دخلت سارة إلى منزلها قبل موعد عودتها بساعات لتسمع أصوات رجل وامرأة صادرة من غرفة نومها. كان صوت الرجل معروفاً لديها فهو زوجها ووالد أطفالها، استرقت النظر إلى الغرفة ورأت خيانته لها على فراش الزوجية، لينتهي المشهد بجريمة قتل. أحضرت سارة(اسم مستعار) مسدّس زوجها من المكان الذي يحتفظ به وأطلقت النار عليه، لترديه في الحال.
في غالب الأحيان، تكون هذه الجريمة معكوسة في العراق. الزوج هو من يقتل زوجته إذا ضبطها في وضعية خيانة، لا العكس. وفي الغالب، بسبب القانون العراقي المتساهل مع ما يسمى "جرائم الشرف"، ينال الرجال أحكاماً مخففة على جرائمهم. لكن لو كانت مرتكبة الجريمة، "جريمة الشرف"، امرأة، كما هي الحال مع سارة، فإن القانون لا يعاملها بالمثل.
يقول المحامي محمد العامري الذي دافع عن سارة أمام القضاء لـ"ارفع صوتك" بأنها كانت تطالب "بتطبيق إحدى مواد القانون العراقي التي تسمح بتخفيف العقوبة على مرتكب جريمة القتل إذا كانت بدافع الشرف".
ما لم تكن تدركه سارة حينها، "إن القتل بدافع الشرف مادة قانونية تطبق لصالح الرجل في حال تلبس الزوجة بالزنا، أما المرأة فتطبق عليها العقوبة كاملة دون نقص"، بحسب العامري.
المادة 409
يشرح العامري عن وجود "فقرات عدّة تميز في العقوبة للجريمة ذاتها بين الرجل والمرأة في قانون العقوبات العراقي المرقم 111 للعام 1969".
وفي حالة قضية سارة، "فقد تم تطبيق حكم المؤبد بحقها كون الجريمة نفذت دون سبق إصرار أو ترصد بموجب المادة 406 من قانون العقوبات"، يقول العامري، ويتابع: "لكن لو حصل العكس وكان الزوج هو من وجد زوجته في حالة تلبس وفي الوضع ذاته فإنه ستتم معاقبته وفق المادة 409 من قانون العقوبات تختص بما يتعلق بالقتل تحت مسمى جرائم الشرف".
وهذه المادة تنصّ على أن "يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ثلاث سنوات من فاجأ زوجته أو إحدى محارمه في حالة تلبسها بالزنا أو وجودها في فراش واحد مع شريكها فقتلهما في الحال، أو قتل أحدهما أو اعتدى عليهما أو على أحدهما اعتداء أفضى إلى الموت أو إلى عاهة مستديمة".
والقانون، يوضح العامري، لم يجز "استعمال حق الدفاع الشرعي ضد من يستفيد من هذا العذر ولا تطبق ضده أحكام الظروف المشددة".
وبحسب العامري فإن هذه الفقرة القانونية "فيها تمييز كبير ضد المرأة لفعل واحد هو الخيانة الزوجية"، وفي هذه الحالة، يستدرك العامري "فإن الأساس في القانون هو تحقيق العدالة، مع ذلك نرى تمييزا واضحاً ضد المرأة". فإذا لم يكن هناك "نية لإلغاء المادة القانونية التي تخفف أحكام جرائم الشرف عن الرجال، فيمكن على الأقل تطبيق الحكم القانوني نفسه على الجنسين من دون تمييز".
المادة 377
التمييز بين النساء والرجال ينطبق على مجموعة من القوانين والأعراف المجتمعية في العراق، كما يقول العامري، "فنرى التمييز يتكرر في حالة عقوبة الزنا بموجب المادة 377 من قانون العقوبات".
وتنص المادة 377 على معاقبة الزوجة الزانية ومن زنا بها. وتنصّ المادة وفق العامري على أن الزوجة "إذا قامت بخيانة زوجها تتعاقب بالحبس مدة لا تزيد عن خمس سنوات، والعقوبة ذاتها تفرض على الرجل والزوج يعاقب بالحبس خمس سنوات إذا خانها في فراش الزوجية".
بالمقابل :"لا يحصل الرجل على العقوبة ذاتها، إلا إذا كان فعل الزنا قد تم في منزل الزوجية أي أنه إذا أقام علاقة في أي مكان آخر فلا عقوبة عليه. وهو أمر مناف حتى للشريعة".
المادة 41
فيما يراوح قانون العنف الأسري في مكانه بين أروقة مجلس النواب العراقي، "تسمح المادة 41 من قانون العقوبات بضرب الزوجة للتأديب". وتطرح تساؤلات عن "إمكانية تشريع قانون ضد العنف الأسري مع وجود قانون يسمح بضرب المرأة للتأديب؟".
تنص المادة 41 من قانون العقوبات العراقي على أنه "لا جريمة إذا وقع الفعل (الضرب) استعمالا لحق مقرر بمقتضى القانون. ويعتبر استعمال للحق تأديب الزوج لزوجته وتأديب الآباء والمعلمين ومن في حكمهم الأولاد القصر في حدود ما هو مقرر شرعاً أو قانوناً أو عرفاً".
ووفقاً لإحصائية أعلنها مجلس القضاء الأعلى في العراق، شهد عام 2022 تسجيل 21 ألفا و595 قضية عنف أسري في محافظات العراق (باستثناء إقليم كردستان)، منها 17 ألفا و438 حالة عنف ضد النساء.
ممارسات العنف الأسري كما يقول العامري "تعد أمراً عادياً ومسكوتاً عنه في إطار المنظومة الاجتماعية التي تحث المرأة على تحمل كل ما يصدر عن أفراد عائلتها أو زوجها سواء خيانة أو عنف". وهي منظومة "مستمدة من الأعراف والتقاليد الاجتماعية ولا يرغب القانون العراقي بالخروج عنها".
تزويج المغتصبة
واحدة من أكثر مواد القانون قسوة وتأثراً بالعادات والتقاليد تأتي في ظل المادة 398 من قانون العقوبات، والتي يقول عنها العامري إنها "تسمح للمغتصب بالزواج من الفتاة التي يقوم باغتصابها وهي جريمة جديدة إضافية يتواطأ فيها القانون مع المجتمع ضد الفتاة المغتصبة".
وتمنح المادة 398 عذراً قانونياً مخففاً من قانون العقوبات لمرتكب جريمة الاغتصاب، إذا عقد زواجاً صحيحاً بينه وبين الفتاة التي قام باغتصابها. وتوقف الفقرة القانونية هذه تحريك الدعوى والتحقيق فيها والإجراءات الأخرى، وإذا كان قد صدر حكم في الدعوى توقف هذه المادة تنفيذ الحكم.
ويمكن تحريك الدعوى من جديد، إذا انتهى عقد الزواج بطلاق صادر من الزوج بغير سبب مشروع، أو بطلاق حكمت به المحكمة لأسباب تتعلق بخطأ الزوج أو سوء تصرفه. وذلك قبل انقضاء ثلاث سنوات على الحكم في الدعوى حيث يعاد النظر بالعقوبة لتشديدها بطلب من الادعاء العام أو من المجني عليها أو من كل ذي مصلحة.
في أواخر العام 2018 قامت دائرة تمكين المرأة في مجلس الوزراء العراقي بمخاطبة مجلس القضاء الأعلى لبيان رأيه بخصوص إلغاء المادة (398) من قانون العقوبات.
لكن مجلس القضاء الأعلى العراقي رد على الدائرة بالقول إن "المشرع العراقي لم يعف الجاني من العقاب وإنما اعتبر فعله عذراً مخففاً له في حالة زواجه من المجني عليها". كما أن حالة زواج الجاني من المجني عليها "تمثل معالجة لهذا الموضوع خصوصاً أن العادات والتقاليد وواقع المجتمع العراقي ينظر إلى المرأة (الضحية) نظرة ريبة حتى وإن كانت ضحية".
وبيّن المجلس أن زواج المجني عليها من الجاني "لا يتم إلا بموافقتها ولا تجبر على إجراء عقد الزواج وفي حالة رفضها فإن الإجراءات القانونية تستمر بحق الجاني حتى صدور القرار النهائي من المحكمة المختصة".
وأضاف المجلس أن "ذلك الإجراء (زواج الجاني من المجني عليها) كان لاعتبارات اجتماعية لما للأعراف والتقاليد من وطأة على المجتمعات العربية... بالإضافة إلى أن فرض العقوبة لا يعوض المجني عليها عما أصابها من ضرر وقد يكون زواج الجاني بها معالجة لهذا الوضع".
