صورة تعبيرية من مسرحية غنائية لبنانية عن ملكة تدمر، زنوبيا- ا ف ب
صورة تعبيرية من مسرحية غنائية لبنانية عن ملكة تدمر، زنوبيا- ا ف ب

لعب العنصر الأنثوي دوراً مهماً في تشكيل الوجدان الجمعي في الحضارات القديمة، فكانت المرأة بين الحقائق والأساطير، آلهة ومعبودة، وأيضاً كاهنة وحاكمة وقائدة لبعض الجيوش. 

يسلط المقال الضوء على قصص تناقلتها المراجع التاريخية واكتشفتها بعثات التنقيب الأثري، لنماذج أنثوية من حضارات الشرق الأدنى، وبعض هذه الأسماء ما يزال يُحتفى بها حتى الآن.

 

عشتار

يذكر الباحث السوري فراس السواح في كتابه "موسوعة تاريخ الأديان"، أن الإلهة عشتار كانت واحدة من أعظم الآلهة الذين عُبِدوا في العراق القديم. 

تُعد قصة عشتار وتموز، من أشهر القصص التي خُلِدت على مر القرون. وتذكر أن الراعي تموز عشق الإلهة عشتار وطلب الزواج بها، فوافقت، واختارته من بين الكثير من الذكور الذين تقدموا لخطبتها، وعاشا معاً في بيتهما الجميل المسمى "بيت الحياة".

في يوم ما أرادت عشتار أن تنزل تحت الأرض لتزور أختها أريشكيجال ملكة العالم السفلي، وربما رغبت أن تحكم هذا العالم أيضاً. بحسب الأسطورة تمكنت أريشكيجال من القبض على عشتار وقتلتها.

تذكر النصوص القديمة المصاعب التي تعرض لها العالم حينها: "...لما نزلت السيدة عشتار إلى الأرض التي لا يعود منها من يدخلها، لم يعل الثور البقرة، ولم يقرب الحمار الأتان. والفتاة في الطريق لم يقترب منها رجل؛ ونام الرجل في حجرته، ونامت الفتاة وحدها. وأخذ السكان يتناقصون، وارتاعت الآلهة حين رأت نقص ما ترسله إليها الأرض من القرابين...". 

تدخلت الآلهة، كما تقول الأسطورة، لتحل ذلك الموقف الصعب، فأقنعت أريشكيجال بأن تترك أختها لتصعد إلى الأرض مقابل أن ترسل عشتار بديلاً لها، بالفعل صعدت عشتار وبحثت عن البديل، ولمّا وصلت لـ"بيت الحياة" وجدت زوجها تموز يعيش سعيداً ولا يبدو على ملامحه الحزن لفقدها.

قررت عشتار عندها أن يكون هو البديل، فاقتادته الشياطين لمملكة العالم السفلي. بعد فترة، ندمت عشتار على قرارها وبكت كثيراً حزناً على فراق حبيبها. وفي النهاية اجتمعت الآلهة وقررت أن يمكث تموز ستة أشهر في العالم السفلي، وأن يصعد بعدها إلى الدنيا لمدة ستة أشهر أخرى، لتحل محله أخته جشتي- نانا. 

تُعدّ هذه الحكاية من أعظم الأساطير التي خلدتها النصوص العراقية القديمة، ويصفها المؤرخ الأميركي ويل ديورانت، في كتابه "قصة الحضارة" بأنها "رائعة، ترمز في صورة جميلة ممتعة إلى موات التربة وعودتها إلى الحياة في كل عام، إلى ما للحب من قدرة دونها كل قدرة…".

Metal restoration specialist Gert Jendritzki walks through the Babylon's Ishtar Gate as he leaves the Museum of the Ancient…
رمز الأنوثة والحياة والحب: قصة الإلهة العراقية القديمة عشتار
في العصر الحديث، رمزت عشتار إلى عراقة بلاد الرافدين عندما اختيرت النجمة الثمانية -وهي الرمز القديم لعشتار- لتتوسط العلم العراقي في حقبة عبد الكريم قاسم 1959- 1963م. كذلك تُعدّ بوابة عشتار -المحفوظة في متحف "بيرغامون" في العاصمة الألمانية برلين- أحد أعظم الآثار التي تشهد على عظمة البنّائين العراقيين القدماء.

 

سميراميس

كان المؤرخ اليوناني ديودور الصقلي، أول من تحدث عن أسطورة الملكة سميراميس. وذكر أن إلهة الحب أفروديت غضبت ذات مرة من إلهة السمك، فسحرتها لتقع في إغواء واحد من الشباب.

ولدت إلهة السمك من هذا الشاب بنتاً، لكنها سرعان ما ندمت على ما اقترفته، فتركت الطفلة في الصحراء وعادت مرة أخرى إلى البحر. 

بحسب الأسطورة، فإن سرباً من أسراب الحمام الأبيض وجد الطفلة الوحيدة في العراء، فدلّ المزارعين على مكانها، ثم أخذوها وربوها في مساكنهم، وأطلقوا عليها اسم "سميراميس"، الذي يعني الحمام في اللغة الآشورية.

كبرت الطفلة وصارت امرأة جميلة. في إحدى المرات شاهدها الوزير فأُغرم بها، ثم تزوجها وصارت تشاركه في سلطته. وحين شاهدها الملك نينوس، طلب من وزيره أن يفارقها حتى يتمكن من الزواج بها، فوافق الوزير مجبراً بعد أن هدده الملك بسمل عينيه.

صارت سميراميس ملكة آشورية تحكم مساحات واسعة من العالم القديم. وتحكي بعض القصص أنها دبرت مؤامرة لاغتيال زوجها، لتنفرد بعدها بحكم المملكة.

لا نعرف الأصل التاريخي الذي بُنيت عليه تلك الأسطورة، لكن يرى بعض المؤرخين أن سميراميس شخصية حقيقية، وأنها هي نفسها الملكة الآشورية "سمورامات" التي تولت الوصاية على ابنها الصغير في بدايات القرن التاسع قبل الميلاد. 

بغض النظر عن وجودها التاريخي من عدمه، اشتهر اسم سميراميس في بلدان العالم القديم، ونُظر إليها باعتبارها واحدة من أقوى النساء اللائي جمعن الجمال والسلطة في وقت واحد.

 

إيزيس

تُعدّ الإلهة المصرية إيزيس واحدة من أشهر الرموز الأنثوية على مر التاريخ. تحكي الأسطورة، أن حاكم مصر، الإله أوزير -زوج إيزيس- قُتل على يد أخيه الإله ست، وأن جثمان أوزير قُطع للكثير من القطع، ودفن كل قطعة في إقليم من أقاليم مصر.

 بحسب ما نقله المؤرخ اليوناني بلوتارك، في كتبه، فإن إيزيس بحثت عن قطع جثمان زوجها، فجمعتها جميعاً ما عدا العضو الذكري، الذي أكلته بعض الأسماك في نهر النيل.

 بعدها، مارست إيزيس بعض الأعمال السحرية وحملت من زوجها المتوفى بطريقة سرية، ثم انتقلت بطفلها حورس إلى أحراش الدلتا النائية في شمالي مصر، وهناك، قدمت الرعاية والحنان لطفلها الصغير حتى شبّ قوياً شجاعاً. 

بعد سنين، تقول الأسطورة، طالب حورس بحقه في حكم مصر ودخل في صراع طويل مع ست، وانتهى الأمر بتنصيب الآلهة حورس حاكماً للمملكة. جاء في "موسوعة الأساطير والرموز الفرعونية"، أن الإلهة إيزيس رمزت لأرض مصر الخصبة، التي اعتادت على تلقي فيضان النيل الذي يمثله أوزيريس.

 ظلت أسطورة إيزيس حاضرة في الوجدان الجمعي المصري على مر الأجيال، ودخلت في صياغة حكايات الفلكلور الشعبي المعروفة التي يختلط فيها الواقع بالخيال.

 

بلقيس

عُرفت سبأ في الثقافة العربية القديمة باعتبارها إحدى الممالك العظيمة التي ظهرت في اليمن في جنوب شبه الجزيرة العربية. ويعتقد الكثير من الباحثين أن تلك المملكة قامت في القرن العاشر قبل الميلاد، وهو التوقيت ذاته الذي يحدده باحثون لقيام دولة الملك سليمان في فلسطين.

ورد ذكر ملكة سبأ في سورة النمل في القرآن، حيث أخبر الهدهد النبي سليمان عن حال أهل تلك المملكة العظيمة، فطلب سليمان منه أن يرمي برسالة إلى الملكة، ولمّا قرأت الملكة الرسالة استدعت المستشارين وكبار القادة لاستشارتهم في الأمر.

تحدثت القصة بعدها عن سفر الملكة بلقيس للقاء سليمان، وكيف أن الملك العبراني أتى بعرشها بطريقة خارقة.

أهتم المؤرخون المسلمون بالحديث عن قصة ملكة سبأ في كتبهم وفي تفاسيرهم للقرآن، لتتحول قصة بلقيس من خبر قرآني إلى قصة أسطورية تظهر فيها العديد من العجائب.

ذكر الكثير من المؤرخين، أن أسم ملكة سبأ هو بلقيس بنت شراحيل الهدهاد بن شرحبيل. وتحدث ابن كثير في كتابه "البداية والنهاية" عن أصلها وأسرتها فقال "كان أبوها من أكابر الملوك، وكان يأبى أن يتزوج من أهل اليمن، فيقال إنه تزوج بامرأة من الجن اسمها ريحانة بنت السكن، فولدت له هذه المرأة، واسمها تلقمة، ويُقال لها بلقيس".

فيما ينقل ابن منظور في كتابه "مختصر تاريخ دمشق" بعض أخبار الخوارق التي اتفق وقوعها عند لقاء بلقيس بالنبي سليمان، منها كيفية وصول العرش من اليمن لفلسطين، وورد على لسان الصحابي عبد الله بن العباس "لم يجر عرش صاحبة سبأ بين السماء والأرض ولكن انشقت له الأرض، فجرى تحت الأرض حتى ظهر بين يدي سليمان".

عمل شمس الدين القرطبي على تلخيص قصة حياة بلقيس بعد لقائها بالنبي سليمان، فقال "تزوجها وردّها إلى ملكها باليمن، وكان يأتيها على الريح كل شهر مرة، فولدت له غلاما سماه داود مات في زمانه... أحبها حباً شديداً وأقرها على ملكها باليمن، وأمر الجن فبنوا لها ثلاثة حصون لم ير الناس مثلها ارتفاعاً... ثم كان سليمان يزورها في كل شهر مرة، ويقيم عندها ثلاثة أيام".

 على الرغم من كل تلك الغرائب التي دخلت في تشكيل القصة، فإن ذكرى بلقيس ظلت حاضرة في الوجدان اليمني على وجه الخصوص، يدل على ذلك كثرة عدد النساء اليمنيات اللاتي يحملن اسم بلقيس.

 

زنوبيا

تُعدّ شخصية زنوبيا (الزبّاء)، واحدة من أهم الشخصيات النسائية اللاتي أثرن بشكل كبير في ثقافة منطقة الشرق الأوسط. وردت قصة تلك الشخصية بصيغتين مختلفتين. أولهما عربية إسلامية، وثانيهما رومانية بيزنطية.

تحدث الطبري عن زنوبيا في كتابه "تاريخ الرسل والملوك"، فبدأ سرده للقصة بذكر خبر جذيمة الأبرش الذي كان "من أفضل ملوك العرب رأياً وأبعدهم مغاراً وأشدهم نكاية وأطهرهم حزماً...".

انتصر جذيمة في إحدى المعارك على ملك عظيم من نسل العماليق، وهو عمرو بن ظرب. ابنة عمرو، التي تُعرف بالزبّاء –وهي نفسها زنوبيا في السردية الرومانية- عملت على الانتقام من جذيمة، من خلال الخديعة والمكر "فكتبت إلى جذيمة تدعوه إلى نفسها وملكها، وأن يصل بلاده ببلادها، وكان فيما كتبت أنها لم تجد مُلك النساء إلا إلى قبيح في السماع وضعف في السلطان وقلة ضبط المملكة، ولم تجد لملكها موضعاً ولا لنفسها كفؤاً غيرك فاقبل إلي فاجمع ملكي إلى ملكك وصل بلادي ببلادك وتقلد أمري مع أمرك".

 بحسب الطبري، فإن جذيمة صدق كلام الزبّاء ورحل إليها، فغدرت به وقتلته. وتُستكمل القصة بعد ذلك بانتقام عمرو بن عدي -ابن أخت جذيمة- من الزباء، وكيف أنه خدعها وأدخل رجاله إلى قصرها فقتلها ثم رجع إلى العراق.

 رغم الطابع الأسطوري الذي غلف تلك القصة، إلا أنها تتفق مع الكثير من الأخبار التاريخية التي وردت في سياق الحديث عن الحرب التي دارت بين الفرس والبيزنطيين في القرن السادس الميلادي.

 في تلك الحرب، ظهرت زنوبيا، ملكة تدمر، التي امتدحها المؤرخ الإنجليزي إدوارد جيبون في كتابه "اضمحلال الإمبراطورية الرومانية وسقوطها" فقال: "...إذا استثنينا منجزات سميراميس المشكوك فيها، فربما كانت زنوبيا هي السيدة الوحيدة التي شقت عبقريتها الفذة أستار الخمول الذليل الذي فرضه على جنسها مناخ آسيا وقواعد السلوك فيها...".

وبحسب السردية الرومانية، بدأت زنوبيا حكمها بقتال جيوش البيزنطيين في العديد من المعارك وانتصرت عليهم. حتى لُقبت بلقب ملكة الشرق، ولكن بعد سنوات، انقلب الوضع وهُزمت ملكة تدمر أمام الإمبراطور أورليان، واقتيدت إلى روما لتموت في الأسر.

قادت الملكة ماوية حربا شرسة ضد الرومان انتهت بتوقيع اتفاقية سلام مع الإمبراطور الروماني فالانس.
ماوية ملكة العرب "السراسين".. من تهديد بيزنطة إلى إنقاذها
لم يكم أمام الإمبراطور الروماني فالانس سوى طلب السلام. وهكذا، بعد أن فرضت ماوية شروط الحرب، فرضت أيضًا شروط السلام، ونجحت في فرض أسقف من أبناء شعبها، ومن مذهبها، ولم يكن أمام الأريوسيين سوى القبول، فعُيِّن موسى حسب الأصول كأول أسقف من العرب وللعرب.

 

ديدو

ورد ذكر ديدو في الأساطير الرومانية والقرطاجنية القديمة. يذكر أمين سلامة في كتابه "مُعجم الأعلام في الأساطير اليونانية والرومانية"، أن ديدو كانت ابنة للملك بيلوس ملك توري، وفي شبابها تزوجت من رجل غني فاحش الثراء، ولمّا مات أبوها، اعتلى أخوها بجماليون العرش، وطمع في الاستيلاء على الكنوز التي يمتلكها زوجها، فقتله. 

حاول الأخ العثور على الكنز، لكن ديدو أنقذت الثروة وهربت بها جنوباً باتجاه الساحل الجنوبي للبحر المتوسط.

بحسب الأسطورة، وصلت ديدو إلى موضع قرطاج القديمة (تونس حالياً)، واشترت مساحات واسعة من الأراضي بقدر ما يمكن إحاطته بجلد ثور لو قُطع خيوطاً صغيرة، وعلى تلك الأراضي شيدت مملكة قرطاجنة العظيمة، وصارت أول ملوكها.

على الرغم من تعارض تلك الأسطورة مع التاريخ المعروف الذي يذكر أن قرطاجنة كانت مستعمرة فينيقية بناها المؤسسون القادمون من أراضي سوريا ولبنان، فإن قصة ديدو انتشرت بشكل كبير في تونس والكثير من دول الشرق الأوسط.

بحسب ما يذكر ديفيد أنان في كتابه "الجمعيات السرية"، فإن الداعية الإسماعيلي الحسن بن الصباح، استخدم خدعة ديدو للاستيلاء على القلعة الحصينة في نهايات القرن الثاني عشر الميلادي.

 يقول أنان إن الحسن طلب من حاكم القلعة أن يبيعه مكاناً أو قطعة أرض في القلعة بمقدار سلخ بقرة حتى يتفرغ للعبادة فيها، وبعد موافقة الحاكم قطع الحسن جلد البقرة إلى حبال رفيعة جداً، وربطها ببعضها البعض حتى أصبح الحبل طويلاً جداً، ثم قام ابن الصباح بإحاطة القلعة بهذا الحبل، وطلب من حاكم القلعة أن يفي بوعده ويترك القلعة! 

الكاهنة ديهيا

 في القرن السابع الميلادي، حكمت الكاهنة ديهيا مساحات واسعة من المغرب الكبير لمدة طويلة تزيد عن الثلاثة عقود، ومن معقلها الحصين في جبال الأوراس، تمكنت ديهيا من توحيد العديد من القبائل الأمازيغية تحت قيادتها، وحركت جيوشها لقتال البيزنطيين والعرب.

استطاعت الكاهنة أن تهزم قوات القائد العربي حسان بن النعمان، كما حررت تونس وطرابلس من الحكم العربي، وظلت صامدة في ميادين القتال حتى نسج المِخيال العربي العديد من القصص الأسطورية حول ديهيا.

 أكد المؤرخون المسلمون على شجاعة ديهيا وقوتها، وفسروا هزيمتها بالخيانة والغدر، وأنها أسرت 80 رجلاً مسلماً في أحد المعارك، فعاملتهم بشكل جيد وأحسنت إليهم، ثم اختارت واحداً منهم لتتخذه ولداً، لكنه غدر بها وأرسل إلى المسلمين ليخبرهم عن مواطن الضعف في دفاعاتها، فتمكن العرب أخيراً من هزيمتها وقتلها عام 701 ميلادي.

حظيت ديهيا بمكانة مبجلة في الوجدان الجمعي للأمازيغ في المغرب الكبير على مر القرون. على سبيل المثال، يقول عبد العزيز الثعالبي في كتابه "تاريخ شمال أفريقيا" واصفاً شجاعتها وتضحياتها: "...ذهبت هذه المرأة النادرة ضحية الدفاع عن حمى البلاد. وفي الوقت نفسه استراحت أفريقيا من عسفها وجورها بعد أن رفعتها إلى منازل الآلهة البشريين الذين عبدهم الناس".

ظهر تمجيد الأمازيغ لأسطورة الكاهنة ديهيا في العديد من المواقف. ففي عام ٢٠٠١ نصب لها تمثال في متنزه بِرسِي في باريس بصفته يمثل الجزائرَ والعنصر الأمازيغي، وتكرر الأمر في تمثال مشابه وسط بلدية بغاي بالجزائر عام 2003، كما نُصبت عام ٢٠١١ جدارية ضخمة في أحد الشوارع بمدينة آيت ورير المغربية.

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

في عام 2020، أعربت وكالات الأمم المتحدة في العراق عن قلقها إزاء العدد المتزايد لحالات العنف الأسري
لافتة بالانجليزية تحملها ناشطة عراقية تدعو إلى وقف قتل النساء- تعبيرية

تحولت قضية وفاة الطفلة سمر الفراجي ذات الستة عشر ربيعاً إلى قضية تشغل الرأي العام العراقي بعد اتهامات وجهت إلى والدها بتعنيفها جسدياً ما تسبب بوفاتها، ثم تزييف العملية على أنها انتحار شنقاً للتغطية على الجريمة المفترضة. 

لم يتم التأكد من صحة أي من هذه الاتهامات، التي ينفيها أقارب الأب، ولا تزال القضية في عهدة الأجهزة الأمنية والقضاء العراقي. لكن قضية سمر الفراجي فتحت الباب مجدداً أمام مطالبات من ناشطين وناشطات في حقوق الإنسان بإقرار قوانين وتعديل أخرى طال انتظارها، رغم مرور سنوات على تعطيلها داخل أروقة السلطة التشريعية العراقية. أهم تلك القوانين، قانون العنف الأسري وفقرات في قانون العقوبات تتيح تخفيف العقوبات في حال كان القتل غسلاً للعار، أو تسمح بتزويج الضحية من مغتصبها.

 

عنف أسري؟

خالة الضحية، وتدعى "أم أديان"، هي التي فجرت القضية بعد ظهورها عبر قناة الاعلامي خطاب الهيتي على موقع يوتيوب، وكشفت أن شقيقتها كانت تتعرض للضرب المبرح من قبل طليقها، ووصل العنف معه إلى ضرب رأس شقيقتها بالجدار بقسوة، واضطرت لخلعه بقرار قضائي والانفصال عنه، ثم توفيت بعد فترة نتيجة مرض عضال.

بعد وفاة والدة سمر المبكرة، طالبت أختها أم أديان بحضانة الطفلة خوفاً من التعرض للعنف، إلا أن "الأعراف والتقاليد وتدخل العشيرة" حالت دون ذلك.

فريق "ارفع صوتك" حاول التواصل مع خالة الضحية التي فضلت عدم الإدلاء بتصريحات أخرى. وقالت إنها "تمكنت من إيصال صوتها للجهات المعنية لفتح تحقيق في القضية، حرصاً منها على عدم ضياع صوت سمر".

بدورها، نشرت منظمة حقوق المرأة على موقع التواصل الاجتماعي "أكس" تغريدة نقلت فيها عن أخوال الضحية طلبهم "تحقيق العدالة، وإعادة كشف ملابسات الجريمة".

وبحسب المنشور، فإن الضحية "عانت لسنوات من مختلف أنواع التعذيب على يد الأب وزوجته رغم المحاولات المتكررة لإحدى خالاتها للحصول على حضانة سمر، إلا أن الحضانة بقيت للأب، حتى مع وجود آثار الكدمات على جسد الطفلة".

وبحسب المنشور، فإن "المعطيات تشير، بما في ذلك الحبل الذي عُثر عليه معلقًا في سقف الغرفة بطول يتجاوز مترين ونصف، إلى أن سمر لم تكن قادرة جسدياً على تنفيذ الانتحار بنفسها".

الكلام ذاته كررته الإعلامية والناشطة آية منصور التي قالت إن خالة الطفلة "حاولت نيل حضانتها واشتكت كثيراً خاصة وأنها تُعنف على مدار سنين لكن دون نتيجة". وتساءلت منصور: "متى سيُشرع قانون العنف الأسري؟".

قانون العنف الأسري الذي تطالب به منصور والمنظمات المعنية بحقوق الإنسان ما يزال، منذ ثلاث دورات انتخابية، عالقاً في أروقة السلطة التشريعية من دون إقراره، بعد مناهضته من قبل الأحزاب الإسلامية النافذة في البرلمان العراقي، تحت مزاعم أنه يحرض الأبناء والزوجات ضد عوائلهم.

حياة عواطف في خطر.. الانتحار كـ"غطاء" لجرائم قتل النساء في العراق
"على سبيل المثال كأن تحترق الفتاة أو الشاب في الحمام أو بالمدفأة أو يلقى حتفه بعد السقوط عند نشر الغسيل، إلا أن التحقيقات لاحقاً تظهر أو من خلال تقرير الطب العدلي بأن سبب الوفاة هو القتل خنقاً أو ضرباً وغيره" يتابع البيراوي.

 

الرواية المضادة

حاول فريق "ارفع صوتك" التواصل مع والد الضحية، وتمكن من إجراء مقابلة مع أحد أقارب الأب شرط عدم الكشف عن هويته.

وبحسب رواية أقارب الأب، فإن والد سمر الملقب بأبو محمود، "حين تزوج (أم سمر) كانت قد تخرجت من كلية القانون، ولم تعمل كمحامية إلا بعد حصولها على وظيفة في المحكمة. ومنذ ذلك الوقت وهما في حالة خلاف حاد استمر لخمس سنوات انتهى بطلبها الطلاق وحصولها على حضانة الفتاة، وهو ما كان الأب يرفضه لتعلقه الشديد بالطفلة".

وبعد فترة قصيرة من الانفصال، "توفيت والدة سمر بعد بتر ساقها بعملية جراحية إثر اصابتها بمرض عضال، ليستعيد الأب الحضانة، ثم تزوج واستمرت الطفلة بالعيش مع والدها وزوجته وإخوتها الصغار لعشرة أعوام حتى يوم وفاتها".

ينفي أقارب والد الضحية وجود أي حالة إساءة للطفلة فـ"الأب يعمل كمعلم في المدرسة، بالإضافة إلى عمله في مجال البناء، وهو ما سمح له بشراء قطعة أرض وبنائها والاستقلال في منزل قريب من سكن عائلته".

وكما يقول قريب الأب، فإن "الأدلة الجنائية وصلت إلى بيت الضحية، وقامت ضمن عملها بفحص كاميرات المراقبة، والتأكد من أن الأب كان خارج المنزل عند وقوع الحادث".

 

ليست استثناءً!

بغض النظر عن تفاصيل قضية سمر الفراجي، فإن وفاتها أعادت النقاش مجددا حول قوانين العنف الأسري، خاصة مع تكرار حالات القتل خلال السنوات الماضية. "حالة سمر ليست استثناء في العراق، فقد شهد البلد حالات عديدة لقتل الفتيات ثم تغيير طبيعة الحادث الى انتحار لأسباب عديدة، منها ما يتعلق بالإرث أو الضرب المفضي للقتل، أو القتل بدواعي غسل العار والذي يحصل بموجبه الجاني على حكم مخفف جداً بموجب القانون"، بحسب الناشطة في حقوق الإنسان وعضو منظمة النجدة الشعبية هناء حمود.

تكشف حمود في حديثها لـ"ارفع صوتك" عن وجود تلال في مناطق نائية في العراق يتم فيها دفن الفتيات بعد قتلهن عندما يتم اتهامهن أو الشك بسلوكهن". والمشكلة الحقيقة، بحسب حمود، أن المجتمع "أصبح فيه القتل سهلاً بفضل السلاح المنفلت، والقدرة على الإفلات من العقاب، مقابل عدم وجود أدوات للحد من هذه الظواهر".

بدورها تشير الناشطة في مجال حقوق الإنسان سارة جاسم إلى أن "الإفلات من العقاب في حالات القتل الذي يتم تغطيتها على أنها انتحار يأتي من أن عائلة الضحية نفسها تتستر على الجريمة لأسباب خاصة".

تضرب جاسم المثل بحالة قتل زوجة من قبل زوجها حصلت في إحدى محافظات العراق، لم يتم فك طلاسمها إلا بعد حملة من منظمات المجتمع المدني وعائلة الضحية.

حينها، "تم استخراج الجثة بعد الدفن وإجراء الفحص الجنائي، ليتبين أنه تم خنقها أولاً، ثم جرت عملية تمويه للإيحاء بوجود حالة انتحار".

بالنسبة إلى جاسم، فإن "أي قضية لا يتم فيها المطالبة من أقارب المجني عليهم، فإن هذا يعني عدم القدرة على المضي قدماً بإجراءات التحقيق". وهو ما يتطلب "تعديلاً للقانون بما يسمح لأشخاص من غير الأقارب بالمطالبة بفتح التحقيق في مثل هذه القضايا". وتستدرك: "أحياناً يتدخل الفساد الإداري والمالي أو الوصاية العشائرية في تغطية آثار القتل وتجييره على أنه حادث عرضي أو انتحار، خصوصاً إذا كانت الضحية امرأة".

 

وفي معرض رده عن سؤال يتعلق بإمكانية تعرض الضحية لعنف أفضى إلى الموت أو القتل من قبل أحد أفراد العائلة، ينفي المقرّب من الأب هذه الفرضيات، كما ينكر معرفته بأي أسباب تدفع الضحية إلى الانتحار، ويرى أن هذه القضية الآن في عهدة القضاء، و"هو الذي يعطي كل ذي حق حقه".