اللاعبة المغربية نهيلة بنزينة- رويترز

شهدت كأس العالم للسيدات التي تستضيفها نيوزيلندا حدثاً تاريخاً وهو ظهور اللاعبة المغربية نهيلة بنزينة في مباراة منتخب بلادها ضد كوريا الجنوبية مرتديةً الحجاب.

مُدافعة "الجيش الملكي" المغربي قدّمت أداءً لافتاً مع منتخب بلادها خلال مشاركته الأولى في البطولة، مستفيدةً من إلغاء "فيفا" الحظر الذي فرضه سابقاً على ارتداء الحجاب، خطوة وصفتها الصحافية الكندية شيرين أحمد، بأن بنزينة أصبحت "رمزاً للاندماج في الرياضة".

ورغم خروج المغرب من الدور الـ16، اعتبرت أحمد أن "الفوز الأكبر من هذا الحدث هو أن الفتيات الصغيرات المحجبات حول العالم رأين بنزينة وهي تخوض المباريات مرتدية الحجاب فعلمن أنهن لن يُمنعن من كرة القدم في المستقبل".

 

بين منع الحجاب وفرضه

طوال السنوات الفائتة عانت الرياضيّات المسلمات المحجبات من مشكلتين؛ الأولى رفض أغلب الاتحادات الدولية السماح للمحجبات بممارسة الرياضة، والثاني هو عدم توفّر الحجاب المناسب للرياضيّات.

هذا الأمر، كاد يدفع بطلة العالم المصرية في الخماسي الحديث، آية مدني، إلى الاعتزال في 2008 بعدما ارتدت الحجاب رغم رفض اتحاد اللعبة مشاركتها به.

في تقرير نشرته صحيفة "الغارديان" البريطانية، قالت أخصائية علم الإنسان إيما تارلو، إن "تجاهل مشكلة الحجاب أثناء أداء الرياضة أجبر عشرات النساء المسلمات على التخلي عن ممارسة الرياضة بسبب عدم رغبتهم في كشف شعورهن أو أجسادهن".

في بعض الأحيان حُمّلت هذه القضية بأبعادٍ سياسية واجتماعية زادت من صعوبة حلّها، كما حدث في فرنسا، التي اتخذت قراراً بحظره احتراماً للهوية العلمانية للدولة. وعلى النقيض في إيران أجبرت جميع اللاعبات والمُشجعات على ارتدائه انصياعاً لمبادئ الدولة الإسلامية التي تعتبر ارتداء النساء للحجاب أحد ثوابتها الراسخة. 

وفي عام 2011 منع الفيفا إيران من خوض مباراة أولمبية ضد الأردن بسبب ارتداء لاعباته للحجاب، وفي 2016 انسحبت الرامية الهندية هينا سيدو من بطولة آسيوية استضافتها طهران بسبب رفضها ارتداء الحجاب رغماً عنها.

 

أول "حجاب رياضي"

في عام 1999 مُنعت فتاة مسلمة من المشاركة في رياضة السباحة بسبب عدم ملاءمة حجابها للمعايير المعتمدة في صنع ملابس السباحة. هذه الواقعة، ألهمت مصممة الأزياء الهولندية سيندي فان دين بريمن، لتصنع أول "حجاب رياضي".

في حينه، اقترحت المحكمة لحل الإشكال، على الرياضية،  ارتداء قبعة السباحة مع تغطية الرقبة لعدم توفر حجاب مناسب. فقامت سيندي بتصميم حجاب مناسب، لكنه كمُنتَج لم يحقّق انتشارًا واسعًا حول العالم في ظِل قرارات الحظر المفروضة عليه من قِبَل الاتحادات الرياضية الدولية.

وفي عام 2004 شاركت العدّاءة البحرينية رقية الغسرة في سباق 100 متر بأولمبياد أثينا مرتدية الحجاب، وهذا المشهد بدا ملفتاً في ظِل عدم انتشار الحجاب وقتها حتى في أوساط الرياضيات المسلمات اللائي ظهرن جميعا بلا حجاب.

ومنذ عام 2007 منع اتحاد الفيفا ارتداء الحجاب في المسابقات، معتقداً أنه "مصدر قلق للصحة والسلامة، فقد يؤدي إلى خنق اللاعبة أو جرح الخصم، وأيضاً بسبب رفض الاتحاد الدولي لانتشار الرموز الدينية في الملاعب".

بعدها بخمس سنوات، شهد أولمبياد لندن حدثاً تاريخياً عقب مشاركة عدد من الرياضيات المحجبات مثل السعوديتين وجدان علي لاعبة الجودو، والعدّاءة سارة عطار.

ثم جاء الدور على شيرين جيرامي أول امرأة إيرانية تشارك في إحدى بطولات اتحاد "الترياتلون" الدولي، وهي مسابقة أشبه بالماراثون تشمل السباحة ثم ركوب الدراجات ثم الركض، حيث ارتدت الحجاب طيلة فعاليات السباق، خطوة نالت اهتماماً ضخماً واستدعت إشادة من الرئيس الإيراني حينها حسن روحاني.

أتى عام 2014 محملاً بخبرٍ سعيد للاعبات كرة القدم المحجبات، وهو موافقة الفيفا على السماح لهن بممارسة الكرة في بطولاته الدولية.

وفي أولمبياد ريو 2016، شاركت المصرية دعاء الغباشي لاعبة كرة القدم الشاطئية مرتدية الحجاب، وحقّقت المركز الأخير برفقة زميلتها ندى معوض.

خلال تعليقها على ظهورها بالأولمبياد قالت دعاء: "الحجاب جزء منّي، في النهاية هذه رياضة وليست عرضاً للأزياء، أتمنى من الناس التركيز على أدائي وليس ملابسي".

لم تُقدّم دعاء أداءً كبيراً لكن مشاركتها حظيت بتغطية إعلامية مكثفة بسبب حجابها حتى أن لقطة جمعتها بمُنافستها الألمانية، حققت انتشاراً واسعاً دلالةً على التنوع في الألمبياد.

كما شهد أولمبياد ريو مشاركة ابتهاج محمد لاعبة المبارزة الأميركية، لتكون أول أميركية محجبة تدافع عن منتخب بلادها في مسابقة أولمبية.

وفي الأولمبياد نفسه، حقّقت الربّاعة المصرية المحجبة سارة أحمد ميدالية برونزية، فيما ظفرت لاعبة التايكندو المصرية المحجبة هداية ملاك بميداليتين برونزيتين في ريو وطوكيو.

 

جزءاً من الملابس الرياضية

تتالِي ظهور رياضيّات مسلمات يتنافسن على أعلى المستويات العالمية دفع كبرى الشركات الرياضية العالمية لابتكار "الحجاب الرياضي"، المصنوع من قماش متين خفيف الوزن يوفّر التهوية للرأس.

في 2017 أطلقت شركة "نايكي" نسختها الأولى من هذا الحجاب واختارت 3 رياضيات مسلمات لتقديمه إلى الجمهور، هن: المتزلجة الإماراتية زهرة لاري، ومتسلّقة الجبال المصرية منال رستم،  والربّاعة الإماراتية آمنة الحداد.

تلتها شركة "أديداس" في 2019 وبعدها بعام لحقت بهما شركة "أندر آمور" الأميركية التي جعلت من لاعبة الأثقال الباكستانية سامان منير وجهاً رئيسياً لحجابها الرياضي.

وهذا الحجاب تعدّى المحترفات إلى المسلمات المحجبات اللواتي يمارسن الرياضة بأشكالها في حياتهن اليومية، بطريقة أفضل بالنسبة لهن، وأدى إلى تطبيع وجوده وانتشاره بشكل عام، بعد عقود من المنع.