ارفع صوتك- حيدر الساعدي
تعيش جاسمية وهي امرأة عراقية، صدمة مقتل زوجها وولديها بنزاع عشائري مسلح في ناحية العزير جنوبي محافظة ميسان.
اعتادت أن ترعى قطيع الجاموس المكون من 50 رأساً فجر كل يوم، وتقودها لمرعاها على ضفاف نهر العزير المتضائل نتيجة الجفاف الحاد في مناطق الأهوار جنوبي البلاد.
هذا القطيع هو مصدر عيشها ورصيدها المالي، فالجاموس يشكل كنزا ثمينا بالنسبة لسكان الأهوار، كونه مصدراً مهماً للحليب الذي يتشكل لاحقاً لمنتجات محلية مختلفة تدر ربحاً وفيراً على أصحابها، وتساعدهم في تأمين متطلبات الحياة اليومية، فضلا عن توفير مبالغ شراء العلف الحيواني.
بالنسبة لجاسمية، يشكل تأمين طعام الجاموس عبئاً عليها، بسبب ارتفاع أسعار الأعلاف وقلة الأمطار بسبب التغيرات المناخية، التي أدت لجفاف المراعي.
وتشهد أهوار ميسان جفافاً حاداً جراء تراجع الإطلاقات المائية لعمود نهر دجلة من مؤخر سدة الكوت، فضلاً عن تخفيض حصة الأقضية والنواحي من الكميات المائية للحفاظ على العمود باتجاه محافظة البصرة ودفع اللسان الملحي عن شط العرب المرتبط بمياه الخليج العربي.
وتأخذ هذه المنطقة مياهها من الأنهر المتفرعة عن نهر دجلة. وتقع ناحية العزيز، التي تعيش فيها جاسمية، في الأهوار الشرقية، وهي أهوار شرق دجلة الممتدة من شمال شرق محافظة ميسان نزولاً إلى قضاء القرنة في البصرة التي ترتبط بحدود مع إيران.
من هذه الأهوار "هور الحويزة"، الذي يغطي المساحة الواقعة شرق نهر دجلة ضمن الأراضي العراقية، وتشمل ناحية العزير، وقضاء قلعة صالح، وناحية بني هاشم، وناحية المشرّح. والمصادر المائية الأكبر تأتي من فروع نهر دجلة الشرقية في محافظة ميسان، وكميات أخرى من نهر الكرخة في إيران.
" لا بد للحياة أن تستمر"
بعبرة مختنقة ترفض جاسمية الحديث عن الواقعة التي أودت بحياة زوجها. تقول لـ"ارفع صوتك": "مضت عامان على مقتله وولدي. الحياة لا بد أن تستمر. مسؤوليتي صارت مضاعفة وعليَّ أن أتحمل لأجل الحفاظ على تماسك الأسرة وتوفير متطلبات العيش لبناتي وأحفادي".
"وما أسعى لتحقيقه في هذا الوقت، إعادة الروح لمزرعتي وماشيتي التي بعت نصفها بخسارة، وأن أقف مجدداً في مواجهة صعوبات الحياة الريفية المتفاقمة جراء الجفاف وهلاك الأراضي الزراعية "، تضيف جاسمية.
شهدت منطقتها موجة جفاف قاسية تسببت بهلاك الأراضي الزراعية ونفوق أعداد كبيرة من الماشية، ما فاقم من معاناة النساء الريفيات في العمل، والحصول على الماء، وتراجع المستوى المعيشي الذي رافقته هجرة عكسية نحو المدينة أو بحثا عن الماء في مناطق أخرى قرب نهر دجلة.
وتشهد محافظة ميسان بين فترة وأخرى نزاعات عشائرية مسلحة، يبدأ أغلبها بخلاف على حصة مائية أو مساحة من أرض زراعية، ثم يتطور سريعاً بين المتخاصمين لمعركة مسلحة بمختلف صنوف السلاح الخفيف والمتوسط، مسفراً عن قتلى وجرحى من مختلف الأطراف.
وعلى الرغم من سرعة تحرك القوات الأمنية في تطويق النزاع وملاحقة مطلقي العيارات النارية، غير أن الأمر لا ينتهي عند هذا الحد، فالعشيرة التي يقتل لها رجال أكثر من العشيرة الأخرى، تبقى تحاول استهداف رجال العشيرة الأخرى لحين تحقيق القتل المتساوي بين الجانبين، وإلا سيبقى النزاع معلقاً تحت عنوان "ثأر عشائري"، يستمر في كثير من الحالات سنوات عديدة.
تمسك "جاسمية" بيدها المنهكة منجلاً، وتنتقي بخبرتها الحشائش الكبيرة، ثم تقصها بشكل متساو لتطعم ماشيتها بما تجود به مزرعتها الصغيرة من حشائش الجت (البرسيم الحجازي)، غير أن هذه الكميات لا تسد سوى حاجة بسيطة من طعام الجاموس والأغنام.
هذا الأمر، أدى لتراجع إنتاج الحليب إلى الربع، بحسب جاسمية، التي تقول: "أضطر لشراء الأعلاف من السوق رغم ارتفاع أسعارها لأكثر من الضعف بسبب شح المياه وتراجع المساحات الخضراء. نشتري طن الذرة بـ 700 ألف دينار (٤٥٠ دولاراً أميركياً)، لذا رفعت سعر لتر الحليب من 1000 دينار (٧٠ سنتاً) إلى 1500 دينار لتعويض الخسارة وشراء كميات كافية، ولا نفكر في الربح بل المهم الحفاظ على حياة الجاموس من النفوق، لأنه من الحيوانات الحساسة تجاه نقص المياه والغذاء ولا يحتمل درجات الحرارة المرتفعة".
من جهتها، تقول المزارعة الشابة نداء عباس، التي تعاني أيضاً جرّاء جفاف الأهوار والمراعي: "لسنا ماكنات، ولنا حقوق على الحكومة وعليها مساعدتنا مادياً ومعنوياً من خلال توفير المعدات الزراعية والبذور والأعلاف المدعومة، للتخفيف من قساوة الظروف البيئية علينا".
وتؤكد لـ"ارفع صوتك": "أجبرتنا التغيرات المناخية على العمل ليلاً ونهاراً في رعي الماشية وجلب القصب والبردي، وتأمين المياه الصالحة للاستخدام في تحضير الحليب ومشتقاته لبيعها، بالإضافة لرعاية الأسرة والمنزل، دون النظر لأدنى الحاجات الصحية والحياتية. هذا الأمر جعلنا في مواجهة المرض والضعف البدني والنفسي".
"واقع مأساوي"
يرصد المرشد الزراعي في مديرية زراعة ميسان صلاح مهدي سيد، "واقعاً مأساوياً" لنساء الأهوار بسبب الجفاف وشح المياه وطبيعة الأعراف والعادات السائدة في المجتمع الريفي الذي حمّلَ المرأة طاقة تفوق قدراتها الجسدية، بحسب تعبيره.
يقول لـ"ارفع صوتك": "كُلفت بمهمة متابعة مشروع استعادة وتعزيز صمود النظم الغذائية في جنوب العراق بالشراكة مع مديريات الزراعة في الجنوب، وعملي مقتصر على الأهوار الشرقية (الحويزة، والعودة) في محافظة ميسان".
ويضف: "كانت البداية صعبة جداً بسبب فقدان المزارع لثقافة الزراعة المستدامة والاعتماد على النفس وتحقيق الاكتفاء الزراعي الذاتي، فوجدنا مئات المزارعين والمزارعات يشترون الأعلاف بمبالغ كبيرة من السوق، ويتكبدون خسائر في المواشي والمنتجات لقلة الأعلاف الطبيعية والمراعي نتيجة الجفاف".
يوضح سيد، أن "المرحلة الأولى من المشروع، كانت بإشراف خبير الثروة الحيوانية لدى منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)، وحققت نتائج مرضية، تضمنت توزيع الأعلاف من النخالة وسيلاج الذرة العلفية على 372 مستفيدا من المربيات والمربين، وتوزيع دبس المولاس الذي يدخل أول مرة إلى جنوب العراق بواقع 118 طناً، شمل (800) مستفيدة ومستفيد".
و"دبس المولاس"، هو مكمل غذائي يسهم في رفع قدرة الماشية على زيادة الحليب وتحسين نوعيته، بحسب سيد.
كما وزعت 340 كغم من الذرة العلفية، و225 كغم من حشائش الريكراس، التي تدخل العراق أول مرة أيضاً، وهي من المحاصيل النجيلية، تزرع من منتصف سبتمبر حتى منتصف نوفمبر، وتعطي 4-5 حشات، وتنتهي بحلول شهر مايو، إذ تخفف عن المزارعين تكاليف الأعلاف الجاهزة".
ويشير سيد، إلى أن "المشروع أيضاً استهدف النساء في الحويزة والعودة، عبر تعليمهن وتدريبهن على مهارات إنتاجية، لمساعدتهن على تأمين أو زيادة الدخل، كما تم إمدادهن بماكينات حديثة لقصّ الحشائش، لتوفير الجهد والوقت".
وحذرت منظمة "الفاو" في العراق، من "العواقب الخطيرة" لتغير المناخ وندرة المياه على الأهوار ومربي الجاموس في جنوب البلاد.
وتؤكد التقارير الميدانية لفريق عمل المشروع الذي تنفذه المنظمة بالتعاون مع وزارة الزراعة والاتحاد الأوربي، أن الأهوار "تشهد أشد موجة حرارة منذ أربعين سنة، مصحوبة بنقص مفاجئ للمياه في نهري دجلة و الفرات، حيث تظهر الآثار المدمرة على النظام البيئي ومربي الجاموس والمزارعين ومربي الأسماك في الأهوار".
