"اخترت فن الديكوباج لأتعلمه وأعلمه للنساء الباحثات عن مصادر تقدم لهن حلولاً وتجعلهن أقوى في مواجهة الظروف المتغيرة، كخطوة أولى ليعملن على مشاريع خاصة بهن، يحققن منها عوائد مادية"، تقول الحقوقية السورية بسمة بركات، التي تعيش حالياً في العاصمة المصرية القاهرة.
وفي حوارها مع "ارفع صوتك"، تتحدث بركات، وهي من محافظة الحسكة شمال شرق سوريا، عن الطريق الذي أوصلها لهذا النوع من الفنون واهتمامها بقضايا المرأة وعلاقتها المتجذرة ببلدها الأم التي تنعكس على بعض أعمالها، رغم سنوات البعد عنه.
وقبل مصر، عاشت بركات عدة سنوات في تركيا، مارست فيها عملها القانوني، خصوصاً في قضايا المرأة وحقوق الإنسان. حيث أتيح لها التواصل مع العديد من النساء، اللواتي يعشن حالة من "الانكسار والتعب النفسي نتيجة ضعف المدخول المادي" كما تقول لـ"ارفع صوتك".
العمل مع النساء
تعتبر بركات، أن لممارسة فن الديكوباج آثارا إيجابية على الحالة النفسية. توضح "كان يمر علي عدد كبير من النساء المحبطات ولديهن مشاكل وأزمات نفسية، وكن يلجأن إلى التدريب ليفرغن طاقاتهن ويعبرن عن مشاكلهن النفسية وأحلامهن وأحزانهن، من خلال الألوان التي يستخدمنها، ومن خلال القطع التي ينفذنها".
"وبشكل غير مباشر كانت الورش التدريبية تتحول لجلسة علاج نفسي حقيقي"، تضيف بركات لـ"ارفع صوتك"، مشيرةً إلى أن عدداً من المتدربات كنّ يخبرنها بعد نهاية كل درس بأنهن "ارتحن نفسياً من الضغوطات".
وتقول إن المشاركات عادةّ، كنّ يشعرن بالفخر، نتيجة الإطراء والثناء الذي يتلقينه عبر مواقع التواصل بعد عرضهن الأعمال الفنية التي صممنها بأنفسهن.
وتدلل بركات على الأثر الكبير للورشات الفنية، بسردها: "حضرت معي إحدى المتدربات خمس جلسات متواصلة، وقالت لي إنها جاءت بناء على رأي طبيبها النفسي، الذي نصحها بحضور ورشات تدريبية حتى تخرج من الاكتئاب الذي تعيشه".
وعلى الصعيد الماديّ، تلفت بركات، إلى أن عدداً من المتدربات أسسن مشاريعهن الخاصة وشاركن بالمعارض أو افتتحن معارض خاصة بهن، ما مثلّ بالنسبة لهن مصدراً جديداً لدخل.
في ذلك السياق بالذات، تؤكد الحقوقية السورية، بأن "ميزة فن الديكوباج أن كل قطعة لا تشبه الأخرى، وهو ما يحبه الزبائن، الذين يسعون لاقتناء ما يعجبهم منها".
ما الديكوباج؟
تبين بسمة بركات، أن الديكوباج "كلمة فرنسية معناها القص واللصق، وهو في أساسه فن قديم جدا، وأول ظهور له كان في الصين، وانتقل إلى فرنسا وبعدها انتشر حول العالم، ويستخدم فيه الأوراق والرسومات والصور الموجودة على الأقمشة وعلى الجرائد، حيث يتم قصها ثم لصقها على سطح المنتج".
وتضيف: "بعد ذلك تطور هذا الفن بشكل سريع جدا وملحوظ، وأُطلق عليه اسم فن الفقراء، بسبب قلة تكاليف العمل به، ورخص المواد المستخدمة به، ما دفع الطبقة الفقيرة من ذوي الدخل المحدود لتعلمه والعمل به، لأن المنتج لا يتغير، إنما تتم إضافة بعض الإضافات عليه، ويكون المُخرَج النهائي شبيها بنسبة كبيرة للمنتج الأساسي".
"ما لفت نظري أن هذا الفن غير محدود، ويمكن أن نستخدم من خلاله وسائط متعددة، ويمكن دمجه مع فنون أخرى، ويمكن استخدامه على أسطح متنوعة سواء كانت زجاجية أو معدنية أو بلاستيكية وغيرها" تتابع بركات.
وفي بداية تعلمها لهذا الفن، اعتمدت بركات التعلم الذاتي عبر محاكاة القطع الفنية المشغولة حول العالم، ثم تعلمته بالتدريب وحصلت شهادات من محترفين من عدة خلفيات ثقافية: عرباً وأميركيين وأتراكاً وبولنديين.
تقول "كل واحد من هؤلاء المدربين كان يفتح لي أفقاً جديداً، أطّلع من خلاله على حضارة بلدانهم" ما خلق في نفسها دافعاً كبيراً للاستمرارية، لي فقط على المستوى الشخصي، بل أيضاً تعليمه للآخرين، وهو ما حصل فعلاً في تركيا.
وتتوقع بركيات تزايد الاهتمام بالديكوباج وأن يكون له "مكانة كبيرة مستقبلاً"، على حدّ تعبيرها. كما تشير إلى أنه "فن صديق للبيئة" بسبب إمكانية ممارسته بالاعتماد على إعادة تدوير النفايات.
"جدار الذاكرة السورية"
كان للوحة أسمتها بسمة بركات "جدار الذاكرة السورية" وشاركت فيها بأحد معارض "دار الأوبرا" المصرية، أثرٌ كبير عليها.
تقول: "جسدت فيها ذاكرتنا السورية بعد الثورة وخلال الغربة عن سوريا، وحكيت فيها تفاصيل نحن عشناها، وحاولت أن أرسل من خلالها رسالة للمجتمع العربي وللصحف الأجنبية، وحكيت من خلالها بعض المشاكل التي نشعر فيها في الغربة، وأنا أؤمن أن الفن هو الرسالة والقوة الناعمة التي تُسمع، وهناك إصغاء لها أكثر من وسائل الإعلام ومن نشرات الأخبار، فتصل الرسالة لأعمق نقطة لدى الإنسان".
وتصرّ على أن تحاكي أعمالها الفنية "الجانب المشرق من سوريا"، كما تحاكي غربة السوريين عن بلادهم. تبين: "لا يمكننا أن ننكر اليوم أن هناك فئة لا بأس بها غير مطلعة على التراث السوري، وعدد كبير منهم لديهم صورة ذهنية أن سوريا بلد الحرب والقنابل وما إلى ذلك، وساهم الإعلام أيضا في ذلك، ولكن هناك أنواع من الفنون التي اندثرت في سوريا، وكوني فنانة سورية فواجبي أن أقوم بإحياء تلك الفنون".
"ولهذا السبب ركزت كثيرا على أن أنقل التراث السوري في أعمالي، خاصة أن جمهوري عربي وليس سوريا فقط، وكنت مصرة على تعريفهم به برؤية جديدة ومتطورة، كما أن لدي متدربات أجانب، وكنت أحاول طوال الوقت إيصال فكرة أن لدينا تراثا فنيا سوريا مهما جدا، وحرفا يدوية مهمة، نستطيع العمل عليها بروح عصرية جديدة تناسب الذوق العام العربي والعالمي"، تتابع بركات.
وتصف أعمالها المستلهمة من سوريا، بأنها تأتي نتيجة "مجهود نفسي وعاطفي كبيرا جدا، وعصارة من الحنين والوجع والذكرى".



