صورة أرشيفية لأحد شوارع العاصمة اللبنانية بيروت
صورة أرشيفية لأحد شوارع العاصمة اللبنانية بيروت

في 15 مايو 2020، أثارت دعوة زوجة رئيس الحكومة اللبناني آنذاك، حسان دياب، النساء اللبنانيات للعمل في مجال خدمة المنازل بدلاً من الأجنبيات، جدلاً كبيرا على مواقع التواصل الاجتماعي.

وجاء تصريح نوار مولوي الإذاعي بعد شهور على بدء الأزمة الاقتصادية غير المسبوقة التي عصفت بلبنان وصُنفت ضمن أسوأ الأزمات التي شهدها العالم، حيث قالت: "لنستغنِ عن العاملات المنزليات ولتعمل الفتيات في المنازل".

وبغض النظر عن ردود الفعل على تلك الدعوة أو حتى تفسيراتها، تثبت إحصائيات لمركز "الدولية للمعلومات" كيف تغيرت حياة العاملات المنزليات بعد مرور أربع سنوات على بدء الأزمة الاقتصادية.

وتشير الأرقام إلى انخفاض بنسبة 69% في عقود العمل المنزلي لأول مرة للعاملات الأجنبيات، حيث انخفض عدد التراخيص من 86894 عام 2018 إلى 21757 في عام 2022.

هذا ما تؤكده على الأرض شهادات أصحاب ووكلاء مكاتب استقدام العاملات الأجنبيات إلى لبنان، ومن خلال بعض القصص التي تعكس واقعاً مريراً للغاية تعيشه هؤلاء النساء.

"لم نعد نثق بالسوق اللبنانية"، تأسف الوكيلة النيجيرية دوركاس إسماعيل التي تعمل من بلادها وسيطة لإرسال العاملات المنزليات من نيجيريا إلى لبنان.

وتشرح في حديث هاتفي مع "ارفع صوتك": "كان مكتبنا يشهد تعاونا نشطا مع لبنان قبل الأزمة ثم بدأت نسب العمل تتضاءل، فبعدما كنا نرسل عقودا لنحو 50 عاملة في الشهر، لم نعد نرسل أحدا على الإطلاق. حتى بعد أن بدأت الأوضاع تتحسن مع دولرة (أي زيادة التعامل بالدولار) السوق اللبنانية، فقدنا الثقة، لإدراكنا أن العائلات اللبنانية بأغلبها غير قادرة على استقبال العاملات والتكفل بالمنامة والأكل والشرب والطبابة ولوازم العناية الشخصية بالإضافة إلى المرتب الشهري بالدولار".

وتقول إسماعيل إن هذا الأمر لا يقتصر على مكتبها، "فعدد كبير من المكاتب نقلت عقودها إلى البلدان المجاورة كالأردن والعراق، حيث يمكن للناس دفع أجر العاملة المنزلية بسهولة".

من الجانب اللبناني، تقول سوزان غملوش، مسؤولة العلاقات العامة في أحد مكاتب استقدام العاملات المنزليات، إن "الأزمة غيرت في نمط حياة المرأة اللبنانية بشكل دراماتيكي حيث ما عاد بمقدور الجميع الحصول على المساعدة، الأمر الذي دفع بعضهن الاستغناء عن العاملة وتولي المهام المنزلية بأنفسهن، والبعض الآخر للعمل في هذا المجال لكسب قوتهن".

وتربط هذا التغيير بعاملين، أولهما جائحة فيروس كورونا والإغلاق الذي رافقه وقلّص عدد العاملات الأجنبيات فحلّت مكانهن اليد العاملة المحلية من لبنانيات وسوريات وفلسطينيات.

وثانيهما، تضيف غملوش لـ"ارفع صوتك"، يتعلق بالأزمة الاقتصادية التي "دفعت سيدات كنّ يعشن حالة من الرفاه للنزول إلى سوق العمل والخدمة في المنازل أو في المنشآت الخاصة والعامة في المطبخ أي تحضير وتقديم القهوة والشاي وما شابه".

واتخذت المرأة في لبنان، بحسب غملوش، "موقفا شجاعاً بتغيير نمط حياتها لأنها وضعت الرفاه جانبا لتؤمن حياة كريمة لأسرتها".

وتوضح سبب تزايد الطلب على العاملات المنزليات المحليات بكون تشغيلهن "أوفر بكثير" لأن التعامل يتم بالليرة اللبنانية وليس بالدولار، إضافة "لغياب عائق اللغة الأجنبية وعدم الحاجة لتكبّد مصاريف التأمين والطبابة والمنامة".

 

مساواة في الظلم؟

 

يبدو أن نمط الحياة هذا مرشح للاستمرار بعد في لبنان في ظل صعوبة تأمين عاملات أجنبيات دون المرور بشروط أشبه بالتعجيزية بالنسبة للسواد الأعظم من اللبنانيين، على الرغم من أن إحصائيات الدولية للمعلومات تشي بانتعاش بسيط بين 2022 و2023 حيث ارتفع عدد العاملات المستقدمات من 21757 إلى 27002.

ويعود ذلك جزئيا لتداول الدولار في السوق اللبنانية بشكل خاص للوظائف ذات المرتبات المدفوعة بالعملة الأجنبية والمساعدات التي يرسلها المغتربون.

في الوقت نفسه، تقول غملوش إن هذا "لا يعني العودة إلى ما قبل الأزمة، فأسعار الإقامة والتأمين سترتفع للغاية والأفراد في السلك الأمني مثلاً بحاجة لإثبات الحصول على راتب يعادل ألف دولار وعلى وثيقة من المصرف تؤكد امتلاك مبلغ 10 آلاف دولار".

"هذا عدا عن تكاليف الفحوصات والصور والطبابة وهي خارج نطاق قدرة أغلبية اللبنانيين، وبانتظار انتهاء الأزمة، تجد بعض النساء في لبنان أنفسهن مجبرات على ممارسة هذه المهنة ولو بأثمان باهظة أحيانا صحياً"، تتابع غملوش.

من بين اللبنانيات اللواتي دخلن سوق الخدمة المنزلية، ماجدة يوسف (72 عاما)، تقول "ربما لم أعد قادرة على القيام بكل أعمال التنظيف اليوم وحمل الأشياء الثقيلة، لكن بغياب الضمان والأموال التي ضاعت في المصارف، أنا مستعدة لممارسة أي مهنة تمنحني وعائلتي حياة كريمة. ولذلك أعمل الزبائن بشكل متحفظ في الطبخ لدى البعض".

شيرين محمود، لبنانية أخرى في هذا المجال، تبين لـ"ارفع صوتك" أنها تعمل قرابة 13 ساعة يومياً في الخدمة المنزلية لقاء أجر زهيد وأحياناً لقاء الطعام أو الأغراض (مثل الملابس أو أدوات النظافة الشخصية).

وتقول بحسرة "كنتُ أود لو توفر لي عمل أفضل لكنني لا أجد أي فرصة على الإطلاق، والمنافسة كبيرة جداً بين اللبنانية والسورية والعوام من الرحالة (الغجر) في هذا السوق، كما أن ظروف العمل ليست مشجعة، لكن لا بديل أحياناً".

"قد أتعرض لإصابة أو جرح خلال أداء عملي ولا يتكفل بي أحد كما أن الحياة باهظة التكاليف وعملي لا يغطي كل احتياجاتي"، تتابع شيرين.

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

نجلاء عماد، لاعبة كرة طاولة عراقية- فرانس برس
نجلاء عماد، لاعبة كرة طاولة عراقية- فرانس برس

في بداية مشوارها في رياضة كرة الطاولة، حذّر المقرّبون من نجلاء عماد أن الإعاقة سترهقها وتحبط آمالها، لكن الشابة العراقية الناجية من تفجير حرمها من ساقيها وذراعها أصرّت على ملاحقة طموحها وباتت تأمل بإحراز ميدالية ذهبية، بعد تأهلها إلى الألعاب البارالمبية في باريس.

"وقتي كلّه مكرّس لكرة الطاولة، لأن هذه الرياضة غيّرت حياتي"، تقول الشابة البالغة 19 عاماً، وهي جالسة في مركز رياضي متهالك في مدينة بعقوبة مركز محافظة ديالى، وسط العراق، لوكالة فرانس برس.

في الثالثة من عمرها، فقدت نجلاء ساقيها وذراعيها (19 أبريل 2008) إثر تفجير عبوة ناسفة كانت تستهدف سيارة والدها العسكري المتقاعد.

بدا صوتُها هادئاً وهي تستذكر حادثة اختبرها كثيرون من جيل نشأ في بلد مزّقته حروب وعنف طائفي على مدى عقود.

أضافت نجلاء، الشابة السمراء صاحبة الشعر الأسود والابتسامة التي لا تفارقها سوى عندما تحمل المضرب الصغير "كانت اللعبة نقطة تحوّل بحياتي، بعدما كان تركيزي على الدراسة فقط".

وتابعت "في بادئ الأمر رأيت لاعبين آخرين من ذوي الإعاقة يمارسون الرياضة رغم أنهم فقدوا أحد أطرافهم. كان لديهم الكثير من الطاقة الإيجابية، وقد شجّعني ذلك".

نجلاء عماد، لاعبة كرة طاولة عراقية- فرانس برس

 

"مفاجأة البطولة" 

في العاشرة من عمرها، زار بيت أهلها مدرّب كان يريد تشكيل فريق بارالمبي. بعد فترة تدريب استمرت ستة أشهر، حقّقت أول فوز في بطولة محلية لمحافظات العراق في بغداد.

تستذكر نجلاء ذلك الفوز وتقول بفخر "كنت مفاجأة البطولة".

في منزل العائلة، كدّست جوائز متعدّدة حققتها في بطولات دولية ومحلية، بينها ذهبية دورة الألعاب الآسيوية التي أقيمت في الصين عام 2023. سبقها مشاركة في أولمبياد طوكيو صيف  2021.

تواصل نجلاء تمارينها أربعة أيام في الأسبوع، بينها اثنان في العاصمة بغداد حيث تذهب رفقة والدها.

ومن أجل استعداد أفضل للبطولات الدولية، تسافر خارج البلاد لدول بينها قطر التي زارتها في مارس الماضي، بحثاً عن بنى تحتية رياضية أفضل ومعسكرات تدريب مفيدة، استعداداً للمشاركة في دورة الألعاب البارالمبية.

تحصل اللاعبة على دعم مالي محدود من خلال راتب شهري نحو 500 ألف دينار (أكثر من 300 دولار أميركي)، تصرفه اللجنة البارالمبية، بالإضافة لتغطية تكاليف بعض الرحلات.

ولا تزال حياة نجلاء مرتبطة بمدينة بعقوبة ومركزها الرياضي، حيث الغرف الخرسانية وأخرى من مقطورات تقف وسط ساحة ترابية.

إحدى تلك الغرف المخصّصة لفريق المحافظة، تراكم فيها غبار وبدا زجاج نوافذها محطّماً. تتّسع بالكاد لأربع طاولات مخصّصة لتدريبات يشارك فيها ثمانية، بينهم نساء ورجال من ضمنهم أحد المقعدين.

أكّد مدرّب الفريق حسام البياتي لفرانس برس أن "الطاولات التي نتمرّن عليها قديمة ومستعملة، قمنا بإصلاحها لنتدرّب عليها"، مضيفاً أن قاعة التدريب قد تُسحب منهم. 

يقول المدرّب الذي انضم عام 2016 إلى المنتخب الوطني البارالمبي "لدينا لاعبة ستمثل العراق بالأولمبياد وليس لدينا طاولة واحدة صالحة نلعب عليها. هذا خطأ".

أما نائب رئيس اللجنة البارالمبية العراقية ورئيس اتحاد كرة الطاولة لذوي الاحتياجات الخاصة سمير الكردي، فيضيف "نواجه الكثير من العقبات اثناء اعداد رياضيينا" كوننا "نفتقد لمراكز الإعداد المتخصّصة"، مؤكّداً في الوقت عينه بأن "هذا لا يمنع طموحنا بالحصول على ميداليات" في بعض الألعاب.

 

"تحدّت العالم"

يستنكر متخصّصون مراراً ضعف البنى التحتية وقلّة دعم الرياضة في العراق، البلد الغني بثروته النفطية لكنه يعاني من فساد مستشر.

ومع ذلك تعود أول مشاركة للجنة البارالمبية إلى عام 1992 في برشلونة. حقّق رياضيوها خصوصاً في رفع الأثقال وألعاب القوى 16 ميدالية ملوّنة بينها ثلاث ذهبيات.

تضع نجلاء قطعة قماش سوداء على ذراعها اليمنى قبل تثبيت طرف اصطناعي يساعدها للاستناد على عكازها. بيدها اليسرى، ترمي الكرة في الهواء لتضرب الإرسال.

تقول نجلاء إن عائلتها كانت معارضة في البداية "لأن هذه الرياضة تتطلّب حركة وأنا أفتقد ثلاثة أطراف وكنت صغيرة".

تضيف "أقاربي والمجتمع اعتبروا أن الأمر سيكون مرهقاً لي وأنني لن أحقق شيئا".

لكنها كانت تمتلك شغفاً لممارسة هذه اللعبة، حسبما ذكر والدها عماد لفتة، الذي شعر بعد أوّل فوز حققته ابنته بأنه لا بدّ من دعمها.

قال الأب لسبعة أولاد "نجلاء صمدت و تحدّت نفسها والعالم"، وتابع بسعادة "نفسيتها تحسّنت مع ممارستها الرياضة، وكذلك نظرة المجتمع لها قد تغيّرت، أصبحت معروفة والفتيات يرغبن بالتقاط صور تذكارية معها".

وتخطّط نجلاء لدراسة الإعلام مستقبلاً لتصبح مقدّمة برامج.

أشار والد اللاعبة إلى أنها "عندما تسافر للمشاركة في البطولات تحرص على اصطحاب كتبها الدراسية معها للدراسة أثناء الاستراحة، حتى عندما نذهب إلى بغداد هي تدرس خلال الطريق".

وأكّد هذا الأب الستيني بأن الهدف في باريس هو الذهب، قائلاً بثقة بأن نجلاء "عندما تعد تفي بوعدها".