صورة تعبيرية من مسرحية غنائية لبنانية عن ملكة تدمر، زنوبيا- ا ف ب
صورة تعبيرية من مسرحية غنائية لبنانية عن ملكة تدمر، زنوبيا- ا ف ب

لعب العنصر الأنثوي دوراً مهماً في تشكيل الوجدان الجمعي في الحضارات القديمة، فكانت المرأة بين الحقائق والأساطير، آلهة ومعبودة، وأيضاً كاهنة وحاكمة وقائدة لبعض الجيوش. 

يسلط المقال الضوء على قصص تناقلتها المراجع التاريخية واكتشفتها بعثات التنقيب الأثري، لنماذج أنثوية من حضارات الشرق الأدنى، وبعض هذه الأسماء ما يزال يُحتفى بها حتى الآن.

 

عشتار

يذكر الباحث السوري فراس السواح في كتابه "موسوعة تاريخ الأديان"، أن الإلهة عشتار كانت واحدة من أعظم الآلهة الذين عُبِدوا في العراق القديم. 

تُعد قصة عشتار وتموز، من أشهر القصص التي خُلِدت على مر القرون. وتذكر أن الراعي تموز عشق الإلهة عشتار وطلب الزواج بها، فوافقت، واختارته من بين الكثير من الذكور الذين تقدموا لخطبتها، وعاشا معاً في بيتهما الجميل المسمى "بيت الحياة".

في يوم ما أرادت عشتار أن تنزل تحت الأرض لتزور أختها أريشكيجال ملكة العالم السفلي، وربما رغبت أن تحكم هذا العالم أيضاً. بحسب الأسطورة تمكنت أريشكيجال من القبض على عشتار وقتلتها.

تذكر النصوص القديمة المصاعب التي تعرض لها العالم حينها: "...لما نزلت السيدة عشتار إلى الأرض التي لا يعود منها من يدخلها، لم يعل الثور البقرة، ولم يقرب الحمار الأتان. والفتاة في الطريق لم يقترب منها رجل؛ ونام الرجل في حجرته، ونامت الفتاة وحدها. وأخذ السكان يتناقصون، وارتاعت الآلهة حين رأت نقص ما ترسله إليها الأرض من القرابين...". 

تدخلت الآلهة، كما تقول الأسطورة، لتحل ذلك الموقف الصعب، فأقنعت أريشكيجال بأن تترك أختها لتصعد إلى الأرض مقابل أن ترسل عشتار بديلاً لها، بالفعل صعدت عشتار وبحثت عن البديل، ولمّا وصلت لـ"بيت الحياة" وجدت زوجها تموز يعيش سعيداً ولا يبدو على ملامحه الحزن لفقدها.

قررت عشتار عندها أن يكون هو البديل، فاقتادته الشياطين لمملكة العالم السفلي. بعد فترة، ندمت عشتار على قرارها وبكت كثيراً حزناً على فراق حبيبها. وفي النهاية اجتمعت الآلهة وقررت أن يمكث تموز ستة أشهر في العالم السفلي، وأن يصعد بعدها إلى الدنيا لمدة ستة أشهر أخرى، لتحل محله أخته جشتي- نانا. 

تُعدّ هذه الحكاية من أعظم الأساطير التي خلدتها النصوص العراقية القديمة، ويصفها المؤرخ الأميركي ويل ديورانت، في كتابه "قصة الحضارة" بأنها "رائعة، ترمز في صورة جميلة ممتعة إلى موات التربة وعودتها إلى الحياة في كل عام، إلى ما للحب من قدرة دونها كل قدرة…".

Metal restoration specialist Gert Jendritzki walks through the Babylon's Ishtar Gate as he leaves the Museum of the Ancient…
رمز الأنوثة والحياة والحب: قصة الإلهة العراقية القديمة عشتار
في العصر الحديث، رمزت عشتار إلى عراقة بلاد الرافدين عندما اختيرت النجمة الثمانية -وهي الرمز القديم لعشتار- لتتوسط العلم العراقي في حقبة عبد الكريم قاسم 1959- 1963م. كذلك تُعدّ بوابة عشتار -المحفوظة في متحف "بيرغامون" في العاصمة الألمانية برلين- أحد أعظم الآثار التي تشهد على عظمة البنّائين العراقيين القدماء.

 

سميراميس

كان المؤرخ اليوناني ديودور الصقلي، أول من تحدث عن أسطورة الملكة سميراميس. وذكر أن إلهة الحب أفروديت غضبت ذات مرة من إلهة السمك، فسحرتها لتقع في إغواء واحد من الشباب.

ولدت إلهة السمك من هذا الشاب بنتاً، لكنها سرعان ما ندمت على ما اقترفته، فتركت الطفلة في الصحراء وعادت مرة أخرى إلى البحر. 

بحسب الأسطورة، فإن سرباً من أسراب الحمام الأبيض وجد الطفلة الوحيدة في العراء، فدلّ المزارعين على مكانها، ثم أخذوها وربوها في مساكنهم، وأطلقوا عليها اسم "سميراميس"، الذي يعني الحمام في اللغة الآشورية.

كبرت الطفلة وصارت امرأة جميلة. في إحدى المرات شاهدها الوزير فأُغرم بها، ثم تزوجها وصارت تشاركه في سلطته. وحين شاهدها الملك نينوس، طلب من وزيره أن يفارقها حتى يتمكن من الزواج بها، فوافق الوزير مجبراً بعد أن هدده الملك بسمل عينيه.

صارت سميراميس ملكة آشورية تحكم مساحات واسعة من العالم القديم. وتحكي بعض القصص أنها دبرت مؤامرة لاغتيال زوجها، لتنفرد بعدها بحكم المملكة.

لا نعرف الأصل التاريخي الذي بُنيت عليه تلك الأسطورة، لكن يرى بعض المؤرخين أن سميراميس شخصية حقيقية، وأنها هي نفسها الملكة الآشورية "سمورامات" التي تولت الوصاية على ابنها الصغير في بدايات القرن التاسع قبل الميلاد. 

بغض النظر عن وجودها التاريخي من عدمه، اشتهر اسم سميراميس في بلدان العالم القديم، ونُظر إليها باعتبارها واحدة من أقوى النساء اللائي جمعن الجمال والسلطة في وقت واحد.

 

إيزيس

تُعدّ الإلهة المصرية إيزيس واحدة من أشهر الرموز الأنثوية على مر التاريخ. تحكي الأسطورة، أن حاكم مصر، الإله أوزير -زوج إيزيس- قُتل على يد أخيه الإله ست، وأن جثمان أوزير قُطع للكثير من القطع، ودفن كل قطعة في إقليم من أقاليم مصر.

 بحسب ما نقله المؤرخ اليوناني بلوتارك، في كتبه، فإن إيزيس بحثت عن قطع جثمان زوجها، فجمعتها جميعاً ما عدا العضو الذكري، الذي أكلته بعض الأسماك في نهر النيل.

 بعدها، مارست إيزيس بعض الأعمال السحرية وحملت من زوجها المتوفى بطريقة سرية، ثم انتقلت بطفلها حورس إلى أحراش الدلتا النائية في شمالي مصر، وهناك، قدمت الرعاية والحنان لطفلها الصغير حتى شبّ قوياً شجاعاً. 

بعد سنين، تقول الأسطورة، طالب حورس بحقه في حكم مصر ودخل في صراع طويل مع ست، وانتهى الأمر بتنصيب الآلهة حورس حاكماً للمملكة. جاء في "موسوعة الأساطير والرموز الفرعونية"، أن الإلهة إيزيس رمزت لأرض مصر الخصبة، التي اعتادت على تلقي فيضان النيل الذي يمثله أوزيريس.

 ظلت أسطورة إيزيس حاضرة في الوجدان الجمعي المصري على مر الأجيال، ودخلت في صياغة حكايات الفلكلور الشعبي المعروفة التي يختلط فيها الواقع بالخيال.

 

بلقيس

عُرفت سبأ في الثقافة العربية القديمة باعتبارها إحدى الممالك العظيمة التي ظهرت في اليمن في جنوب شبه الجزيرة العربية. ويعتقد الكثير من الباحثين أن تلك المملكة قامت في القرن العاشر قبل الميلاد، وهو التوقيت ذاته الذي يحدده باحثون لقيام دولة الملك سليمان في فلسطين.

ورد ذكر ملكة سبأ في سورة النمل في القرآن، حيث أخبر الهدهد النبي سليمان عن حال أهل تلك المملكة العظيمة، فطلب سليمان منه أن يرمي برسالة إلى الملكة، ولمّا قرأت الملكة الرسالة استدعت المستشارين وكبار القادة لاستشارتهم في الأمر.

تحدثت القصة بعدها عن سفر الملكة بلقيس للقاء سليمان، وكيف أن الملك العبراني أتى بعرشها بطريقة خارقة.

أهتم المؤرخون المسلمون بالحديث عن قصة ملكة سبأ في كتبهم وفي تفاسيرهم للقرآن، لتتحول قصة بلقيس من خبر قرآني إلى قصة أسطورية تظهر فيها العديد من العجائب.

ذكر الكثير من المؤرخين، أن أسم ملكة سبأ هو بلقيس بنت شراحيل الهدهاد بن شرحبيل. وتحدث ابن كثير في كتابه "البداية والنهاية" عن أصلها وأسرتها فقال "كان أبوها من أكابر الملوك، وكان يأبى أن يتزوج من أهل اليمن، فيقال إنه تزوج بامرأة من الجن اسمها ريحانة بنت السكن، فولدت له هذه المرأة، واسمها تلقمة، ويُقال لها بلقيس".

فيما ينقل ابن منظور في كتابه "مختصر تاريخ دمشق" بعض أخبار الخوارق التي اتفق وقوعها عند لقاء بلقيس بالنبي سليمان، منها كيفية وصول العرش من اليمن لفلسطين، وورد على لسان الصحابي عبد الله بن العباس "لم يجر عرش صاحبة سبأ بين السماء والأرض ولكن انشقت له الأرض، فجرى تحت الأرض حتى ظهر بين يدي سليمان".

عمل شمس الدين القرطبي على تلخيص قصة حياة بلقيس بعد لقائها بالنبي سليمان، فقال "تزوجها وردّها إلى ملكها باليمن، وكان يأتيها على الريح كل شهر مرة، فولدت له غلاما سماه داود مات في زمانه... أحبها حباً شديداً وأقرها على ملكها باليمن، وأمر الجن فبنوا لها ثلاثة حصون لم ير الناس مثلها ارتفاعاً... ثم كان سليمان يزورها في كل شهر مرة، ويقيم عندها ثلاثة أيام".

 على الرغم من كل تلك الغرائب التي دخلت في تشكيل القصة، فإن ذكرى بلقيس ظلت حاضرة في الوجدان اليمني على وجه الخصوص، يدل على ذلك كثرة عدد النساء اليمنيات اللاتي يحملن اسم بلقيس.

 

زنوبيا

تُعدّ شخصية زنوبيا (الزبّاء)، واحدة من أهم الشخصيات النسائية اللاتي أثرن بشكل كبير في ثقافة منطقة الشرق الأوسط. وردت قصة تلك الشخصية بصيغتين مختلفتين. أولهما عربية إسلامية، وثانيهما رومانية بيزنطية.

تحدث الطبري عن زنوبيا في كتابه "تاريخ الرسل والملوك"، فبدأ سرده للقصة بذكر خبر جذيمة الأبرش الذي كان "من أفضل ملوك العرب رأياً وأبعدهم مغاراً وأشدهم نكاية وأطهرهم حزماً...".

انتصر جذيمة في إحدى المعارك على ملك عظيم من نسل العماليق، وهو عمرو بن ظرب. ابنة عمرو، التي تُعرف بالزبّاء –وهي نفسها زنوبيا في السردية الرومانية- عملت على الانتقام من جذيمة، من خلال الخديعة والمكر "فكتبت إلى جذيمة تدعوه إلى نفسها وملكها، وأن يصل بلاده ببلادها، وكان فيما كتبت أنها لم تجد مُلك النساء إلا إلى قبيح في السماع وضعف في السلطان وقلة ضبط المملكة، ولم تجد لملكها موضعاً ولا لنفسها كفؤاً غيرك فاقبل إلي فاجمع ملكي إلى ملكك وصل بلادي ببلادك وتقلد أمري مع أمرك".

 بحسب الطبري، فإن جذيمة صدق كلام الزبّاء ورحل إليها، فغدرت به وقتلته. وتُستكمل القصة بعد ذلك بانتقام عمرو بن عدي -ابن أخت جذيمة- من الزباء، وكيف أنه خدعها وأدخل رجاله إلى قصرها فقتلها ثم رجع إلى العراق.

 رغم الطابع الأسطوري الذي غلف تلك القصة، إلا أنها تتفق مع الكثير من الأخبار التاريخية التي وردت في سياق الحديث عن الحرب التي دارت بين الفرس والبيزنطيين في القرن السادس الميلادي.

 في تلك الحرب، ظهرت زنوبيا، ملكة تدمر، التي امتدحها المؤرخ الإنجليزي إدوارد جيبون في كتابه "اضمحلال الإمبراطورية الرومانية وسقوطها" فقال: "...إذا استثنينا منجزات سميراميس المشكوك فيها، فربما كانت زنوبيا هي السيدة الوحيدة التي شقت عبقريتها الفذة أستار الخمول الذليل الذي فرضه على جنسها مناخ آسيا وقواعد السلوك فيها...".

وبحسب السردية الرومانية، بدأت زنوبيا حكمها بقتال جيوش البيزنطيين في العديد من المعارك وانتصرت عليهم. حتى لُقبت بلقب ملكة الشرق، ولكن بعد سنوات، انقلب الوضع وهُزمت ملكة تدمر أمام الإمبراطور أورليان، واقتيدت إلى روما لتموت في الأسر.

قادت الملكة ماوية حربا شرسة ضد الرومان انتهت بتوقيع اتفاقية سلام مع الإمبراطور الروماني فالانس.
ماوية ملكة العرب "السراسين".. من تهديد بيزنطة إلى إنقاذها
لم يكم أمام الإمبراطور الروماني فالانس سوى طلب السلام. وهكذا، بعد أن فرضت ماوية شروط الحرب، فرضت أيضًا شروط السلام، ونجحت في فرض أسقف من أبناء شعبها، ومن مذهبها، ولم يكن أمام الأريوسيين سوى القبول، فعُيِّن موسى حسب الأصول كأول أسقف من العرب وللعرب.

 

ديدو

ورد ذكر ديدو في الأساطير الرومانية والقرطاجنية القديمة. يذكر أمين سلامة في كتابه "مُعجم الأعلام في الأساطير اليونانية والرومانية"، أن ديدو كانت ابنة للملك بيلوس ملك توري، وفي شبابها تزوجت من رجل غني فاحش الثراء، ولمّا مات أبوها، اعتلى أخوها بجماليون العرش، وطمع في الاستيلاء على الكنوز التي يمتلكها زوجها، فقتله. 

حاول الأخ العثور على الكنز، لكن ديدو أنقذت الثروة وهربت بها جنوباً باتجاه الساحل الجنوبي للبحر المتوسط.

بحسب الأسطورة، وصلت ديدو إلى موضع قرطاج القديمة (تونس حالياً)، واشترت مساحات واسعة من الأراضي بقدر ما يمكن إحاطته بجلد ثور لو قُطع خيوطاً صغيرة، وعلى تلك الأراضي شيدت مملكة قرطاجنة العظيمة، وصارت أول ملوكها.

على الرغم من تعارض تلك الأسطورة مع التاريخ المعروف الذي يذكر أن قرطاجنة كانت مستعمرة فينيقية بناها المؤسسون القادمون من أراضي سوريا ولبنان، فإن قصة ديدو انتشرت بشكل كبير في تونس والكثير من دول الشرق الأوسط.

بحسب ما يذكر ديفيد أنان في كتابه "الجمعيات السرية"، فإن الداعية الإسماعيلي الحسن بن الصباح، استخدم خدعة ديدو للاستيلاء على القلعة الحصينة في نهايات القرن الثاني عشر الميلادي.

 يقول أنان إن الحسن طلب من حاكم القلعة أن يبيعه مكاناً أو قطعة أرض في القلعة بمقدار سلخ بقرة حتى يتفرغ للعبادة فيها، وبعد موافقة الحاكم قطع الحسن جلد البقرة إلى حبال رفيعة جداً، وربطها ببعضها البعض حتى أصبح الحبل طويلاً جداً، ثم قام ابن الصباح بإحاطة القلعة بهذا الحبل، وطلب من حاكم القلعة أن يفي بوعده ويترك القلعة! 

الكاهنة ديهيا

 في القرن السابع الميلادي، حكمت الكاهنة ديهيا مساحات واسعة من المغرب الكبير لمدة طويلة تزيد عن الثلاثة عقود، ومن معقلها الحصين في جبال الأوراس، تمكنت ديهيا من توحيد العديد من القبائل الأمازيغية تحت قيادتها، وحركت جيوشها لقتال البيزنطيين والعرب.

استطاعت الكاهنة أن تهزم قوات القائد العربي حسان بن النعمان، كما حررت تونس وطرابلس من الحكم العربي، وظلت صامدة في ميادين القتال حتى نسج المِخيال العربي العديد من القصص الأسطورية حول ديهيا.

 أكد المؤرخون المسلمون على شجاعة ديهيا وقوتها، وفسروا هزيمتها بالخيانة والغدر، وأنها أسرت 80 رجلاً مسلماً في أحد المعارك، فعاملتهم بشكل جيد وأحسنت إليهم، ثم اختارت واحداً منهم لتتخذه ولداً، لكنه غدر بها وأرسل إلى المسلمين ليخبرهم عن مواطن الضعف في دفاعاتها، فتمكن العرب أخيراً من هزيمتها وقتلها عام 701 ميلادي.

حظيت ديهيا بمكانة مبجلة في الوجدان الجمعي للأمازيغ في المغرب الكبير على مر القرون. على سبيل المثال، يقول عبد العزيز الثعالبي في كتابه "تاريخ شمال أفريقيا" واصفاً شجاعتها وتضحياتها: "...ذهبت هذه المرأة النادرة ضحية الدفاع عن حمى البلاد. وفي الوقت نفسه استراحت أفريقيا من عسفها وجورها بعد أن رفعتها إلى منازل الآلهة البشريين الذين عبدهم الناس".

ظهر تمجيد الأمازيغ لأسطورة الكاهنة ديهيا في العديد من المواقف. ففي عام ٢٠٠١ نصب لها تمثال في متنزه بِرسِي في باريس بصفته يمثل الجزائرَ والعنصر الأمازيغي، وتكرر الأمر في تمثال مشابه وسط بلدية بغاي بالجزائر عام 2003، كما نُصبت عام ٢٠١١ جدارية ضخمة في أحد الشوارع بمدينة آيت ورير المغربية.

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

مسيرة مناهضة للعنف ضد المرأة
جرائم القتل الوحشية للنساء تتصدر المشهد في الدول المغاربية

تتصدر جرائم القتل الوحشية للنساء، بالضرب أو الذبح أو الحرق، ومشكلات العنف الأسري، اهتمامات الإعلام بشكل متزايد في الدول المغاربية، لكن آليات الحماية لا تزال غير كافية.

بحسب مجموعة "فيمينيسيد (قتل النساء) الجزائر" التي ترصد هذه الحالات منذ عام 2019، "تُقتل على الأقل امرأة واحدة كل أسبوع" في البلاد.

أما منصة "أوقفوا قتل نساء المغرب" فسجلت على الأقل 50 جريمة قتل للنساء في 2023، مقابل أكثر من 30 في 2022، وخمس حالات منذ بداية عام 2024.

في تونس، الوضع لا يقل خطورة، إذ ارتفع عدد جرائم قتل النساء أربع مرات بين 2018 و2023، ليصل إلى 25 جريمة قتل مقابل ست حالات في 2018، وفق منظمات غير حكومية مثل "أصوات نساء" و"منارة".

وخلال رمضان في ربيع 2023، قُتلت شابة جزائرية تبلغ 23 عاماً على يد زوجها في قسنطينة (شرق الجزائر)، في جريمة قتل وحشية رواها لوكالة فرانس برس شقيق الضحية.

وقال عماد، وهو اسم مستعار، "قبل نصف ساعة من الإفطار، رأى زوج أختي زوجته تلتقط صورة لنفسها بهاتفها بينما كانت تقلي البوراك (من المقبّلات الجزائرية)، فغضب غضباً شديداً الى درجة انه صبّ الزيت على وجهها ثم ذبحها".

كانت الضحية متزوجة منذ خمس سنوات، ولها ثلاثة أطفال.

وبحسب شقيق الضحية، حُكم على القاتل بالسجن 10 سنوات فقط لأن محاميه قدم ملفاً طبياً يزعم أن موكله كان يعاني من انهيار عصبي، وهي عقوبة طعنت الأسرة فيها لدى محكمة الاستئناف.

ونجت فريدة (اسم مستعار) البالغة 45 عاماً، من محاولة خنقها على يد زوجها في الجزائر.

وروت هذه الصحافية المطلّقة والأم لأربعة أطفال "كانت حياتي الزوجية بائسة جداً، مع الضرب والتهديدات بالقتل. مرة خنقني حتى سقطت، واستخدم حتى حبلاً".

وأوضحت الباحثة الجزائرية في علم الاجتماع يمينة رحو لوكالة فرانس برس أن "ظاهرة قتل النساء ليست جديدة، إلا أنها أصبحت أكثر بروزاً مع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي".

تحاول منظمات غير حكومية وجمعيات نسوية في الدول المغاربية توعية الرأي العام بهذه المآسي، معتبرة أن الجرائم التي تصل إلى الإعلام ليست سوى غيض من فيض.

واعتبرت كريمة بريني، رئيسة جمعية المرأة والمواطنة، لوكالة فرانس برس بخصوص عدد جرائم قتل النساء المسجلة في تونس عام 2023 "إنه هائل بالنسبة لعدد السكان وهي ظاهرة خطيرة".

ووقعت آخر محاولة قتل لامرأة، نهاية الأسبوع الماضي، في قفصة بجنوب تونس، حيث سكب زوج البنزين وأضرم في جسد زوجته النار بسبب خلافات عائلية متكررة، ونُقلت إلى المستشفى، بينما زوجها لا يزال متوارياً، بحسب مصادر قضائية.

رغم تبني قانون طموح جداً في عام 2017 في تونس، ترى بريني أن "تطبيقه لا يسير بالوتيرة المطلوبة"، مشيرة إلى نقص التمويل العام لمراكز الإيواء وعدم كفاية تدريب "المحترفين (خصوصاً الشرطة والقضاة) على تقويم المخاطر ومنع العنف".

وترى أيضاً أنّ "عدداً كبيراً من العوائق الثقافية" في تونس، مثل الصور النمطية التي تروجها الكتب المدرسية ("المرأة في المطبخ، الرجل يشاهد التلفاز")، والذهنيات التي يجب تغييرها لكي لا تكون هذه الأعمال "مقبولة ثقافياً".

وآخر جريمة كانت ضحيتها امرأة في الجزائر حدثت، الاثنين، في ولاية خنشلة (شرق) حيث ذكرت وسائل إعلام محلية أن رجلا يبلغ من العمر 49 عاما طعن زوجته، 37 عاما، مرّات عدة قبل أن يذبحها، وقد أوقفته الشرطة.

وللجزائر أيضاً إطار تشريعي صارم للغاية في هذه القضايا.

فقد صدرت على الأقل 13 عقوبة بالإعدام منذ عام 2019 (تم تخفيفها جميعاً إلى السجن مدى الحياة). وهناك قانون صدر عام 2015 يعاقب بشكل خاص على التحرش الجنسي وكل أشكال الاعتداء أو العنف اللفظي أو النفسي.

وأوصت يمينة رحو بـ"توعية الجنسين منذ سن مبكرة بالتربية على المساواة والمسؤولية المشتركة والاحترام المتبادل في الأسرة"، خصوصاً عبر وسائل الإعلام العامة.

بالنسبة لها، "لا تكفي الترسانة القانونية وعمل قوات الأمن" بل يجب "تعبئة جميع موارد الدولة، مع نظام إنذار، يشمل الرجال أيضاً".

وفي المغرب أيضاً، يوجد منذ عام 2018 قانون يحارب العنف الموجه ضد النساء، لكنه يتعرض لانتقادات من الجمعيات النسوية بسبب عدم فعاليته.

وٍبينت المحامية غزلان ماموني أن "القضاة يميلون إلى الاعتقاد بأن هذه الأفعال تندرج ضمن المجال الخاص، لذلك فإن العقوبات ليست رادعة وهذا جوهر المشكلة".

من جانبها، وصفت كاميليا الشهاب، مؤسسة جمعية "أوقفوا قتل النساء المغرب"، الأدوات القانونية المغربية في هذه القضايا بأنها "مهزلة"، داعية إلى تشريع "أكثر واقعية" وتدريب المحترفين للتكفل بشكل أفضل بالضحايا.

في عام 2023، حظيت جريمة قتل في المغرب بتغطية إعلامية كبيرة، وتمثلت في تقطيع جثة امرأة وإخفائها في ثلاجة.

وتقول كاميليا الشهاب "هذه الحالة معبّرة جدا لأنها تُظهر الحاجة إلى حصول أمر مروع للغاية لكي يهتم الصحافيون بالموضوع، رغم أن جميع جرائم قتل النساء مروعة".