الحقوقية ومدربة في فن الديكوباج، بسمة بركات- فيسبوك
الحقوقية ومدربة في فن الديكوباج، بسمة بركات- فيسبوك

"اخترت فن الديكوباج لأتعلمه وأعلمه للنساء الباحثات عن مصادر تقدم لهن حلولاً وتجعلهن أقوى في مواجهة الظروف المتغيرة، كخطوة أولى ليعملن على مشاريع خاصة بهن، يحققن منها عوائد مادية"، تقول الحقوقية السورية بسمة بركات، التي تعيش حالياً في العاصمة المصرية القاهرة.

وفي حوارها مع "ارفع صوتك"، تتحدث بركات، وهي من محافظة الحسكة شمال شرق سوريا، عن الطريق الذي أوصلها لهذا النوع من الفنون واهتمامها بقضايا المرأة وعلاقتها المتجذرة ببلدها الأم التي تنعكس على بعض أعمالها، رغم سنوات البعد عنه. 

وقبل مصر، عاشت بركات عدة سنوات في تركيا، مارست فيها عملها القانوني، خصوصاً في قضايا المرأة وحقوق الإنسان. حيث أتيح لها التواصل مع العديد من النساء، اللواتي يعشن حالة من "الانكسار والتعب النفسي نتيجة ضعف المدخول المادي" كما تقول لـ"ارفع صوتك".

 

العمل مع النساء

تعتبر بركات، أن لممارسة فن الديكوباج آثارا إيجابية على الحالة النفسية. توضح "كان يمر علي عدد كبير من النساء المحبطات ولديهن مشاكل وأزمات نفسية، وكن يلجأن إلى التدريب ليفرغن طاقاتهن ويعبرن عن مشاكلهن النفسية وأحلامهن وأحزانهن، من خلال الألوان التي يستخدمنها، ومن خلال القطع التي ينفذنها".

"وبشكل غير مباشر كانت الورش التدريبية تتحول لجلسة علاج نفسي حقيقي"، تضيف بركات لـ"ارفع صوتك"، مشيرةً إلى أن عدداً من المتدربات كنّ يخبرنها بعد نهاية كل درس بأنهن "ارتحن نفسياً من الضغوطات".

وتقول إن المشاركات عادةّ، كنّ يشعرن بالفخر، نتيجة الإطراء والثناء الذي يتلقينه عبر مواقع التواصل بعد عرضهن الأعمال الفنية التي صممنها بأنفسهن.

وتدلل بركات على الأثر الكبير للورشات الفنية، بسردها: "حضرت معي إحدى المتدربات خمس جلسات متواصلة، وقالت لي إنها جاءت بناء على رأي طبيبها النفسي، الذي نصحها بحضور ورشات تدريبية حتى تخرج من الاكتئاب الذي تعيشه".

وعلى الصعيد الماديّ، تلفت بركات، إلى أن عدداً من المتدربات أسسن مشاريعهن الخاصة وشاركن بالمعارض أو افتتحن معارض خاصة بهن، ما مثلّ بالنسبة لهن مصدراً جديداً لدخل.

في ذلك السياق بالذات، تؤكد الحقوقية السورية، بأن "ميزة فن الديكوباج أن كل قطعة لا تشبه الأخرى، وهو ما يحبه الزبائن، الذين يسعون لاقتناء ما يعجبهم منها".

 

ما الديكوباج؟

تبين بسمة بركات، أن الديكوباج "كلمة فرنسية معناها القص واللصق، وهو في أساسه فن قديم جدا، وأول ظهور له كان في الصين، وانتقل إلى فرنسا وبعدها انتشر حول العالم، ويستخدم فيه الأوراق والرسومات والصور الموجودة على الأقمشة وعلى الجرائد، حيث يتم قصها ثم لصقها على سطح المنتج".

وتضيف: "بعد ذلك تطور هذا الفن بشكل سريع جدا وملحوظ، وأُطلق عليه اسم فن الفقراء، بسبب قلة تكاليف العمل به، ورخص المواد المستخدمة به، ما دفع الطبقة الفقيرة من ذوي الدخل المحدود لتعلمه والعمل به، لأن المنتج لا يتغير، إنما تتم إضافة بعض الإضافات عليه، ويكون المُخرَج النهائي شبيها بنسبة كبيرة للمنتج الأساسي".

"ما لفت نظري أن هذا الفن غير محدود، ويمكن أن نستخدم من خلاله وسائط متعددة، ويمكن دمجه مع فنون أخرى، ويمكن استخدامه على أسطح متنوعة سواء كانت زجاجية أو معدنية أو بلاستيكية وغيرها" تتابع بركات.

وفي بداية تعلمها لهذا الفن، اعتمدت بركات التعلم الذاتي عبر محاكاة القطع الفنية المشغولة حول العالم، ثم تعلمته بالتدريب وحصلت شهادات من محترفين من عدة خلفيات ثقافية: عرباً وأميركيين وأتراكاً وبولنديين.

تقول "كل واحد من هؤلاء المدربين كان يفتح لي أفقاً جديداً، أطّلع من خلاله على حضارة بلدانهم" ما خلق في نفسها دافعاً كبيراً للاستمرارية، لي فقط على المستوى الشخصي، بل أيضاً تعليمه للآخرين، وهو ما حصل فعلاً في تركيا.

وتتوقع بركيات تزايد الاهتمام بالديكوباج وأن يكون له "مكانة كبيرة مستقبلاً"، على حدّ تعبيرها. كما تشير إلى أنه "فن صديق للبيئة" بسبب إمكانية ممارسته بالاعتماد على إعادة تدوير النفايات.

 

 

"جدار الذاكرة السورية"

كان للوحة أسمتها بسمة بركات "جدار الذاكرة السورية" وشاركت فيها بأحد معارض "دار الأوبرا" المصرية، أثرٌ كبير عليها.

تقول: "جسدت فيها ذاكرتنا السورية بعد الثورة وخلال الغربة عن سوريا، وحكيت فيها تفاصيل نحن عشناها، وحاولت أن أرسل من خلالها رسالة للمجتمع العربي وللصحف الأجنبية، وحكيت من خلالها بعض المشاكل التي نشعر فيها في الغربة، وأنا أؤمن أن الفن هو الرسالة والقوة الناعمة التي تُسمع، وهناك إصغاء لها أكثر من وسائل الإعلام ومن نشرات الأخبار، فتصل الرسالة لأعمق نقطة لدى الإنسان".

وتصرّ على أن تحاكي أعمالها الفنية "الجانب المشرق من سوريا"، كما تحاكي غربة السوريين عن بلادهم. تبين: "لا يمكننا أن ننكر اليوم أن هناك فئة لا بأس بها غير مطلعة على التراث السوري، وعدد كبير منهم لديهم صورة ذهنية أن سوريا بلد الحرب والقنابل وما إلى ذلك، وساهم الإعلام أيضا في ذلك، ولكن هناك أنواع من الفنون التي اندثرت في سوريا، وكوني فنانة سورية فواجبي أن أقوم بإحياء تلك الفنون".

"ولهذا السبب ركزت كثيرا على أن أنقل التراث السوري في أعمالي، خاصة أن جمهوري عربي وليس سوريا فقط، وكنت مصرة على تعريفهم به برؤية جديدة ومتطورة، كما أن لدي متدربات أجانب، وكنت أحاول طوال الوقت إيصال فكرة أن لدينا تراثا فنيا سوريا مهما جدا، وحرفا يدوية مهمة، نستطيع العمل عليها بروح عصرية جديدة تناسب الذوق العام العربي والعالمي"، تتابع بركات.

وتصف أعمالها المستلهمة من سوريا، بأنها تأتي نتيجة "مجهود نفسي وعاطفي كبيرا جدا، وعصارة من الحنين والوجع والذكرى".

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

طفل وأبيه يتلقون العلاج بعد تعرض منطقتهم إلى هجوم كيمياوي في الغوطة الشرقية بسوريا
طفل وأبوه يتلقيان العلاج بعد تعرض منطقتهما إلى هجوم كيمياوي في الغوطة الشرقية بسوريا

قبل 11 عاماً، بالتحديد يوم 21 أغسطس 2013، نام سكّان بلداتٍ في غوطة دمشق على وقع قصف مدفعي وصاروخي اعتادوا على معايشته خلال شهور بعد خروج مناطقهم من سيطرة النظام السوري.

غير أن هذه الليلة لم تكن اعتياديةً كما في كل يوم، إذا كانت القذائف تُسبّب انفجاراتٍ وحرائق معروفة في المنطقة، بينما خرج السكان في مدن الغوطة الشرقية ومعضمية الشام في الغوطة الغربية، وهم يتنفّسون بصعوبة بالغة، لأن الهجوم هذه المرّة كان بالأسلحة الكيماوية.

كانت حصيلة 4 هجمات متزامنة، مقتل 1144 شخصا اختناقاً، منهم 1119 مدنياً بينهم 99 طفلا و194 سيدة، أما الذين قتلوا في صفوف مسلحي المعارضة، فكانوا 25.

تسببت الهجمات أيضاً بإصابة 5935 شخصاً بأعراض تنفسية وحالات اختناق، وفقاً لتقرير صادر عن الشبكة السورية لحقوق الإنسان.

ورغم أن الولايات المتحدة قادت آنذاك جهوداً لمحاسبة النظام السوري على استخدام غاز السارين ضد المدنيين، وتخطّيه "الخطوط الحمراء" في النزاع، إلا أن الملف انتهى بإجبار بشار الأسد على تفكيك مخزونه من السلاح الكيماوي، والتوقيع على اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، والانضمام إلى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، مع إصدار مجلس الأمن الدولي القرار 2118، الذي ينصّ على عدم تطوير أو تخزين أو نقل أو استخدام الأسلحة الكيميائية من أي طرف في سوريا، تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.

إلا أن منظمة حظر الأسلحة الكيماوية وثقت استخدام النظام السوري للأسلحة الكيماوية تسع مرات بعد حادثة الغوطة، إحداها هجوم وقع في الغوطة الشرقية نفسها في 7 أبريل 2018.

منظمة حظر الأسلحة الكيميائية: النظام السوري مسؤول عن هجوم الكلور في دوما
أثبت تحقيق أجرته هيئة مراقبة الأسلحة الكيميائية العالمية أن هناك "أسبابا معقولة للاعتقاد" أن القوات الجوية التابعة للنظام السوري أسقطت أسطوانتين تحتويان على غاز الكلور على مدينة دوما في أبريل 2018، ما أسفر عن مقتل 43 شخصا.

خطوات للمحاسبة

وفي ظل ما يعتبره الناجون من مجزرة الكيماوي في غوطة دمشق "إفلاتاً من العقاب" بالنسبة لمحاسبة النظام السوري على استخدام الأسلحة الكيماوية، بموجب حماية روسيا له داخل أروقة مجلس الأمن ومنع وصول الملف إلى المحكمة الجنائية الدولية، نتيجة الفيتو الروسي- الصيني، سعت منظمات حقوقية سورية إلى سلوك طرق بديلة في سبيل الحصول على حقوق الضحايا والناجين.

في عام 2020، تقدّمت كل من "مبادرة العدالة" و"مبادرة الأرشيف السوري" بالإضافة لـ"المركز السوري للإعلام وحرية التعبير"، بشكوى جنائية أمام الادّعاء العام الألماني ضد مسؤولين سوريين بينهم بشار الأسد، حول استخدام الأسلحة الكيماوية في عدة مناطق سورية، بينها الغوطة الشرقية.

كما تقدّمت المنظمات الثلاث عام 2021 بالدعوى نفسها أمام القضاء الفرنسي، مع إرفاقها بشهادات عدد من الناجين من هجمات السارين في الغوطة، وفي العام نفسه قدمت المنظمات ذاتها شكوى في السويد، لمحاسبة مسؤولين سوريين على استخدام غاز السارين في هجومين، الأول على الغوطة الشرقية عام 2013، والثاني على خان شيخون بريف إدلب عام 2017.

قادت التحقيقات في فرنسا إلى إصدار محكمة في باريس أربع مذكرات توقيف في نوفمبر 2023، بتهمة التواطؤ في جرائم ضد الإنسانية والتواطؤ في جرائم حرب، بشأن الهجمات الكيميائية القاتلة في الغوطة عام 2013، واستهدفت كلاً من الرئيس السوري بشار الأسد، وشقيقه المسؤول عن الفرقة الرابعة ماهر الأسد، وضابطين برتبة عميد، هما غسان عباس مدير الفرع "450" التابع لمركز الدراسات والبحوث العلمية السورية، وبسام الحسن الذي يعمل كضابط اتصال بين القصر الرئاسي السوري ومركز البحوث العلمية.

في يونيو الماضي، صدّق القضاء الفرنسي على مذكرة التوقيف نفسها، فيما يُعد هذا الحكم أبرز جهد في طريق محاسبة النظام السوري على شنّ هجمات كيماوية، رغم مطالبة مكتب المدّعي العام الوطني لمكافحة الإرهاب، بإلغاء مذكرة التوقيف ضد الأسد، بسبب الحصانة الشخصية للرؤساء أثناء وجودهم في السلطة.

من جهتها، أوصت الشبكة السورية لحقوق الإنسان كلاً من مجلس الأمن الدولي والأمم المتحدة بتطبيق البند السابع من الميثاق الأممي وفرض عقوبات سياسية واقتصادية وعسكرية ضد النظام السوري "كشكل من أشكال التعويض المعنوي لأُسر الضحايا"، مع التشديد على ضرورة إحالة الملف السوري إلى المحكمة الجنائية الدولية، ومحاسبة جميع المتورّطين.

" خيبة أمل كبيرة"

على حسابها الرسمي في فيسبوك، أصدرت "رابطة ضحايا الأسلحة الكيماوية" (أُنشئت عام 2021 من مجموعة من ذوي الضحايا والناجين)، عدّة  دعوات لتنفيذ وقفات وفعاليات في الداخل السوري وتركيا وأوروبا، تطالب بمحاسبة القيادات الأمنية والعسكرية لدى النظام السوري، جراء مجمل الهجمات الكيماوية، وعلى رأسها هجوم الغوطة الشرقية 2013، تحت شعار "معا لأجل حقوق الضحايا ومنع الإفلات من العقاب".

عقد و نيّف...

Posted by ‎رابطة ضحايا الأسلحة الكيميائية Association of Victims of Chemical Weapons‎ on Sunday, August 18, 2024

 

ورغم مرور 11 عاماً على المجزرة التي يعدها السوريون "الأكبر" خلال فترة الحرب، لا يزال ناجون وذوو ضحايا قضوا فيها، يعبّرون عن عدم تجاوزهم آثارها القاسية.

من بينهم وديان طرابلسي، وهي شاهدة عيان على مجزرة الكيماوي، تقول لموقع "ارفع صوتك" إن الإصابات الجسدية التي لحقت بالمتضرّرين يمكن تجاوزها خلال سنوات "غير أن الآثار النفسية لا تزال حاضرة".

وتعتقد أن المجتمع الدولي "لم يقم بواجباته القانونية والإنسانية تجاه محاسبة الأسد على ارتكاب هذه المجزرة" معبّرةً عن "خيبة أمل كبيرة" من الدول الغربية.      

الحاج زهير دبس، وهو ناج من مجزرة دوما، يقيم حالياً في مدينة عفرين شمال سوريا، يستبعد أن تتم محاسبة الأسد وفق المنظور الحالي، بسبب ما يسمّيه "تبدُّل المزاج الدولي تجاه الملف السوري".

ويقول لـ"ارفع صوتك" إن أسوأ ما حصل في الملف السوري "دمج التوافقات السياسيّة بالجرائم التي تم ارتكابها على مدى 13 عاماً، بالتالي فإن المجرم يمكن أن يعود مُرحّباً به وبريئاً من كل الانتهاكات"، على حدّ تعبيره.

يتابع زهير "بدلاً من محاسبة الأسد، تقوم بعض الدول العربية أو الغربية اليوم بالتطبيع مع القاتل، كأنها تغسل يديه من جميع الجرائم، وتقول للضحايا (حاولوا النسيان)".