عن البيت الضيّق الذي اتسع لحلم كبير، والإرادة لخلق واقع أفضل، وعدم الغرق أكثر في حياة الفقر والحرمان. بعض من ملامح تجربة السورية خالدة عساف، من منطقة الكسوة في ريف دمشق.
خالدة، المعروفة بـ"أم رامز"، تبلغ من العمر 53 عاماً، تعيش اليوم حياة أفضل من التي بدأتها وزوجها، وقررت ألا يعيشها أبناؤها الخمسة، من خلال مشروع صغير انطلق من مطبخها، ليتحوّل بعد سنوات من التعب والمثابرة إلى مصنع، منتوجاته تحمل اسم "مونة أم رامز".
تروي لـ"ارفع صوتك": "في بداية زواجي، كان زوجي يعمل نجاراً ولكن بشكل متقطع، لذا لم يكن وضعنا المادي جيداً.. فقد عانينا الفقر والحرمان، حتى أن أياماً مرّت علينا دون رغيف خبز واحد في البيت".
اقترحت عليها والدتها آنذاك أن تشتري الحليب وتصنع منه اللبن والجبن، كي تبيعه لأخل منطقتها، لتباشر بذلك فعلاً، عبر صنع كميات صغيرة (10 كغ-15 كغ).
"كنت أصنع اللبن في مطبخي وكان ضيقاً جدا، وفي الطبخة الأولى دعوت جيراني وأقاربي لتذوقه فأعجبهم وبدأوا يطلبونه مني، ثم ازداد الطلب حتى صرت أطبخ مئة كيلو، ولم يعد مطبخي يتسع لهذه الكميات، فانتقلت للنوم في مكان ضيق جدا وجعلتُ من غرفة نومي مكاناً للعمل"، تقول خالدة.
في بداية هذا النجاح، كان للزوجين طفلان، أحدهما عمره عامان والآخر ثلاثة أعوم. تبيّن خالدة "لم يكفنا الدخل الآتي من المشروع وعمل زوجي، فقرر السفر للسعودية، وحينها استدان مالاً لتغطية تكاليف الفيزا وتذكرة الطائرة. بقيت وحدي مع طفليّ، وكنت أحملهما فوق ظهري أثناء العمل بسلّة صنعتها بنفسي، واستمر الحال كذلك مدة سنتين".
الطفلان لم يكونا مسؤولية خالدة فقط، حيث كانت تعيل أسرة زوجها أيضاً. تضيف "كنت أقوم بتوصيل طلبات الزبائن في المناطق المجاورة، مستخدمةً وسائل النقل العامة، وبعدها أصبحوا يأتون إلي، وكانت سعادتي لا توصف".
ازدهر مشروعها وصارت تنتج كميات تصل 200 كغ، ما مكنّها من سداد كل الديون. حينها انتقلت خالدة لخطوة أخرى. تقول "بدأت مشروعي الثاني وهو إنتاج المكدوس، وكان الإقبال عليه شديدا جدا".
في ذلك الوقت، حدثت مشكلة بين زوجها وكفيله للعمل في السعودية، وبات هناك بلا مال، لترسل له المال الكافي لعودته، ليصبح شريكها في مشروعيها، سواء في عملية الإنتاج أو التوزيع، الذي صار أيسر بعد شرائهما سيارة تفي بالغرض ثم استئجار محل صغير في بلدتها.
تتابع خالدة: "لاحقاً تمكنت من شراء محل خاص بي وجعلته معملاً صغيرا وأعددته بالشكل الذي أتمناه، وعملت به سبع سنوات مع زوجي وأربعة عمال وبدأت أطبخ بالأطنان، وأسلم طلبيات لأهم المعامل في سوريا، وأوزع للمحال والاستراحات والمولات في العاصمة، ولاحقا اشتريت سيارة توزيع كبيرة".
وتشير إلى أن "منتوجاتها تُصدر للخارج" تحت أسماء مختلفة، إذ تشتري "معامل سورية منها المكدوس مثلاً وتضع عليه أسماءها وتصدرّه للخارج".
هذا النجاح والتوسّع في العمل، لم يبق كذلك تحت تأثير الظروف الاقتصادية للبلد الرازح تحت الحرب منذ 2011، إذ ألقت أزمة الكهرباء بظلالها على مشروعها.
تقول خالدة "تراجع العمل وبدأت منتجاتنا تتلف بسبب انقطاع الكهرباء الدائم، فقمنا بتركيب جهاز طاقة شمسية جلبته بنفسي من الأردن، ولكن هذا الحل المؤقت لم يكن كافياً، فقررت البحث عن خط صناعي لا تنقطع فيه الكهرباء أبداً، ووجدت مكاناً قديماً قمنا بتحديثه ليصبح معملاً كبيراً".
تشرح لـ"ارفع صوتك": "ساعدني أساتذتي في تسويق منتجاتي وتطوير معملي، وعلى الرغم من أنني لم أكمل دراستي الجامعية، إلا أنني كنت من الأوائل على منطقة الكسوة في الثانوية العامة، وعندما علم أساتذتي بمعملي، أتوا لزيارتي وقدموا لي الدعم عن طريق وضع الملصقات على منتجاتي، ولوحات للتعريف بالمكان، بالإضافة إلى مبلغ من المال، وأحضروا إحدى محطات التلفزة من أجل عرض تجربتي، وكان ذلك سبباً في شهرتي، وبدعمهم شعرت أنني ملكت الدنيا".
تنظر خالدة إلى هذه الرحلة، مختصرة بالقول "مررنا بالكثير من الصعوبات بينها إصابة زوجي بحادث سير، ما تسبب بإعاقة دائمة في قدمه، كما تم خطفنا من قبل مسلحين ونجونا، وعانيت الفقر والوجع والمرض والتعب، وحملت مسؤوليات أكبر مني، لكنني قدمت للناس أطيب المنتجات، وأصبح لي اسم والناس يثقون بي".
"كبُرت في السن، وتخرج معظم أبنائي من الجامعات" تقول خالدة، لكنها ما زالت تعمل بيديها بين عُمال المصنع، الذين "يحبونها كوالدتهم وتحبهم هي أيضاً وسعادتها بالتواجد بينهم"، وفق تعبيرها.



