صورة تعبيرية من مسرحية غنائية لبنانية عن ملكة تدمر، زنوبيا- ا ف ب
صورة تعبيرية من مسرحية غنائية لبنانية عن ملكة تدمر، زنوبيا- ا ف ب

لعب العنصر الأنثوي دوراً مهماً في تشكيل الوجدان الجمعي في الحضارات القديمة، فكانت المرأة بين الحقائق والأساطير، آلهة ومعبودة، وأيضاً كاهنة وحاكمة وقائدة لبعض الجيوش. 

يسلط المقال الضوء على قصص تناقلتها المراجع التاريخية واكتشفتها بعثات التنقيب الأثري، لنماذج أنثوية من حضارات الشرق الأدنى، وبعض هذه الأسماء ما يزال يُحتفى بها حتى الآن.

 

عشتار

يذكر الباحث السوري فراس السواح في كتابه "موسوعة تاريخ الأديان"، أن الإلهة عشتار كانت واحدة من أعظم الآلهة الذين عُبِدوا في العراق القديم. 

تُعد قصة عشتار وتموز، من أشهر القصص التي خُلِدت على مر القرون. وتذكر أن الراعي تموز عشق الإلهة عشتار وطلب الزواج بها، فوافقت، واختارته من بين الكثير من الذكور الذين تقدموا لخطبتها، وعاشا معاً في بيتهما الجميل المسمى "بيت الحياة".

في يوم ما أرادت عشتار أن تنزل تحت الأرض لتزور أختها أريشكيجال ملكة العالم السفلي، وربما رغبت أن تحكم هذا العالم أيضاً. بحسب الأسطورة تمكنت أريشكيجال من القبض على عشتار وقتلتها.

تذكر النصوص القديمة المصاعب التي تعرض لها العالم حينها: "...لما نزلت السيدة عشتار إلى الأرض التي لا يعود منها من يدخلها، لم يعل الثور البقرة، ولم يقرب الحمار الأتان. والفتاة في الطريق لم يقترب منها رجل؛ ونام الرجل في حجرته، ونامت الفتاة وحدها. وأخذ السكان يتناقصون، وارتاعت الآلهة حين رأت نقص ما ترسله إليها الأرض من القرابين...". 

تدخلت الآلهة، كما تقول الأسطورة، لتحل ذلك الموقف الصعب، فأقنعت أريشكيجال بأن تترك أختها لتصعد إلى الأرض مقابل أن ترسل عشتار بديلاً لها، بالفعل صعدت عشتار وبحثت عن البديل، ولمّا وصلت لـ"بيت الحياة" وجدت زوجها تموز يعيش سعيداً ولا يبدو على ملامحه الحزن لفقدها.

قررت عشتار عندها أن يكون هو البديل، فاقتادته الشياطين لمملكة العالم السفلي. بعد فترة، ندمت عشتار على قرارها وبكت كثيراً حزناً على فراق حبيبها. وفي النهاية اجتمعت الآلهة وقررت أن يمكث تموز ستة أشهر في العالم السفلي، وأن يصعد بعدها إلى الدنيا لمدة ستة أشهر أخرى، لتحل محله أخته جشتي- نانا. 

تُعدّ هذه الحكاية من أعظم الأساطير التي خلدتها النصوص العراقية القديمة، ويصفها المؤرخ الأميركي ويل ديورانت، في كتابه "قصة الحضارة" بأنها "رائعة، ترمز في صورة جميلة ممتعة إلى موات التربة وعودتها إلى الحياة في كل عام، إلى ما للحب من قدرة دونها كل قدرة…".

رمز الأنوثة والحياة والحب: قصة الإلهة العراقية القديمة عشتار
في العصر الحديث، رمزت عشتار إلى عراقة بلاد الرافدين عندما اختيرت النجمة الثمانية -وهي الرمز القديم لعشتار- لتتوسط العلم العراقي في حقبة عبد الكريم قاسم 1959- 1963م. كذلك تُعدّ بوابة عشتار -المحفوظة في متحف "بيرغامون" في العاصمة الألمانية برلين- أحد أعظم الآثار التي تشهد على عظمة البنّائين العراقيين القدماء.

 

سميراميس

كان المؤرخ اليوناني ديودور الصقلي، أول من تحدث عن أسطورة الملكة سميراميس. وذكر أن إلهة الحب أفروديت غضبت ذات مرة من إلهة السمك، فسحرتها لتقع في إغواء واحد من الشباب.

ولدت إلهة السمك من هذا الشاب بنتاً، لكنها سرعان ما ندمت على ما اقترفته، فتركت الطفلة في الصحراء وعادت مرة أخرى إلى البحر. 

بحسب الأسطورة، فإن سرباً من أسراب الحمام الأبيض وجد الطفلة الوحيدة في العراء، فدلّ المزارعين على مكانها، ثم أخذوها وربوها في مساكنهم، وأطلقوا عليها اسم "سميراميس"، الذي يعني الحمام في اللغة الآشورية.

كبرت الطفلة وصارت امرأة جميلة. في إحدى المرات شاهدها الوزير فأُغرم بها، ثم تزوجها وصارت تشاركه في سلطته. وحين شاهدها الملك نينوس، طلب من وزيره أن يفارقها حتى يتمكن من الزواج بها، فوافق الوزير مجبراً بعد أن هدده الملك بسمل عينيه.

صارت سميراميس ملكة آشورية تحكم مساحات واسعة من العالم القديم. وتحكي بعض القصص أنها دبرت مؤامرة لاغتيال زوجها، لتنفرد بعدها بحكم المملكة.

لا نعرف الأصل التاريخي الذي بُنيت عليه تلك الأسطورة، لكن يرى بعض المؤرخين أن سميراميس شخصية حقيقية، وأنها هي نفسها الملكة الآشورية "سمورامات" التي تولت الوصاية على ابنها الصغير في بدايات القرن التاسع قبل الميلاد. 

بغض النظر عن وجودها التاريخي من عدمه، اشتهر اسم سميراميس في بلدان العالم القديم، ونُظر إليها باعتبارها واحدة من أقوى النساء اللائي جمعن الجمال والسلطة في وقت واحد.

 

إيزيس

تُعدّ الإلهة المصرية إيزيس واحدة من أشهر الرموز الأنثوية على مر التاريخ. تحكي الأسطورة، أن حاكم مصر، الإله أوزير -زوج إيزيس- قُتل على يد أخيه الإله ست، وأن جثمان أوزير قُطع للكثير من القطع، ودفن كل قطعة في إقليم من أقاليم مصر.

 بحسب ما نقله المؤرخ اليوناني بلوتارك، في كتبه، فإن إيزيس بحثت عن قطع جثمان زوجها، فجمعتها جميعاً ما عدا العضو الذكري، الذي أكلته بعض الأسماك في نهر النيل.

 بعدها، مارست إيزيس بعض الأعمال السحرية وحملت من زوجها المتوفى بطريقة سرية، ثم انتقلت بطفلها حورس إلى أحراش الدلتا النائية في شمالي مصر، وهناك، قدمت الرعاية والحنان لطفلها الصغير حتى شبّ قوياً شجاعاً. 

بعد سنين، تقول الأسطورة، طالب حورس بحقه في حكم مصر ودخل في صراع طويل مع ست، وانتهى الأمر بتنصيب الآلهة حورس حاكماً للمملكة. جاء في "موسوعة الأساطير والرموز الفرعونية"، أن الإلهة إيزيس رمزت لأرض مصر الخصبة، التي اعتادت على تلقي فيضان النيل الذي يمثله أوزيريس.

 ظلت أسطورة إيزيس حاضرة في الوجدان الجمعي المصري على مر الأجيال، ودخلت في صياغة حكايات الفلكلور الشعبي المعروفة التي يختلط فيها الواقع بالخيال.

 

بلقيس

عُرفت سبأ في الثقافة العربية القديمة باعتبارها إحدى الممالك العظيمة التي ظهرت في اليمن في جنوب شبه الجزيرة العربية. ويعتقد الكثير من الباحثين أن تلك المملكة قامت في القرن العاشر قبل الميلاد، وهو التوقيت ذاته الذي يحدده باحثون لقيام دولة الملك سليمان في فلسطين.

ورد ذكر ملكة سبأ في سورة النمل في القرآن، حيث أخبر الهدهد النبي سليمان عن حال أهل تلك المملكة العظيمة، فطلب سليمان منه أن يرمي برسالة إلى الملكة، ولمّا قرأت الملكة الرسالة استدعت المستشارين وكبار القادة لاستشارتهم في الأمر.

تحدثت القصة بعدها عن سفر الملكة بلقيس للقاء سليمان، وكيف أن الملك العبراني أتى بعرشها بطريقة خارقة.

أهتم المؤرخون المسلمون بالحديث عن قصة ملكة سبأ في كتبهم وفي تفاسيرهم للقرآن، لتتحول قصة بلقيس من خبر قرآني إلى قصة أسطورية تظهر فيها العديد من العجائب.

ذكر الكثير من المؤرخين، أن أسم ملكة سبأ هو بلقيس بنت شراحيل الهدهاد بن شرحبيل. وتحدث ابن كثير في كتابه "البداية والنهاية" عن أصلها وأسرتها فقال "كان أبوها من أكابر الملوك، وكان يأبى أن يتزوج من أهل اليمن، فيقال إنه تزوج بامرأة من الجن اسمها ريحانة بنت السكن، فولدت له هذه المرأة، واسمها تلقمة، ويُقال لها بلقيس".

فيما ينقل ابن منظور في كتابه "مختصر تاريخ دمشق" بعض أخبار الخوارق التي اتفق وقوعها عند لقاء بلقيس بالنبي سليمان، منها كيفية وصول العرش من اليمن لفلسطين، وورد على لسان الصحابي عبد الله بن العباس "لم يجر عرش صاحبة سبأ بين السماء والأرض ولكن انشقت له الأرض، فجرى تحت الأرض حتى ظهر بين يدي سليمان".

عمل شمس الدين القرطبي على تلخيص قصة حياة بلقيس بعد لقائها بالنبي سليمان، فقال "تزوجها وردّها إلى ملكها باليمن، وكان يأتيها على الريح كل شهر مرة، فولدت له غلاما سماه داود مات في زمانه... أحبها حباً شديداً وأقرها على ملكها باليمن، وأمر الجن فبنوا لها ثلاثة حصون لم ير الناس مثلها ارتفاعاً... ثم كان سليمان يزورها في كل شهر مرة، ويقيم عندها ثلاثة أيام".

 على الرغم من كل تلك الغرائب التي دخلت في تشكيل القصة، فإن ذكرى بلقيس ظلت حاضرة في الوجدان اليمني على وجه الخصوص، يدل على ذلك كثرة عدد النساء اليمنيات اللاتي يحملن اسم بلقيس.

 

زنوبيا

تُعدّ شخصية زنوبيا (الزبّاء)، واحدة من أهم الشخصيات النسائية اللاتي أثرن بشكل كبير في ثقافة منطقة الشرق الأوسط. وردت قصة تلك الشخصية بصيغتين مختلفتين. أولهما عربية إسلامية، وثانيهما رومانية بيزنطية.

تحدث الطبري عن زنوبيا في كتابه "تاريخ الرسل والملوك"، فبدأ سرده للقصة بذكر خبر جذيمة الأبرش الذي كان "من أفضل ملوك العرب رأياً وأبعدهم مغاراً وأشدهم نكاية وأطهرهم حزماً...".

انتصر جذيمة في إحدى المعارك على ملك عظيم من نسل العماليق، وهو عمرو بن ظرب. ابنة عمرو، التي تُعرف بالزبّاء –وهي نفسها زنوبيا في السردية الرومانية- عملت على الانتقام من جذيمة، من خلال الخديعة والمكر "فكتبت إلى جذيمة تدعوه إلى نفسها وملكها، وأن يصل بلاده ببلادها، وكان فيما كتبت أنها لم تجد مُلك النساء إلا إلى قبيح في السماع وضعف في السلطان وقلة ضبط المملكة، ولم تجد لملكها موضعاً ولا لنفسها كفؤاً غيرك فاقبل إلي فاجمع ملكي إلى ملكك وصل بلادي ببلادك وتقلد أمري مع أمرك".

 بحسب الطبري، فإن جذيمة صدق كلام الزبّاء ورحل إليها، فغدرت به وقتلته. وتُستكمل القصة بعد ذلك بانتقام عمرو بن عدي -ابن أخت جذيمة- من الزباء، وكيف أنه خدعها وأدخل رجاله إلى قصرها فقتلها ثم رجع إلى العراق.

 رغم الطابع الأسطوري الذي غلف تلك القصة، إلا أنها تتفق مع الكثير من الأخبار التاريخية التي وردت في سياق الحديث عن الحرب التي دارت بين الفرس والبيزنطيين في القرن السادس الميلادي.

 في تلك الحرب، ظهرت زنوبيا، ملكة تدمر، التي امتدحها المؤرخ الإنجليزي إدوارد جيبون في كتابه "اضمحلال الإمبراطورية الرومانية وسقوطها" فقال: "...إذا استثنينا منجزات سميراميس المشكوك فيها، فربما كانت زنوبيا هي السيدة الوحيدة التي شقت عبقريتها الفذة أستار الخمول الذليل الذي فرضه على جنسها مناخ آسيا وقواعد السلوك فيها...".

وبحسب السردية الرومانية، بدأت زنوبيا حكمها بقتال جيوش البيزنطيين في العديد من المعارك وانتصرت عليهم. حتى لُقبت بلقب ملكة الشرق، ولكن بعد سنوات، انقلب الوضع وهُزمت ملكة تدمر أمام الإمبراطور أورليان، واقتيدت إلى روما لتموت في الأسر.

قادت الملكة ماوية حربا شرسة ضد الرومان انتهت بتوقيع اتفاقية سلام مع الإمبراطور الروماني فالانس.
ماوية ملكة العرب "السراسين".. من تهديد بيزنطة إلى إنقاذها
لم يكم أمام الإمبراطور الروماني فالانس سوى طلب السلام. وهكذا، بعد أن فرضت ماوية شروط الحرب، فرضت أيضًا شروط السلام، ونجحت في فرض أسقف من أبناء شعبها، ومن مذهبها، ولم يكن أمام الأريوسيين سوى القبول، فعُيِّن موسى حسب الأصول كأول أسقف من العرب وللعرب.

 

ديدو

ورد ذكر ديدو في الأساطير الرومانية والقرطاجنية القديمة. يذكر أمين سلامة في كتابه "مُعجم الأعلام في الأساطير اليونانية والرومانية"، أن ديدو كانت ابنة للملك بيلوس ملك توري، وفي شبابها تزوجت من رجل غني فاحش الثراء، ولمّا مات أبوها، اعتلى أخوها بجماليون العرش، وطمع في الاستيلاء على الكنوز التي يمتلكها زوجها، فقتله. 

حاول الأخ العثور على الكنز، لكن ديدو أنقذت الثروة وهربت بها جنوباً باتجاه الساحل الجنوبي للبحر المتوسط.

بحسب الأسطورة، وصلت ديدو إلى موضع قرطاج القديمة (تونس حالياً)، واشترت مساحات واسعة من الأراضي بقدر ما يمكن إحاطته بجلد ثور لو قُطع خيوطاً صغيرة، وعلى تلك الأراضي شيدت مملكة قرطاجنة العظيمة، وصارت أول ملوكها.

على الرغم من تعارض تلك الأسطورة مع التاريخ المعروف الذي يذكر أن قرطاجنة كانت مستعمرة فينيقية بناها المؤسسون القادمون من أراضي سوريا ولبنان، فإن قصة ديدو انتشرت بشكل كبير في تونس والكثير من دول الشرق الأوسط.

بحسب ما يذكر ديفيد أنان في كتابه "الجمعيات السرية"، فإن الداعية الإسماعيلي الحسن بن الصباح، استخدم خدعة ديدو للاستيلاء على القلعة الحصينة في نهايات القرن الثاني عشر الميلادي.

 يقول أنان إن الحسن طلب من حاكم القلعة أن يبيعه مكاناً أو قطعة أرض في القلعة بمقدار سلخ بقرة حتى يتفرغ للعبادة فيها، وبعد موافقة الحاكم قطع الحسن جلد البقرة إلى حبال رفيعة جداً، وربطها ببعضها البعض حتى أصبح الحبل طويلاً جداً، ثم قام ابن الصباح بإحاطة القلعة بهذا الحبل، وطلب من حاكم القلعة أن يفي بوعده ويترك القلعة! 

الكاهنة ديهيا

 في القرن السابع الميلادي، حكمت الكاهنة ديهيا مساحات واسعة من المغرب الكبير لمدة طويلة تزيد عن الثلاثة عقود، ومن معقلها الحصين في جبال الأوراس، تمكنت ديهيا من توحيد العديد من القبائل الأمازيغية تحت قيادتها، وحركت جيوشها لقتال البيزنطيين والعرب.

استطاعت الكاهنة أن تهزم قوات القائد العربي حسان بن النعمان، كما حررت تونس وطرابلس من الحكم العربي، وظلت صامدة في ميادين القتال حتى نسج المِخيال العربي العديد من القصص الأسطورية حول ديهيا.

 أكد المؤرخون المسلمون على شجاعة ديهيا وقوتها، وفسروا هزيمتها بالخيانة والغدر، وأنها أسرت 80 رجلاً مسلماً في أحد المعارك، فعاملتهم بشكل جيد وأحسنت إليهم، ثم اختارت واحداً منهم لتتخذه ولداً، لكنه غدر بها وأرسل إلى المسلمين ليخبرهم عن مواطن الضعف في دفاعاتها، فتمكن العرب أخيراً من هزيمتها وقتلها عام 701 ميلادي.

حظيت ديهيا بمكانة مبجلة في الوجدان الجمعي للأمازيغ في المغرب الكبير على مر القرون. على سبيل المثال، يقول عبد العزيز الثعالبي في كتابه "تاريخ شمال أفريقيا" واصفاً شجاعتها وتضحياتها: "...ذهبت هذه المرأة النادرة ضحية الدفاع عن حمى البلاد. وفي الوقت نفسه استراحت أفريقيا من عسفها وجورها بعد أن رفعتها إلى منازل الآلهة البشريين الذين عبدهم الناس".

ظهر تمجيد الأمازيغ لأسطورة الكاهنة ديهيا في العديد من المواقف. ففي عام ٢٠٠١ نصب لها تمثال في متنزه بِرسِي في باريس بصفته يمثل الجزائرَ والعنصر الأمازيغي، وتكرر الأمر في تمثال مشابه وسط بلدية بغاي بالجزائر عام 2003، كما نُصبت عام ٢٠١١ جدارية ضخمة في أحد الشوارع بمدينة آيت ورير المغربية.

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

تحرش ومحاولة اغتصاب في العراق
لتحرش الجنسي، هو أي سلوك ذي طبيعة جنسية غير مرحب به وقد يتسبب بالإساءة أو الإهانة للآخرين- تعبيرية

يعرّف التحرش الجنسي بأنه "أي سلوك ذي طبيعة جنسية غير مرحب به، وقد يتسبب بالإساءة أو الإهانة للآخرين"، ومن الممكن أن يتخذ التحرش الجنسي صيغاً متعددةً من النظرات إلى الكلام والاتصال الجسدي ذي الطبيعة الجنسية.

ويعدّ التحرش أحد أبرز الجرائم المتكررة في كثير من الدول العربية خلال السنوات الماضية. فما نسب التحرش الجنسي في الدول العربية؟ وما المواد القانونية التي تعمل على الحد منه؟

 

مصر

عانت المصريات كثيراً من ظاهرة التحرش الجنسي، للدرجة التي حدت ببعض التقارير لوصف القاهرة بأنها من "أكثر مدن العالم خطورة على النساء".

ونصت المادة 306 من قانون العقوبات على معاقبة المتحرش بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر وغرامة لا تقل عن ثلاثة آلاف جنيه ولا تزيد على خمسة آلاف جنيه.

استمر العمل بهذه المادة لعقود عدة، حتى علت أصوات تطالب بتغييرها، تزامناً مع التزايد المطرد لحالات التحرش، ورصد وتوثيق العديد من حالات التحرش الجماعي التي ارتبطت بالاحتفالات الدينية أو الاستحقاقات الانتخابية.

تسببت تلك الأحداث في توجيه الانتقادات المتكررة للحكومة المصرية من قِبل منظمات حقوقية.

على سبيل المثال في 2014، طالبت "هيومن رايتس ووتش" السلطات المصرية بالتحرك سريعاً لمكافحة جميع أشكال العنف والتحرش ضد النساء المصريات.

وفي 2018، أصدرت منظمة العفو الدولية بياناً انتقدت فيه "تقاعس الحكومة المصرية عن معالجة ظاهرة التحرش الجنسي"، مطالبة بالإسراع للإفراج عن جميع الناشطين الحقوقيين الذين قُبض عليهم بسبب توجيههم الانتقاد للنظام المصري لعجزه عن حل هذه المشكلة.

وظهرت أيضا مبادرات نسوية رافضة للتكتم على جرائم التحرش، من أهمها حملة "اتكلموا" (نوفمبر 2018)، التي هدفت إلى التوعية ضد التحرش الجنسي في المواصلات العامة.

وفي يوليو 2020، لجأت آلاف المصريات للفضاء الإلكتروني للكشف عن حالات التحرش التي وقعن ضحايا لها من قبل، باستخدام هاشتاغ #اسمع_صوت_المصريات و #حق_المصريات_فين.

وبعد عام واحد، تمت الاستجابة للمطالبات السابقة، حيث أقر البرلمان المصري تعديلاً تشريعياً شدد من خلاله عقوبة التحرش الجنسي بالنساء.

بموجب هذا التعديل، تحول التحرش الجنسي من جنحة إلى جناية، وأصبح الحد الأدنى للعقوبة الحبس خمس سنوات.

ونص التعديل الجديد كذلك على أن تكون عقوبة التحرش الجنسي الحبس سبع سنوات بحد أدنى في حال اقترن التحرش بحمل سلاح أو إذا كان المتحرش يملك أي سلطة وظيفية أو غيرها على المرأة.

محكمة مصرية تحكم بالسجن ثلاث سنوات على شاب أُدين بالتحرش الجنسي
قضت محكمة مصرية الثلاثاء بحبس الشاب المصري أحمد بسام زكي لمدة ثلاث سنوات، لإدانته بالتحرش جنسيا بفتاتين عبر وسائل الاتصال، حسب ما صرح مسؤول قضائي.

وقال المسؤول لوكالة الصحافة الفرنسية "قضت محكمة القاهرة الاقتصادية اليوم (الثلاثاء) بمعاقبة المتهم أحمد بسام زكي بالحبس لمدة 3 سنوات، لإدانته بالتحرش جنسيا بفتاتين، هاتفيا، عن طريق إرسال صور جنسية

 

العراق

لا توجد إحصائيات دقيقة عن أرقام جرائم التحرش الجنسي في العراق، بينما أفادت تقارير عدة بتعرض الكثير من الفتيات له في أماكن العمل.

وفي إحدى الدراسات، تبين أن أكثر من نصف الصحافيات في العراق عانين من التحرش الجنسي داخل المؤسسات الإعلامية.

قانونياً، لم ترد لفظة "التحرش" في قانون العقوبات العراقي، ويتعامل القضاء مع التحرش تحت عنوان "الجرائم المخلّة بالحياء".

وتنص المادة رقم 400 من قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969 المُعدل أن "من ارتكب مع شخص، ذكراً أو انثى، فعلاً مخلاً بالحياء بغير رضاه أو رضاها يُعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة وبغرامة لا تزيد على مئة دينار أو بإحدى هاتين العقوبتين".

في السنوات السابقة، تم تصوير بعض الحالات التي وثقت جرائم التحرش الجنسي في أماكن مختلفة من العراق، من أشهرها ما وقع في أبريل 2023، عندما تناقلت منصات التواصل الاجتماعي العراقي فيديو لحادثة تحرش تعرضت لها سيدة عراقية في البصرة خلال شهر رمضان، وظهر فيه رجل يستقل دراجة نارية وهو يتحرش بامرأة على حين غرة، عند مروره بجانبها. 

 

سوريا

احتلت سوريا المرتبة قبل الأخيرة في الإصدار الثالث من مؤشر "المرأة والسلام والأمن العالمي" الصادر عن معهد "جورج تاون للمرأة والسلام والأمن" الأميركي، ما يشي بتزايد معدلات الجرائم المرتبطة بالتحرش الجنسي والعنف ضد النساء.

توجد بعض القوانين التي عملت على مكافحة العنف الجنسي بشكل عام. على سبيل المثال حددت المادة 505 من قانون العقوبات السوري عقوبة السجن لمدة تصل إلى سنة ونصف "إذا تم مداعبة أو ملامسة أو توجيه عبارات أو أية أفعال منافية للحياء لقاصر دون الخامسة عشرة من العمر".

ونصت المادة 506 على عقوبة "الحبس التكديري لمدة ثلاثة أيام أو بغرامة لا تزيد عن 75 ليرة أو بالعقوبتين معاً"، لكل مَن "عرض على قاصر لم يتم الخامسة عشرة من عمره أو على فتاة أو على امرأة لهما من العمر أكثر من خمس عشرة سنة عملاً منافية للحياء أو وجه إلى أحدهم كلاماً مخلاً بالحشمة". 

في السنوات الأخيرة، ومع تصاعد العنف في المجتمع السوري بالتزامن مع أحداث الحرب الأهلية، تزايدت معدلات التحرش الجنسي في مناطق النزاع بين قوات النظام وفصائل المعارضة. وأشار تقرير "فقدت كرامتي" عام 2018، الصادر عن لجنة التحقيق الدولية المستقلة الخاصة بسوريا، إلى أن القوات الحكومية والمليشيات التابعة لها ارتكبت العديد من جرائم التحرش الجنسي ضد النساء والفتيات والرجال أحياناً أثناء عمليات مداهمة المنازل لإلقاء القبض على المحتجين والمعارضين.

من جهة أخرى، رصدت بعض التقارير الصحافية وقوع العديد من حالات التحرش الجنسي في الأوساط الجامعية السورية، كما حصل عام 2016، حين نشرت مجموعة من الطالبات رسائل "واتساب" من أستاذ جامعي يهدد بها طالبات بالفصل من الكلية أو الرسوب في مادته إن لم يستجبن لتلبية طلباته الجنسية.

وفي أغسطس 2021، انتشرت فضيحة مصوّرة لدكتور في جامعة "تشرين"، ظهر فيها عارياً وهو يتلفظ بألفاظ خادشة للحياء مع إحدى الطالبات، مقابل مساعدتها في النجاح بالمقرر الذي يدرّسه في الجامعة.

تونس

في 2019 كشفت وزارة التربية التونسية عن نتيجة بحث ميداني استمر ستة أشهر لكشف حالات التحرش الجنسي بالتلاميذ، عن وجود 87 حالة شبهة تحرش بمختلف أنواعها في كافة المستويات الدراسية.

على الصعيد القانوني، ينص الفصل (226) من المجلة الجزائية التونسية على معاقبة مرتكب التحرش الجنسي "بالسجن لمدة عامين وبخطية قدرها خمسة آلاف دينار"، ويكون العقاب مضاعفاً إذا كانت الضحية طفلاً، أو إذا كان الفاعل من أصول أو فروع الضحية.

لا تُفعل تلك القوانين على الوجه الأمثل، خصوصاً أن الأغلبية الغالبة من ضحايا التحرش لا تقوم بالإبلاغ عن الانتهاكات اللاتي تتعرض لها بشكل رسمي.

في 2019، وقعت واحدة من أشهر حوادث التحرش الجنسي في تونس، عندما قام أحد النواب البرلمانيين بالتحرش بفتاة قاصر أمام أحد المعاهد الثانوية، وتمسك النائب وقتها بحصانته رافضاً الملاحقة القضائية، ما أشعل غضب الشارع التونسي.

من جهة أخرى سارعت العديد من المؤسسات الحقوقية التونسية إلى إصدار بيان دعت فيه "الأمن والقضاء إلى التعامل الجدي والموضوعي مع قضايا التحرش والعنف الجنسي المسلطين على النساء"، كما دعا البيان، البرلمان "إلى التعامل جدياً مع مطالب رفع الحصانة خاصة في قضايا العنف الجنسي".

استجابت مؤسسات الدولة لتلك المطالبات، وحُكم على النائب المُدان بالسجن لمدة سنة مع النفاذ العاجل.

وفي مايو 2020، تسبب التحرش الجنسي في إثارة الجدل مرة أخرى حين ادّعت إعلامية مشهورة أن سليم شيبوب، صهر الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي كان يتحرش بها برسائل على "واتساب".

العراق بينها.. قوانين دول عربية تعاقب على التحرش الجنسي في أماكن العمل
في 8 مارس من كل عام، يحتفل العالم باليوم الدولي للمرأة، في وقت لم تحقق أي دولة هدف المساواة بين الجنسين، بحسب بيان الأمم المتحدة، اليوم الإثنين.

واعتبرت الأمم المتحدة في بيانها أن هذا التاريخ هو مناسبة للدعوة إلى

 

لبنان

أقرّ البرلمان اللبناني في ديسمبر 2020 "قانون تجريم التحرّش الجنسي وتأهيل ضحاياه". بحسب القانون يُعاقب المُتحرش بالسجن حتى عام وبغرامة تصل إلى عشرة أضعاف الحدّ الأدنى للأجور.

كما وفر الحماية للضحايا من الثأر عبر المس براتبهنّ أو ترقيتهنّ، أو نقلهنّ أو فصلهن من العمل بشكل تعسفي، ونص القانون أيضاً، على وجوب اتخاذ خطوات لحماية الضحية والشهود خلال التحقيقات والمقاضاة.

رغم كل ذلك، لم يلق القانون الترحيب الكافي من قِبل المؤسسات الحقوقية المعنية. ذكرت  "هيومن رايتس ووتش" أنّ القانون لا يستوفي المعايير الدولية، كونه يكتفي بتناول التحرّش الجنسي كجريمة، ويتجاهل التدابير الوقائية، وإصلاحات قانون العمل، والرصد، وسبل الانتصاف المدني.

لم يفلح القانون في حل الأزمة القائمة، حيث أشارت العديد من الجهات إلى أن ظاهرة التحرش الجنسي لا تزال منتشرة في المجتمع اللبناني.

في ديسمبر الماضي، ذكرت "اليونسيف" أن "كل النساء في لبنان تقريباً تعرضن للتحرش الجنسي في حياتهن"، مبينةً أن هذا النوع من العنف القائم على النوع الاجتماعي أصبح "أمراً عادياً في الأماكن العامة وعبر الإنترنت، وفي الأسواق والمواصلات".