السوري وتركيا وأوروبا، تطالب بمحاسبة القيادات الأمنية والعسكرية لدى النظام السوري، جراء مجمل الهجمات الكيماوية، وعلى رأسها هجوم الغوطة الشرقية 2013، تحت شعار "معا لأجل حقوق الضحايا ومنع الإفلات من العقاب".

عقد و نيّف...

Posted by ‎رابطة ضحايا الأسلحة الكيميائية Association of Victims of Chemical Weapons‎ on Sunday, August 18, 2024

 

ورغم مرور 11 عاماً على المجزرة التي يعدها السوريون "الأكبر" خلال فترة الحرب، لا يزال ناجون وذوو ضحايا قضوا فيها، يعبّرون عن عدم تجاوزهم آثارها القاسية.

من بينهم وديان طرابلسي، وهي شاهدة عيان على مجزرة الكيماوي، تقول لموقع "ارفع صوتك" إن الإصابات الجسدية التي لحقت بالمتضرّرين يمكن تجاوزها خلال سنوات "غير أن الآثار النفسية لا تزال حاضرة".

وتعتقد أن المجتمع الدولي "لم يقم بواجباته القانونية والإنسانية تجاه محاسبة الأسد على ارتكاب هذه المجزرة" معبّرةً عن "خيبة أمل كبيرة" من الدول الغربية.      

الحاج زهير دبس، وهو ناج من مجزرة دوما، يقيم حالياً في مدينة عفرين شمال سوريا، يستبعد أن تتم محاسبة الأسد وفق المنظور الحالي، بسبب ما يسمّيه "تبدُّل المزاج الدولي تجاه الملف السوري".

ويقول لـ"ارفع صوتك" إن أسوأ ما حصل في الملف السوري "دمج التوافقات السياسيّة بالجرائم التي تم ارتكابها على مدى 13 عاماً، بالتالي فإن المجرم يمكن أن يعود مُرحّباً به وبريئاً من كل الانتهاكات"، على حدّ تعبيره.

يتابع زهير "بدلاً من محاسبة الأسد، تقوم بعض الدول العربية أو الغربية اليوم بالتطبيع مع القاتل، كأنها تغسل يديه من جميع الجرائم، وتقول للضحايا (حاولوا النسيان)".