Iranian women shout slogans to protest over the death of Mahsa Amini during a demonstration outside the Iranian consulate in…
من تظاهرة للتنديد بمقتل مهسا أميني في اسطنبول- أرشيف

تحيي المعارضة الإيرانية هذه الأيام الذكرى الأولى لاندلاع المظاهرات الشعبية ضد النظام الحاكم، والتي انطلقت إثر وفاة الشابة الكردية مهسا أميني بعدما تم توقيفها من قِبل شرطة الأخلاق بسبب عدم ارتدائها للحجاب. تحولت أميني بعد مقتلها إلى رمز للتعبير عن الحرية لدى قطاعات واسعة من الإيرانيين. لكنها لم تكن الأولى بكل تأكيد. عرفت إيران ظهور العديد من الشخصيات النسائية التي قالت "لا" في وجه نظام الملالي منذ نجاح الثورة الإسلامية في سنة 1979م وحتى الآن.

 

الممثلة شیده رحماني

ولدت مليحة نيكجوماند في أصفهان في سنة 1934م. وفي سن صغيرة عملت في السينما والمسرح، وعُرفت باسمها الفني الأشهر شيده رحماني. وشاركت في بطولة العديد من المشاريع السينمائية قبل اندلاع الثورة الإسلامية الإيرانية. من اعمالها فيلم "احتجاب"، ومسلسل "خان قمر خانم".

عُرفت رحماني بموقفها المعارض لقرار الثورة الإسلامية بإلزام النساء الإيرانيات بارتداء الحجاب في الأماكن العامة. في هذا السياق اشتهرت صورة قديمة لها أثناء الثورة. تظهر رحماني في الصورة وهي تعارض أحد رجال الدين الإيرانيين بعد أن طالبها بارتداء الحجاب.  تذكر بعض التقارير أن الممثلة الشابة قادت بعض التظاهرات النسائية الرافضة للحجاب في شارع "مشتاق" الشهير بطهران. وأنها تحولت إلى أيقونة لحركة تحرير المرأة الإيرانية في تلك الفترة. حتى أن بعض الصحف أطلقت عليها لقب "جان دارك طهران" و"جان دارك شارع مشتاق". تحدثت رحماني عن تفاصيل تلك المظاهرات في إحدى اللقاءات الإذاعية التي سجلتها قبل وفاتها بشهور قليلة: "كانت المظاهرة بالقرب من جامعة طهران، قبل أيام قليلة كان البلطجية في الشوارع يهتفون "إما الحجاب أو الحجاب"، وقاموا بضرب الفتيات الصغيرات على الجبين...".

لاحقًا، ارتدت شيده رحماني الحجاب في الأفلام التي مثلتها بعد الثورة، لكنها كانت تؤكد دائماً أنها كانت مجبرة على ذلك. شاركت رحماني في العديد من الأفلام في السنوات اللاحقة ومنها "أطفال المسلمين"، و"أقل من ثمانية"، و"الشيف". وتوفيت في يوليو سنة 2017م عن عمر ناهز 83 عاماً.

شهدت إيران احتجاجات واسعة على وفاة أميني، وتضامن عالمي.
إيرانيات ضحايا التمييز.. "مهسا أميني" ليست الأولى فهل تكون الأخيرة؟
توفيت الشابة الإيرانية مهسا أميني (22 عامًا) بعد أيام من اعتقالها على يد "شرطة الآداب" بزعم ارتدائها الحجاب بشكل "غير لائق"، حادثة فجرت غضب الشارع الإيراني، وجددت الحديث عن أشكال التمييز الممارس على الإيرانيات في شتى مجالات الحياة.

الشاعرة سيمين بهبهاني

ولدت سيمين بهبهاني في طهران في يوليو سنة 1927م. ونشرت أول قصيدة لها في عمر 14 عاماً. وانطلقت بعدها في رحلة طويلة لتؤلف ما يزيد عن 600 قصيدة في الحب والغزل. كما تناولت قصائدها الأوضاع الاجتماعية الصعبة التي يمر بها الشعب الإيراني. تُرجمت الكثير من تلك القصائد إلى الإنجليزية والألمانية والعربية والروسية والسويدية والفرنسية. ورُشحت بهبهاني مرتين للحصول على جائزة نوبل في الآداب. كما فازت في سنة 2009م بجائزة سيمون دي بو فوار الفرنسية الخاصة بتحرير المرأة.

بدأت معارضة بهبهاني لحكم الملالي عقب اندلاع الثورة الإسلامية في 1979م. كتبت بهبهاني وقتها الكثير من القصائد التي هاجمت بطش الثوار بخصومهم السياسيين. تسبب ذلك في تضييق السلطة على الشاعرة الشابة. فوضعت أعمالها تحت المراقبة لعشر سنوات كاملة. في سنة 2006م، انتقدت بهبهاني الرقابة المفروضة عليها وعلى غيرها من المبدعين الإيرانيين في إحدى المقابلات الصحافية التي أجرتها في تلك الفترة فقالت: "كما أرى واسمع فان الرقابة لاتزال مستمرة، حيث يعتقد البعض إنها أصبحت أشد وطأة. برأيي إن الشعب الذي يضطر لقبول الرقابة في حياته الثقافية مثله كمثل الإنسان الذي يعصبون عينيه ويغلقون اذنيه ويقولون له عليك أن تسير في طريق وعر ومجهول! فويل له!".

تجدد الصدام بين الشاعرة والسلطة في أعقاب الانتخابات الرئاسية المثيرة للجدل في سنة 2009م، عندما قامت الأجهزة الأمنية باستهداف المعارضين والمحتجين. انتقدت بهبهاني ذلك التصرف بشكل صريح في بعض أشعارها. وفي السياق نفسه، أعربت عن غضبها بالقول: "نحن (الكتّاب) سنشعر بالتكريم حقاً حين يأتي اليوم الذي لا يزج فيه بكاتب إلى السجن، ولا يلقى القبض على طالب، وعندما يكون الصحفيون أحراراً وتكون أقلامهم حرة". مُنعت بهبهاني من مغادرة البلاد في سنة 2010م حينما كانت تحاول السفر إلى فرنسا من أجل حضور فعالية بمناسبة اليوم العالمي للمرأة. وأُجبرت على البقاء في الأراضي الإيرانية حتى توفيت في أغسطس سنة 2014م عن عمر ناهز 87 سنة.

 

الحقوقية نسرين ستوده

وُلدت المحامية نسرين ستوده في سنة 1963م بمنطقة غيلان بإيران. ودرست القانون في جامعة "الشهيد بهشتي" في طهران. وعُرفت بجهودها الكبيرة في الدفاع عن المعارضين السياسيين للنظام الإيراني.

في سنة 2010م، سُجنت ستودة بتهمتيّ "إهانة قائد الثورة الإسلامية آية الله علي خامنئي"، و"نشر دعايات تضر بالأمن القومي". ثم أُفرج عنها فيما بعد. في سنة 2018م، تم حبس ستوده مرة أخرى. وحُكم عليها بالسجن لمدة 38 عاماً بتسع تهم مجتمعة، بما في ذلك "التشجيع على الفساد والدعارة". وكان السبب في ذلك عملها المستمر في الدفاع عن النساء الموقوفات بسبب الاحتجاج السلمي على قوانين الحجاب الإلزامي.

طالبت العديد من المنظمات الحقوقية بالإفراج عن ستوده في السنوات السابقة، وقالت دوبرافكا سيمونوفيتش، مقررة الأمم المتحدة الخاصة المعنية بالعنف ضد المرأة: "تم تجريم نسرين ستوده بشكل منهجي بسبب عملها في الدفاع عن حقوق الإنسان، ولا سيما حقوق النساء اللواتي يعارضن قوانين الحجاب الإلزامي". في السياق نفسه، أوضحت بعض التقارير أن نسرين ستوده تتعرض لـ"ظروف احتجاز غير أدمية في سجن مزدحم". ولا تتوافر في السجن عوامل التهوية أو التغذية المناسبة. كما ذكرت بعض الأخبار أن ستوده أُصيبت بفيروس بكوفيد-19 وعانت من آثاره لغياب الرعاية الطبية اللازمة. في فبراير 2023م تم الإعلان عن فوز ستوده بجائزة حقوق الإنسان الأميركية.

صورة أرشيفية للمخرج الإ]راني سعيد روستايي- ا ف ب
أحدثهم سعيد روستايي.. مخرجون إيرانيون خلف القضبان
تتمتع السينما الإيرانية بقدر كبير من الجاذبية في شتى أنحاء العالم، إذ تمكن الكثير من المخرجين الإيرانيين من تجاوز القيود المفروضة عليهم من قِبل السلطات الحاكمة، ووصلت أفلامهم إلى منصات التتويج في مهرجانات كان وبرلين والبندقية وغيرها من المهرجانات العالمية.

المخرجتان سميرة وهانا مخملباف

ولدت المخرجة الإيرانية سميرة مخملباف في فبراير سنة 1980م في طهران. وهي ابنة للمخرج الإيراني الشهير محسن مخملباف. درست مخملباف علم الإخراج السينمائي. وأخرجت في سن السابعة عشر فيلمها الأول "التفاحة"، لتصبح بذلك أصغر مخرجة في العالم تُشارك بشكل رسمي في مهرجان كان السينمائي وذلك في سنة 1998م.

في سنة 2003م، أخرجت سميرة فيلمها "الساعة الخامسة عصراً". والذي تتبعت فيه خطى فتاة أفغانية تعود إلى المدرسة رغماً عن والدها بعد إعادة فتح مدارس الفتيات، لتسلط الضوء على النزعة الذكورية في المجتمع، وعلى الأوضاع المتدهورة التي تعيش فيها المرأة الأفغانية. كذلك شهد الفيلم تعريضاً -مبطناً- بنظام الحكم الإسلامي القائم في إيران. وتماهى ذلك مع الأفكار التي لطالما دعا لها محسن مخملباف في أفلامه.

في سنة 2005م، غادرت أسرة مخملباف إيران بعد فترة قصيرة من انتخاب الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد. واستقرت في العاصمة الفرنسية باريس فيما يشبه المنفى. بعد السفر، قدمت هانا مخلمباف -الأخت الصغرى لسميرة- فيلمها "الأيام الخضر". والذي تناول المظاهرات الاحتجاجية التي قامت بها المعارضة الإيرانية عقب الانتخابات الرئاسية في إيران في سنة 2009م. عُرفت هانا بتصريحاتها المنتقدة للنظام الإيراني. على سبيل المثال صرحت في الدورة السادسة والستين لمهرجان البندقية السينمائي أنه "لا يمكن ايقاف سبعين مليون إيران يسعون إلى الحرية ببضع بنادق". وأضافت "منذ الانتخابات تغيرت حياة الإيرانيين… بعضهم هاجر إلى مناطق مختلفة من العالم وأودع البعض الآخر السجن او تعرضوا للتعذيب او الاغتصاب... اما بقية الشعب فأخذ رهينة".

الروائية سحر دليجاني

وولدت الروائية الإيرانية سحر دليجاني في سنة 1983م في سجن ايفين في طهران. كان والداها في تلك الفترة معتقلين بعد سنوات على انتصار الثورة الإسلامية. عقب خروج الوالدين من السجن. سافرت الأسرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية. واجتازت دليجاني دراستها الجامعية. ثم تفرغت لكتابة روايتها الشهيرة "تحت ظل الشجرة البنفسجية".

نشرت الرواية في سنة 2014م. ولاقت نجاحاً كبيراً في الأوساط الثقافية. وتُرجمت إلى 28 لغة. وتحكي الرواية قصة الثورة الإسلامية. والاضطهاد الذي عانت منه المعارضة الإيرانية عقب وصول الخميني للسلطة.

في 2015م، وجهت دليجاني نقداً لاذعاً للنظام الإيراني في واحدة من مقابلاتها الصحافية. أكدت دليجاني أن نظام بلادها "انتهى ثقافياً واجتماعياً، ولم يبق إلا أن ينتهي سياسياً". كما ذكرت أن "الشباب الإيرانيين هم تماماً بعكس ما يريد النظام أن يكونوا فهم "مثقفون وحيويون، ولا يمكن أن تبقى الأمور معهم على ما هي عليه". وأضافت "الدعاية المركزة للقيم التي تفرضها الجمهورية الإسلامية في المدارس قد فشلت في أداء مهمتها".

 

الصحافية رويا حكاكيان

ولدت الكاتبة رويا حكاكيان في طهران في سنة 1966م. لأسرة يهودية إيرانية تعمل في سلك التعليم. قضت حكاكيان السنوات الأولى من عمرها في إيران. وشهدت على أحداث الثورة الإسلامية. بعد أن عانت الأسرة من الاضطهاد، اضطرت حكاكيان للسفر كلاجئة إلى الولايات المتحدة في سنة 1985م. وهناك حصلت على درجة البكالوريوس من كلية بروكلين.

في سنة 2004م، نشرت حكاكيان سيرتها الذاتية في كتاب "رحلة إلى أرض لا". والذي وثّقت فيه الاضطهاد الذي عانته مع أسرتها في السنوات التي أعقبت انتصار الثورة الإسلامية. كذلك لعبت حكاكيان دوراً مهماً في إنشاء مركز توثيق حقوق الإنسان الإيراني.  وفي سنة 2011م نشرت الكاتبة اليهودية كتابها الثاني "مغتالو القصر الفيروزي". والذي تناول قصص الاستهداف الذي يقوم به النظام الإيراني الحاكم ضد المنشقين الإيرانيين المنفيين في أوروبا الغربية. حصل الكتاب على لقب الكتاب البارز لعام 2011 من قِبل مجلة نيويورك تايمز بوك ريفيو، ودخل في قائمة الكتب العشرة الأوائل في مجلة نيوزويك.

في الآونة الأخيرة، تفاعلت حكاكيان بشكل كبير مع الاحداث التي اعقبت مقتل مهسا أميني في سبتمبر سنة 2022م.  على سبيل المثال أشادت بإنجازات المظاهرات الشعبية التي اندلعت في إيران وأضافت "فقط قوة محتلة يمكنها أن تفعل بشعب ما فعله النظام الإيراني بمواطنيه في الأشهر الأربعة الماضية". في السياق نفسه، كتبت حكاكيان العديد من المقالات السياسية في بعض الصحف الأمريكية الشهيرة دعت في بعضها إلى ضرورة تدخل الولايات المتحدة لدعم المحتجين الإيرانيين وألا تتخلى عنهم. كما أشارت إلى أن الاستفتاء الشعبي الأخير كان في مارس من عام 1979، والذي أراد فيه 90% من الإيرانيين نظاماً جمهورياً إسلامياً بديلاً لنظام الشاه. واضافت أن الإيرانيين يأملون في الوقت الراهن إجراء استفتاء شعبي آخر، يمنحهم فرصة للتراجع عن الحكومة التي اختاروها منذ حوالي 40 عاماً.

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

العراقية نزيهة الدليمي أول امرأة تتولى حقيبة وزارية في العالم العربي
العراقية نزيهة الدليمي أول امرأة تتولى حقيبة وزارية في العالم العربي- تعبيرية

وردت أسماء الكثير من النساء المسلمات في كتب التراجم والطبقات باعتبارهن من العالمات اللائي قمن بإثراء العلوم الإسلامية على مر القرون. 

كما عُرفت العديد من النساء بالمشاركة في شؤون الحكم والسياسة، واشتهرت أخريات بأشعارهن. نلقي الضوء في هذا المقال على أبرز الشخصيات النسائية العراقية اللاتي أسهمن في ازدهار الحضارة الإسلامية.

 

الخيزران

هي جارية يمنية الأصل اشتراها الخليفة العباسي الثالث محمد بن عبد الله المهدي، وأحبها بشدة فأعتقها ثم تزوجها وصارت السيدة الأولى في البلاط. 

حظيت الخيزران بمكانة مُعتبرة في هرم السلطة العباسية واعتادت أن تدير بعضاً من شؤون الدولة، وأن تتصل بالقادة والوزراء. لمّا توفي زوجها وآل الحكم لابنها موسى الهادي، حاولت أن تنتهج النهج ذاته. في ذلك يقول ابن جرير الطبري في كتابه "تاريخ الرسل والملوك": "أرادت الخيزران أن تسلك به -يقصد موسى الهادي- مسلك أبيه من قبله في الاستبداد بالأمر والنهي…".

رفض الهادي مشاركة أمه في أعمال الخلافة والحكم، فاضطرت الخيزران أن تدبر مؤامرة للتخلص منه. يقول الطبري "دست إليه من جواريها لمّا مرض من قتله بالغم والجلوس على وجهه". لتقف بعدها بجوار ابنها الثاني هارون الرشيد، وعملت على مشاركته الحكم، لكنها سرعان ما توفيت عام 789، بعد عامين من وفاة الهادي.

زبيدة بنت جعفر

عُرفت زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور باعتبارها واحدة من أشهر النساء اللائي تربعن على هرم السلطة في الدولة العباسية. كان اسمها الحقيقي "أمة العزيز"، ولُقبها جدها المنصور بـ"زبيدة" لشدة بياضها.

تزوجت زبيدة من ابن عمها هارون الرشيد، وأتاح لها ذلك فرصة المشاركة في شؤون الحكم وإدارة الدولة. 

تُنسب لها العديد من المشاريع الخيرية الضخمة داخل بغداد وخارجها، كبنائها مسجداً كبيراً على نهر دجلة قرب قصر الخلافة، وتعميرها طريق الحج من الكوفة إلى مكة، وذلك عندما قامت بأداء "فريضة" الحج عام 187 هجرية، وهو الطريق الذي يعرف حتى الآن باسم "درب زبيدة".

إنجازات زبيدة وصلت أرض الحجاز، فعندما زارت مكة، لمست المعاناة الشديدة التي يمر بها الحجيج أثناء بحثهم عن الماء، فأمرت بحفر قنوات مائية كبيرة لسقي المياه. في هذا السياق، اشتهرت مقولتها لكبير العمال لمّا خوفها من ارتفاع تكاليف الحفر "اعمل ولو كلفتك ضربة الفأس دينار". يقال إنها أنفقت ما يزيد عن 1.700.000 دينار ذهبي في هذا المشروع.

كل تلك المشاريع، حدت بالباحث المعاصر لويس شيخو لأن يعتبرها المسؤولة الأولى عن النهضة التي عرفتها بغداد في عهد الرشيد. يقول شيخو في كتابه تاريخ الآداب العربية في القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين: "...ولئن كنت رأيت له -أي هارون الرشيد- في تدبير المملكة ذلك التصرف الجميل فإني ما وجدته له في تدبير أهل بيته ومواليه وإنما يرجع الرأي في ذلك زوجه أم جعفر وهي أنفذ نساء العباسيين كلمة في الدولة...".

بشكل عام، بقيت ذكرى زبيدة حاضرة في العراق عبر القرون، ويعتقد الكثير من العراقيين خطأ أن زبيدة صاحبة المرقد المعروف باسم زمرد خاتون في وسط بغداد، ولكن في الواقع صاحبة هذا المرقد هي السيدة زمرد خاتون، أم الخليفة الناصر لدين الله العباسي الذي حكم بغداد في القرن الثالث عشر الميلادي.

رابعة العدوية

تُعدّ رابعة العدوية أشهر النساء المتصوفات على مدار التاريخ الإسلامي. عاشت رابعة في البصرة في القرن الثاني الهجري، ويُقال إنها سًميت برابعة لأنها كانت البنت الرابعة لأبيها. وتوفيت عام 180 هـ تقريباً.

تتحدث المصادر التاريخية عن المكانة المهمة التي حظيت بها رابعة العدوية بين أقرانها من العلماء والفقهاء، على سبيل المثال يذكر ابن الجوزي في كتابه "صفة الصفوة" أن الفقيه الكبير سفيان الثوري كان يقصدها لطلب العلم والدين، كما  وصفها بـ "المؤدبة التي لا يستريح إذا فارقها".

كذلك، وصفها ابن خلكان في وفيات الأعيان بأنها "من أعيان عصرها، وأخبارها في الصلاح والعبادة مشهورة...".

اشتهرت رابعة العدوية بحبها لذات الله، حتى عُرفت بـ "شهيدة العشق الإلهي" وتُحكى عنها الكثير من الروايات المثبتة لهذا الحب، من ذلك أن بعض الأشخاص شاهدوها يوماً ما وهي تتمايل، فلما سألوها عن السبب قالت لهم "سكرت من حب ربي الليلة، فأصبحت وأنا منه مخمورة".

كذلك عُرف عنها الزهد في ملذات الدنيا والتفرغ بشكل كامل للعبادة. يُقال إن واحداً من أغنياء البصرة أرسل لها ليعرض عليها الزواج، وأغراها بمهر عظيم فأجابت عليه برسالة جاء فيها "أما بعد، فإن الزهد في الدنيا راحة القلب والبدن، والرغبة فيها تورث الهم والحزن، فإذا أتاك كتابي فهيء زادك وقدم لمعادك، وكن وصي نفسك ولا تجعل وصيتك إلى غيرك، وصم دهرك واجعل الموت فطرك، فما يسرني أن الله خولني أضعاف ما خولك فيشغلني بك عنه طرفة عين، والسلام".

من جهة أخرى، تُنسب لرباعة العدوية العديد من القصائد التي اعتاد الصوفيون  ترديدها جيلاً بعد آخر، من ذلك:

"عرفت الهوى مذ عرفت هواك... وأغلقت قلبي عمن عاداك

وقمت أناجيك يا من ترى... خفايا القلوب ولسنا نراك

أحبك حبين حب الهوى... وحباً لأنك أهل لذاك

فأما الذي هو حب الهوى... فشغلي بذكرك عمن سواك

وأما الذي أنت أهل له... فكشفك لي الحجب حتى أراك"

ولدت زينب فواز في بلدة تبنين في جبل عامل بلبنان عام 1844. (مصدر الصورة: مجلة "المصور"، عدد خاص، سنة 1950).
من زينب فواز إلى منى الطحاوي.. أبرز الناشطات النسويات في العالم العربي
عرفت المنطقة العربية الحراك النسوي منذ فترة مبكرة. وظهرت العديد من الأفكار التقدمية الداعية لتحرير المرأة وإشراكها بشكل فعال في مختلف الأنشطة المجتمعية. نلقي الضوء في هذا المقال على مجموعة من أشهر الناشطات النسويات في العالم العربي المعاصر، لنرى كيف تمكن الحراك النسوي من التأثير على الأوضاع السياسية والاجتماعية.

شهدة الكاتبة

ولدت أم محمد شهدة بنت أحمد الإبري في سنة 484 هـ في بغداد لأسرة تجارية منحدرة من مدينة دينور. في شبابها، درست على يد أكبر المحدثين في بغداد، فيما بعد اضطلعت بمهمة رواية الحديث، واشتهرت بذلك حتى أُطلق عليها لقبا "مسندة العراق" و"فخر النساء".

ألفت شهدة كتاب بعنوان "العمدة من الفوائد والآثار الصحاح والغرائب"، كما روت بعض الكتب منها كتاب "العلم" ليوسف بن يعقوب القاضي، وكتاب "الأموال" لأبي عبيد، وكتاب "قرى الضيف" لابن أبي الدنيا، وكتاب "ذم المسكر" لابن أبي الدنيا. 

وحدث عنها مجموعة من كبار العلماء العراقيين كابن عساكر، والسمعاني، وابن الجوزي. وكتب عنها شمس الدين الذهبي في كتابه "سير أعلام النبلاء": "خالطت الدور والعلماء، ولها بر وخير...".

من جهة أخرى، كانت شهدة من بين العلماء المقربين للخليفة العباسي المقتفي لأمر الله. وبحسب ما تذكر الباحثة نجلاء كريم مهدي في دراستها "شهدة الكاتبة: قراءة في سيرتها وجهودها في العلوم الدينية" فإن الخليفة العباسي خصص لها أرضاً أقامت عليها مؤسسة تعليمية على ضفاف نهر دجلة، واستقبلت بها المئات من طلبة العلم، كما أوقفت عليها أموالاً كثيرة، لتصبح إحدى المؤسسات التعليمية المبكرة في العراق.

"أول طبيبة"، "أول محامية"، "أول وزيرة".. رائدات العراق في 100 عام الأخيرة
لم تتوان المرأة العراقية منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 عن خوض كافة أنواع النضال لنيل حقوقها والحصول على المساواة مع الرجال والمساهمة بفاعلية في كافة مجالات الحياة وخدمة المجتمع، متحدية كافة العوائق السياسية والمجتمعية التي تقف في طريقها.

بولينا حسون

ولدت الصحافية بولينا حسون في مدينة الموصل العراقية عام 1895، وتنقلت في السنوات الأولى من حياتها بين مصر وفلسطين والأردن، ثم عادت للعراق عام 1922، بعد أن تأثرت كثيراً بالنهضة النسوية التي عايشتها أثناء فترة إقامتها في القاهرة على وجه الخصوص.

عام 1923، أصدرت حسون العدد الأول من مجلة "ليلى" وهي أول مجلة نسائية تصدر في العراق. ركزت المجلة على نشر موضوعات متنوعة حول تعليم المرأة وتحريرها ومشاركتها في ميادين العمل السياسي فضلاً عن بعض الجوانب الخاصة بتربية الأبناء والاقتصاد المنزلي والفنون والآداب. 

تضمن العدد الأول من مجلة "ليلى" نداء موجه إلى أعضاء أول مجلس تأسيسي عراقي. 

وفي 1923، خطت حسون خطوة أخرى مهمة في نشاطها النسوي عندما أسست أول نادي نسوي في العراق أسمته "نادي النهضة النسائية". لعب النادي جهوداً كبيرة في سبيل الحصول على الحقوق السياسية للمرأة العراقية بعد سنوات.

نازك الملائكة

وُلدت نازك الملائكة في 23 أغسطس 1923، في محلة العاقولية في بغداد. واسم عائلتها هو آل الجبلي، غير أن الأسرة عُرفت باسم الملائكة من قِبل الجيران والأصدقاء بسبب صفاتهم الأخلاقية الميالة للهدوء والسكينة.

تميزت أسرة نازك الملائكة بوجود العديد من الشعراء، الأمر الذي شجع نازك منذ نعومة أظافرها على قرض الشعر وإنشاده. 

في المرحلة الجامعية، درست نازك اللغة العربية وتخرجت من دار المعلمين العالية في سنة 1944، ثم التحقت بمعهد الفنون الجميلة، وتخرجت منه عام 1949. 

سافرت بعدها للولايات المتحدة الأميركية لمتابعة الدراسات العليا، وبعد عشر سنوات حصلت على شهادة الماجستير في تخصص الأدب المقارن. وبعد عودتها إلى العراق عملت نازك الملائكة كأستاذة محاضرة في جامعات بغداد والبصرة والكويت. 

في 1990، سافرت نازك الملائكة إلى مصر بالتزامن مع اندلاع حرب الخليج الأولى، واستقرت في القاهرة حتى توفيت عام 2007 عن عمر 83 عاماً، ودُفنت في مقبرة خاصة بالعائلة غربي القاهرة.

يرى الكثير من النقاد أن نازك الملائكة كانت من القلائل الذين تمكنوا من خلق حالة تجديدية حقيقية في ميدان الشعر العربي، فكانت أول من كتب الشعر الحر غير المقيد بالقافية في قصيدتها المسماة الكوليرا. 

فضلاً عن ذلك نشرت نازك العديد من الدواوين الشعرية المتميزة: "عاشقة الليل" في 1947م، و"شظايا ورماد" 1949، و"شجرة القمر" 1968، و"مأساة الحياة وأغنية الإنسان" 1977، و"الصلاة والثورة" 1978، كما أصدرت في 1962 كتابها "قضايا الشعر الحديث". 

تحدث بعض النقاد عن أثر نازك الملائكة على الوسط الشعري العراقي والعربي فقال: "نازك الملائكة لم تعد رمزاً من رموز الأدب والشعرية العراقية فحسب، بل أصبحت رائدة للشعر العربي بما طرحته مع السياب من قصيدة التفعيلة أو الشعر الحر، بل هي المرأة التي شقّت طريقها وسط الصعاب والمجتمع، لتكون الشاعرة المؤثّرة في الوسطين الأدبي والنسوي".

نزيهة الدليمي

ولدت نزيهة الدليمي عام 1923 في محلة البارودية ببغداد. بدأت دراستها الابتدائية والمتوسطة في مدرسة "تطبيقات دار المعلمات النموذجية". وفي 1939 أكملت دراستها الثانوية في المدرسة المركزية للبنات.

 في 1941، التحقت الدليمي بكلية الطب، وبعد تخرجها عملت في بعض المشافي الحكومية، مثل "المستشفى الملكي" ببغداد، ومستشفى "الكرخ"، وتنقلت بين بعض المدن العراقية. قبل أن يتم اختيارها ضمن إحدى البعثات العلمية التي درست مرض السل الذي تفشى بين السكان المقيمين قرب المياه.

بدأ النشاط النسوي لنزيهة الدليمي في أربعينيات القرن العشرين عندما التحقت بـ"الجمعية النسوية لمكافحة الفاشية والنازية".

بعد هزيمة دول المحور في الحرب، تغير اسم الجمعية إلى "رابطة نساء العراق"، وصارت الدليمي واحدة من قياداتها، وأشرفت على إصدار مجلة "تحرير المرأة". 

بعد فترة، قامت الحكومة العراقية بتفكيك الجمعية ومنعت نشر المجلة.

لم تيأس الدليمي، وحاولت أن تعيد النشاط النسوي إلى الواجهة مرة أخرى؛ فجمعت عشرات العراقيات اللائي تخرجن من الكليات وقدمت إلى الحكومة مقترحاً بتأسيس جمعية "تحرير المرأة"، لكنه قوبل بالرفض.

 يذكر الباحث موفق خلف غانم في كتابه "الدكتورة نزيهة الدليمي ودورها في تاريخ الحركة الوطنية والسياسية العراقية" أن الدليمي تابعت أنشطتها الحقوقية مع مطلع الخمسينيات. ففي 1950 شاركت في حركة "أنصار السلم العالمية" وكانت عضوة في اللجنة التحضرية التي كانت يرأسها محمد مهدي الجواهري. وبعد سنتين فقط، أُتيحت الفرصة للدليمي مواصلة النشاط النسوي عقب تأسيس "رابطة الدفاع عن حقوق المرأة العراقية"، لتُنتخَب كأول رئيسة لها.

في 1959، كُللت مجهودات الدليمي في مجالي الطب والعمل النسوي عندما تم اختيارها لتشغل منصب وزيرة البلديات في حكومة عبد الكريم قاسم. بموجبه، أضحت الدليمي أول امرأة تتسلم منصب وزير في تاريخ العراق والعالم العربي. 

ومن خلال منصبها الرفيع، تمكنت الدليمي من دعم الحركة النسوية في العراق، وذلك حين أسست "رابطة المرأة العراقية"، التي شاركت في صياغة قانون الأحوال الشخصية العراقي عام 1959.

اهتم هذا القانون بحقوق المرأة العراقية ووُصف بأنه "أول قانون تقدمي ليس في العراق فحسب، بل في المنطقة العربية كلها. وخطوة جريئة على طريق تطوير وضع المرأة"، كما يقول موفق خلف غانم في كتابه.