من غرفتها الخاصة في منزلها في ريف السلمية في مدينة حماة، حوّلت السورية فرح ياغي ( 25 عاماً) حلم طفولتها إلى حقيقة، ونقلت شغفها بصيانة وتصليح الأجهزة الإلكترونية من هواية إلى مهنة ومصدر دخل، حتى ذاع صيتها في المدينة، وأصبح أبناء مدينة سلمية يقصدونها لإصلاح ما تعطل من أجهزتهم.
تعمل فرح التي اقتطعت جزءاً من مساحة غرفتها الخاصة وحولتها إلى ورشة صغيرة لإصلاح وصيانة الموبايلات والأجهزة الإلكترونية، متحدية الظروف الصعبة وأولها انقطاع الكهرباء، ونظرة الناس إلى هذه المهنة التي يعتبرونها حكراً على الرجال.
شغف بالحاسوب
تصف فرح في حديثها لـ"ارفع صوتك" دراستها في معهد تقنيات الحاسوب وتخصصها في علم البرمجة بـ"الرغبة والحب والشغف".
تضيف: "حين نجحت في التاسع لم يكن لدي رغبة بالمواد الدراسية سواء العلمية أو الأدبية، وكان شغفي الأكبر بالحاسوب، كنت أعرف أدق تفاصيله، وكيف تم تصنيعه وما يحتويه. كنت أحلم، وحين كبرت أحببت أن أحقق حلمي، فدرست علم البرمجة ونلت الدبلوم، وسجلت في دورة لصيانة الحواسيب وتفوقت، وكنت الأولى على الدورة مع شهادة معترف بها دولياً".
"كما تعلمت إصلاح الأجهزة الخلوية وصنع باور بانك (مخزّن طاقة)، و تمكنت من إدخال مميزات كبيرة له، كما يمكنني عمل باورات ضخمة وسواها الكثير"، تتابع فرح.
وعملت في مركز للصيانة في مدينتها، وتقوم حاليا بالتدريس في ثانوية صناعية، كذلك قامت بتدريس مادة المعلوماتية، مبينةً أنها "مهمّشة ومنسية في البلاد، ولا يوجد أساتذة يقدمون شرحاً وافيا للطلاب رغم كونها مادة مهمة جدا".
استغراب وانتقادات
بعد تخرجها، كان على فرح أن تتدرب لتسعين ساعة، فبدأت العمل في مركز لصيانة اللابتوب والحاسوب والأجهزة الخلوية والأدوات الكهربائية في مدينتها، إلا أنها قوبلت بالكثير من النظرات المستغربة لوجود فتاة في مركز صيانة.
"أي شخص يمر من أمام المركز كان يستغرب وجود فتاة، وبعضهم يدخل للتحدث فقط"، تقول فرح، مبينة أنها تلقت الكثير من الانتقادات.
تتابع "كانوا يقولون لي ماذا تفعلين هنا؟ وكيف تعملين بهذا المجال؟ وهي شغلة الشباب والرجال، شو بيفهمك بفك اللابتوب والكمبيوتر وشو بدك بهالقصة".
على الرغم من ذلك، لم تستسلم بل ازدادت إصراراً لتحقيق حلمها. تقول فرح: "كان إصراري يزيد ورغبتي تكبر لأحقق شيئاً مختلفاً، وأنشئ مركزاً باسمي يثبت للناس أنني قادرة على الإنجاز والنجاح في الأعمال التي يقوم بها الرجال، وأننا كفتيات بإمكاننا فك وتصليح وصيانة هذه الأجهزة ولا يصعب علينا شيء".
في الوقت نفسه، لاقى الأمر قبولاً بين شريحة النساء اللواتي كنّ يرتدن مركز الصيانة. توضح فرح "كنّ يرتحن نفسياً عند رؤيتهن لفتاة، ويثقن أنها ستصلح أجهزتهن دون التعرض لعملية ابتزاز أو سرقة صور من هاتفها"، وهي أمور تحصل كثيرا وفق تأكيدها.
دعم العائلة
عائلة فرح دعمتها بشكل كبير وشجعتها عندما حاولت فتح مركز صيانة باسمها رغم أنها لم تتمكن من افتتاحه، بسبب حاجته إلى رأس مال وتكاليف باهظة.
"عندما لم أستطع فتح مركز كبير، قررت إنشاء مركز صيانة في البيت، حتى أكون جاهزة حين أتمكن من تحضير مركز صيانة أكبر، فجهزت غرفة بسيطة في المنزل، وبدأت أصلح باورات وموبايلات بحسب خبرتي"، تبيّن فرح.
الكثير من العوائق تعترض عملها أيضاً، مثل الانقطاع المتكرر، تقول "أحتاج يوماً كاملا لأنهي تصليح قطعة واحدة، وأحيانا يومين أو ثلاثة، فالكهرباء لا تأتي إلا نصف ساعة في اليوم، لذا أصلح بحسب قدرتي، فأفك مثلاً القطعة واللحام، ولكن لا أستطيع تلحيمها، لأن الكهرباء تكون قد انقطعت".
وتسعى فرح حاليا لإنجاز "باور بانك" من تصميمها بعد أن طورته وأدخلت عليه مواصفات خاصة.
في نهاية الحوار، تؤكد فرح "جيلنا لا يصعب عليه شيء، وعلينا نحن الفتيات أن نثبت للمجتمع بأننا قادرات وذكيات ولا شيء يعيقنا، ولدينا القدرة للعمل وتحقيق أي حلم نطمح إليه".



