ARCHIVO - Margot Robbie en una escena de "Barbie" en una imagen proporcionada por Warner Bros. Pictures. (Warner Bros. Pictures…
الممثلة مارغو روبي لعبت دور "باربي" الذي حمل اسم الدمية الشهيرة

نجاحٌ تجاري ساحق حقّقه الفيلم الأمريكي "باربي" فور عرضه في السينمات حول العالم، حدثٌ استثنائي كسر سنواتٍ طويلة من سيطرة ذكورية مطلقة على شباك التذاكر بفضل الحضور المستمر لأفلام ملاحم "مارفيل" و"دي سي".

العمل، الذي صنّفته مُخرجته غريتا جيرويغ بأنه "فيلم نسوي"، حافل بالإسقاطات المنحازة للمرأة؛ فباربي يتم التحرُّش بها فور خروجها من حياتها الآمنة في "باربي لاند"، كما تجري ملاحقتها من قِبَل مجلس إدارة شركة من الذكور على رأسه المدير ويل فيرير الذي يصرخ طوال الفيلم بأن باربي "يجب أن تعود إلى الصندوق مرة أخرى".

اختيار جيرويغ لإخراج الفيلم لم يأتِ عبثاً وإنما بفضل بدايتها في مجموعة من الأفلام المستقلة النسوية مثل "ليتل وومن" و"ليدي بيرد" وغيرها من الأعمال التي اهتمت بتسليط الضوء على قصص النساء المهمّشات.

نجاح الفيلم شكّل استمراراً للمسيرة النسوية الطويلة التي قطعتها باربي منذ لحظة ظهورها للمرة الأولى وتحقيقها رواجاً تجارياً كبيراً ومستمراً دفع الكاتبة جوردان سيرلز إلى وصف الدُمية بأنها تمثّل "ذروة النسوية البيضاء".

 

مقاومة نسوية مبكرة

عام 1959 ظهرت الدمية "باربي" للمرة الأولى على يدي الأميركية روث هاندلر بعدما شاهدت الدمية الألمانية "بيلد ليلي" (Bild Lilli) خلال إجازة قضتها في جبال الألب السويسرية.

الدمية الألمانية استُوحيت فكرتها من شخصية كوميدية كانت تُرسم على صفحات مجلة ألمانية محلية، اختلفت عن "باربي" في أنها صُنعت مثيرة الشكل بهدف جذب انتباه الرجال، وهو الهدف الذي حقّقت به نجاحاً كبيراً في ألمانيا حتى أنها كانت تُعلّق على زجاج السيارات وتوضع على رفوف متاجر السجائر.

عقب عودتها إلى أمريكا قرّرت هاندلر تصنيعها لصالحة شركة "ماتيل" فمنحتها اسم ابنتها "باربرا" ثم عدّلت قليلاً في شكلها، وفي نوع الجمهور الذي تستهدفه، وفور طرحها في المتاجر حقّقت انتشاراً واسعاً، الأمر الذي جلب عليها بعض الانتقادات بسبب المواصفات الجسدية للدمية البلاستيكية بقوامها النحيل وقدميها الدقيقتين حتى أن بعض الدراسات ربطت بين اللعب بها وبين إصابة الأطفال باضطرابات الأكل بسبب رغبتهم الجامحة في الوصول إلى "قوام باربي".

فيما قالت الدكتورة شيلي راسل مايهيو المتخصصة في علم نفس الأطفال إن "هناك الكثير من الأدلة التي تؤكد أن باربي تضرب علاقة الطفل بجسده، لأنها تضع له معيار جمال غير صحي من الصعب تحقيقه".

أيضاً اتُّهمت "باربي" بأنها تعيد إحياء نظرية "الشقراء الغبية" التي شاعت في السينما الأمريكية خلال أوائل الثلاثينيات وقدّمت البطلات كمجرد فتيات جميلات لا يمتلكن أي ذكاء.

خلال طرح الدمية في الأسواق كانت أوضاع النساء أبعد ما تكون عن ذلك في أمريكا، فالحركة النسوية الأمريكية عاشت رواجاً كبيراً بفضل الحرب العالمية الثانية التي شغلت الرجال بالحرب ودفعت بالنساء بغزارة إلى سوق العمل. في 1962 ظهر كتاب "الجنس والمرأة العزباء"، الذي كتبته هيليل جورلي، وعزّز من الحديث عن استقلال المرأة.

 

تطوّر المسيرة

مع النجاح الكبير الذي صادفته باربي فور ظهورها بالأسواق، سارعت شركة "ماتيل" إلى تطوير مسيرتها أكثر؛ في 1961 حصلت على شريكٍ هو "كين"، وفي العام التالي صُنّعت نسخة معدّلة منها تمتلك منزلاً خاصاً، وهي أمور كانت في مصاف الأحلام بالنسبة للنساء الأمريكيات حينها إذ إنهن لم ينلن الحق في فتح حساب مصرفي إلا عام 1974.

بمرور الوقت امتلكت باربي سيرة ذاتية واضحة؛ اسمها بالكامل هو باربرا ميليسنت روبرتس، وبخلاف صديقها كين كارسون فإن لديها 3 أصدقاء آخرين، هم: فرانسي وميدج وكريستي. وهذه التفاصيل حافظت عليها باربي خلال ظهورها الأول كشخصية كارتونية مرسومة في كُتب للأطفال دارت أحداثها في بلدة صغيرة حملت اسم ويلوز.

من جانبها ترى عائشة مالهوترا، أستاذة العلوم الإدارية في جامعة كالجاري الكندية باربي  كـ"مُحرِّرة تاريخية" بعدما ساعدت الفتيات على تطوير النزعة النسوية داخلهم خلال الخمسينيات؛ فبعدما كان المصير المُنتظر لكل فتاة أن تكون ربة منزل لذا كانت ألعابها دُمى أطفال تمارس عليها أمومتها المبكرة جاءت باربي بشخصية قوية وساحرة أقنعت الفتيات أنهن يُمكنهم أن يكنَّ رائدات فضاء ومهندسات وسياسيات بارزات.

وعقب وقوع أعمال شغب عرقية في أمريكا في الستينيات تفاعلت معها هاندلر فأصدرت دُميتها بأكثر من لون تعبيراً عن موقفها المُرحِّب بالتنوع الإنساني.

وفي 1997 أصدر فريق البوب النرويجي "أكوا" أغنيتهم "فتاة باربي" التي حققت نجاحاً مذهلاً جاب العالم بأسره وكانت سبباً رئيسياً في شهرة هذا الفريق الغنائي حتى اليوم.

 

في منتصف الثمانينات عاشت أمريكا ركوداً اقتصادياً كبيراً فزاد حضور النساء في سوق العمل، وهو ما عبّرت عنه باربي حينما ظهرت أشكال منها ترتدي بدلة وتحمل حقيبة أوراق ثم كطبيبة ورائدة فضاء ومديرة تنفيذية، تحت شعار مُشجِّع للفتيات هو "يُمكنك أن تكوني أي شيء".

ترسيخاً لهذا الشعار الأيقوني أصبحت "باربي" رائدة فضاء قبل أربع سنوات من وصول الإنسان إلى القمر وقبل 20 عاماً من نجاح سالي رايد أول رائدة فضاء أمريكية في ارتياد الفضاء.

وحتى اليوم صدر من "باربي" 200 مظهر مختلف عبّرت فيه عن مختلف الأعراق والوظائف وحتى الحالة الجسدية، إذ هناك نسخ من باربي على كرسي متحرك وأخرى بأطراف اصطناعية.

ومع ظهور الموجة النسوية الحديثة التي روّجت لفكرة "تقبُّل الجسد مهما كان شكله" ورفضت الإقرار بوجود قالب مثالي واحد للجسد تجاوبت شركة "ماتيل" معها سريعاً وطرحت عدة أشكال من "باربي" أُجريت فيه عدة تغييرات على قوامها الأيقوني فزاد عرض صدرها وفخذيها عدة ملليمترات.

زادت هذه التغييرات من النجاح التجاري للدمية الأمريكية، ففي 2016 بلغت أرباح الشركة قرابة مليار دولار حول العالم.

وفي 2018 قدّمت شركة "ماتيل" 14 نموذجاً من نساء باربي الملهمات تضمّن نماذج نسوية ناجحة مثل يوان تان راقصة الباليه الصينية وبيندي إيروين الناشطة الأسترالية في مجال حقوق الإنسان وغيرهن الكثيرات.

 

"فلتسقط باربي"

رغم حرص شركة "ماتيل" على إظهار باربي في أشكال متنوعة فإن هذه الخطوات لم ترق للدكتورة مايهيو معتبرة أنه رغم كل هذا التعدد يظلُّ التركيز الأول ليس على ما تستطيع الدمية فِعله ولكن على  مظهرها وتصفيفة شعرها وما ترتديه من ملابس، مؤكدة أن مساعي شركة "ماتيل" هدفت إلى أن تكون "باربي" جميلة ومثيرة خلال أداء الوظائف أكثر من القيام بعمل فعلي وهذه هي مشكلة "باربي" الرئيسية، أنها تزرع في عقول النساء أنهن مجرد زينة.

الانطباع نفسه تكوّن لدى الناشطة النسوية الأمريكية غلوريا ستانيم ودفعها للتصريح في 2018 بأن باربي تمثّل "كل شيء لا نريده.. كل ما كانت الحركة النسوية تهرب منه".

الاحتجاج ضد "باربي" لم يتوقف على الانتقادات الصحفية والبحثية، بل تطوّر إلى ماهو أكثر شدة، مثلما جرى عام 1972 حين تظاهرت مجموعة من الناشطات أمام متجر للألعاب في أمريكا احتجاجاً على عرضه دُمى باربي، معتبرات أنها تشجع الفتيات الصغيرات على أن يعتبرن أنفسهن "أدوات جنسية".

وأيضاً في 2013 تجمّعت ناشطات لحقوق المرأة في برلين واحتججن على افتتاح "بابربي دريم هاوس"، وأحرقن أمامه مجموعة من الدُمى.

في المقابل فإن "باربي" والفيلم الخاص بها أثارا غضب عدد من الرجال، لأنهم رأوا فيه فيلماً "نسوياً متطرفاً"، مثل المحلل الأمريكي بين شابيرو الذي هاجم فيلم "باربي" خلال فيديو طويل مدعياً أن رسالة الفيلم تركّز على ضرورة "كُره الرجال"، كما انتقد الملياردير الأمريكي إيلون ماسك العمل في تدوينة قال فيها إنه لو تناول جرعة من الكحول مع كل ذكر لمصطلح "الأبوية"(البطريركية) في الفيلم،  لسقط فاقداً الوعي قبل نهايته!

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

من تظاهرة احتجاجية في العاصمة العراقية بغداد حول تعديلات مقترحة على قانون الأحوال الشخصية
من تظاهرة احتجاجية في العاصمة العراقية بغداد حول تعديلات مقترحة على قانون الأحوال الشخصية- تعبيرية

 في مكتبها وسط العاصمة العراقية بغداد، تجتمع المحامية مروة عبد الرضا مع موكلها الشاب العشريني وزوجته (ابنة خالته)، اللذين يسعيان لتوثيق زواجهما المنعقد خارج المحكمة لصغر سن الزوجة (13 عاما)، وهي طالبة في السادس الابتدائي بمنطقة المدائن على أطراف العاصمة بغداد.

تقول عبد الرضا لـ"ارفع صوتك": "لا يمكن الحديث عن الزواج المبكر من دون أن يتم ربطه بشكل مباشر بالزواج خارج المحاكم لأنهما مرتبطان ببعضهما البعض".

بعد اكتشاف حمل الفتاة، قررت العائلة توكيل محام لتقديم طلب توثيق العقد. تضيف عبد الرضا "الإجراءات الحكومية بسيطة وغير معقدة في مثل هذه الحالات، فالقاضي يجد نفسه أمام الأمر الواقع بسبب حمل الفتاة، فيتم تصديق العقد وفرض غرامة أقصاها 250 ألف دينار على الزوج (نحو 150 دولاراً)".

الزيجة التي تشير إليها المحامية "ليست الأولى ولن تكون الأخيرة" على حدّ تعبيرها، "بل هي حالة اجتماعية متوارثة لاعتقاد سائد أن الرجل يرتبط بفتاة صغيرة ليقوم بتربيتها على ما يحب ويكره، لكن النتيجة كثيرا ما تكون سلبية بحسب القضايا التي تشغل أروقة المحاكم ونراها بشكل يومي. فالفتاة التي تتزوج بعمر الطفولة غير قادرة على استيعاب العلاقة الزوجية، وفي كثير من الحالات يكون الأمر أشبه بالاغتصاب".

تتحدث عبد الرضا عن ارتفاع كبير بنسب الطلاق في المحاكم العراقية: "كثير منها يكون نتيجة الزواج المبكر وتدخّل الأهل بسبب صغر أعمار الطرفين وهو ما يؤثر بشكل كبير على العلاقة الزوجية".

وتشير إلى أنه كثيرا ما يتم التزويج "لعدم وجود فتيات في منزل العائلة للرعاية والعمل المنزلي، فيكون مطلوب منها القيام بأعمال الكبار وهي بعمر الطفولة، وهذا أكبر من قدرة أي فتاة صغيرة".

ما تكشف عنه عبد الرضا تؤيده إحصاءات مجلس القضاء الأعلى، ففي شهر يوليو الماضي كان هناك 2760 عقد زواج خارج المحكمة، و1782 حالة طلاق خارج المحاكم و4562 حالة بتّ فيها، بعد رفع دعاوى قضائية.

وينقل المجلس الأعلى في أحد تقاريره عن القاضي عماد عبد الله قوله إن المحاكم العراقية "شهدت ارتفاعاً ملحوظاً في حالات الطلاق. وأهم الأسباب ترجع إلى حالات الزواج المبكر التي تفتقر لمتابعة الأهل، وعدم توفر الاستقرار المالي الذي يسمح بإنشاء أسرة بالإضافة إلى التأثر بالسوشيال ميديا".

A woman holds up a sign reading in Arabic "the marriage of minors is a crime in the name of safeguarding (honour)", during a…
"خارج السرب".. رجال دين يعارضون تعديلات "الأحوال الشخصية"
مع أن طرح التعديلات على قانون الأحوال الشخصية العراقي لعام 1959، يحظى بدعم كبير من غالبية رجال الدين الشيعة والسنة في العراق، إلا أن بعض رجال الدين من الطائفتين، غردّوا خارج السرب وسجّلوا مواقف معارضة للتعديلات على القانون.

تداعيات الزواج خارج المحاكم

تتحدث شابة فضّلت عدم الكشف عن اسمها لـ"ارفع صوتك" عن سنوات طويلة حُرمت فيها من أبسط حقوقها، فلم تتعلم القراءة والكتابة، ولم تنل رعاية صحية لائقة، فقط لأن زواج أمها المبكر وإنجابها لها وهي في عمر صغير، جعلها من دون أوراق ثبوتية.

"تزوجت والدتي بعقد خارج المحكمة بعمر صغير، وانفصلت بعد أشهر قليلة عن والدي لعدم انسجامهما معاً، لتكتشف حملها بي"، تروي الشابة.

وضعت الأم حملها وتزوجت مرة ثانية، ورزقت بالمزيد من الذرية. تبين: "لم يتم إصدار أوراق ثبوتية لي، فحُرمت من التعليم ومن الرعاية الصحية، وكنت أحياناً استعين ببطاقة شقيقتي الأصغر للحصول على العلاج في المستشفيات".

توفيت والدتها التي قابلناها لصالح تقرير سابق قبل ثلاث سنوات، وفي أوائل العام الحالي وهي بعمر 23 عاماً تزوجت الشابة بعقد خارج المحكمة، واليوم تسعى لاستخراج هوية الأحوال المدنية لتوثيق زواجها "لا أريد أن تتكرر مأساتي مع أطفالي أيضاً".

من جهته، يقول المحامي خالد الأسدي لـ"ارفع صوتك" إن قضايا الزواج والطلاق خارج المحكمة في أغلبها تكون "بسبب صغر عمر الزوجة أو للزواج الثاني، كون القضاء يطلب موافقة الزوجة الأولى، ونتيجة لذلك أصبح لدينا جيش صغير من الأطفال غير الموثقين رسمياً والمحرومين من أبسط الحقوق".

الزواج المبكر كما يشرح الأسدي "لا يقتصر على الإناث فقط بل يشمل الذكور أيضاً، فقانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 اعتبر سن الثامنة عشرة هو سن الأهلية القانونية لإجراء عقد الزواج".

القانون ذاته وضع استثناءات، يفنّدها الأسدي "فقد منح القاضي صلاحيات تزويج من أكمل الخامسة عشرة من العمر وقدم طلباً بالزواج، وفق شروط تتعلق بالأهلية والقابلية البدنية التي تتحقق بتقارير طبية وموافقة ولي الأمر". 

ستابع الأسدي "هذا الاستثناء لا يشجع زواج القاصرين قدر تعلق الأمر بمعالجة حالة اجتماعية بطريقة قانونية تتيح فيه القرار للسلطة القضائية".

مع ذلك، فما كان مقبولاً في الفترة التي تم تشريع القانون بها، لم يعد مقبولاً في الوقت الحالي؛ كون المسالة تتعلق برؤية اجتماعية جديدة فيها جوانب اقتصادية وتغيرات اجتماعية كبيرة شهدها العراق خلال العقود الستة الأخيرة، بحسب الأسدي.

 

قصص

لم تكن أم علي تتجاوز 14 عاماً حين تم تزويجها إلى ابن عمها، كان ذلك أواخر تسعينيات القرن الماضي. واليوم تواجه "مشكلة"، إذ تم الاتفاق - دون رغبة الأم- على تزويج ابنتها البالغة من العُمر 14 سنة.

عدم رغبة الأم هي نتيجة مباشرة لما تعرضت له خلال رحلة زواجها الطويلة. تقول أم علي لـ"ارفع صوتك": "صحيح أنني أمتلك عائلة وأبناء وبنات أصبح بعضهم بعمر الزواج. لكن، لا أحد يتحدث عن مرارة الرحلة".

وتوضح "أنا وزوجي كنا بعمر متقارب ومن عائلتين فقيرتين. بعد زواجي بشهر واحد حملت بطفلي الأول.. كنا مجرد طفلين نعتمد على مصروف يوفره والده، أو أعمال متقطعة في مجال البناء، ولم يأت الاستقرار إلا بعد عشر سنوات حين تطوع في الجيش، وأصبح لديه راتب ثابت وبات قادراً على الإنفاق".

على الرغم من عدم رغبتها بخضوع ابنتها للتجربة ذاتها، تقول أم علي "التقاليد والأعراف لا تسمح لنا بذلك، لا أريد لابنتي أن تواجه المصير ذاته ولكن ليس بيدي حيلة وليس لنا رأي".

على عكس حكايتها، تقول أم نور  إن أحداً لم يجبرها على الزواج حين كانت بعمر السادسة عشرة، مردفة "كل فكرتي عن الزواج كانت ترتبط برغبتي بارتداء فستان أبيض، وأن الجميع سيرقصون من حولي، لكن سرعان ما اكتشفت أنّي لم أكن مؤهلة لتكوين عائلة".

في العراق كما تشرح أم نور وهي على أعتاب الستين " كثيراً ما يكون الزواج مبكراً، ودون أن تكون هناك فكرة حقيقية عن المسؤولية ومدى قدرتنا على تحملها، أو تربية أطفال والتعامل مع بيئة جديدة مختلفة عن التي تربينا فيها بعد الانتقال إلى منزل الزوجية".

أفكار نمطية                       

الموروث الثقافي كما يرى أستاذ الاجتماع رؤوف رحمان يلعب دوراً كبيراً فيما يتعلق بالزواج المبكر للإناث والذكور بشكل عام في العراق.

يقول لـ"ارفع صوتك" إن البيئة العراقي التقليدية "تربّي الفتاة على أنها غير مؤهلة لإدارة شؤونها، فيكون مصيرها مرهوناً بقرار العائلة التي تفضّل تزويجها مبكرا لأنها مرغوبة اجتماعياً ومطلوبة للزواج ما دامت صغيرة في السن، وتقل حظوظها كلما تقدمت في العُمر".

في حالات كثيرة يذكرها رحمان "تسعى الفتيات للارتباط حين تفتقد الأسرة إلى الانسجام، أو للتخلص من العنف الأسري والفقر، خصوصاً ضمن العائلات الممتدة والريفية أو في أحيان أخرى للحصول على مهرها".

ويرى أن الزواج المبكر في العراق يرتبط أيضاً "بالعنف والصراعات والحروب المستمرة، فعدم الاستقرار الأمني يدفع العوائل لتزويج الفتيات بعمر مبكر للتخلص من مسؤوليتهن".

أما في ما يتعلق بالزواج المبكر للذكور، فيشير رحمان إلى وجود "فكرة خاطئة مفادها أن تزويج الذكر بعمر صغير يقيه من الانحراف أو الوقوع في المشاكل عندما يكون مسؤولاً عن زوجة وأطفال بعمر مبكر".

كل هذه التقاليد والأعراف النمطية المتوارثة تشكّل بحسب رحمن "مواطن الخلل في المجتمع، فنحن اليوم بحاجة إلى ثقافة مختلفة تماماً، في زمن تغيرت طبيعة الحياة فيه من ريفية بسيطة إلى مدنية معقدة، غزتها وسائل التواصل وغيرت الكثير من أساليب العيش وسط أزمة اقتصادية خانقة وزيادة مرعبة بأعداد السكان".

جزء من الحل كما ترى المحامية مروة عبد الرضا، يكمن في "تثقيف الشباب من الإناث والذكور عن الحياة الزوجية والمسؤولية المترتبة عن إنشاء أسرة عبر دروس ضمن مناهج وزارة التربية، ومحاضرات من الباحثين الاجتماعيين ضمن المحاكم العراقية قبل عقد القران، لتأهيل وتوعية المقدمين على الزواج".