حرك مسلسل "صلة رحم" النقاش في العالم العربي حول قضية تأجيل الأرحام.

حرك النجاح الكبير الذي حقّقه المسلسل المصري "صلة رحم" منذ بداية عرضه في رمضان الجاري نقاشاً واسعاً حول القضية التي عالجها، وهي تأجير الأرحام.

نجاح المسلسل استدعى تسليط الضوء على ممارسة "تأجير الأرحام" في الوطن العربي. هل يُمكن القيام بها بسهولة؟ أم يُعاقب القانون عليها؟

 

دعوة للتفكير والنقاش

يؤكد مؤلف العمل، هشام عبية، أن "صلة رحم" العمل الدرامي الأول من نوعة عربياً الذي يعالج قضية تأجبر الأرحام كحبكة رئيسية تناقش الموضوع بعُمق وقوة، مشيراً في حديثه لـ "ارفع صوتك" إلى أن التعرض للقضية في الأعمال السابقة كان يحدث بشكل فرعي.

وعن أسباب تقديم الفكرة درامياً، يقول إنها "جذابة درامياً بسبب تعقيد الصراع الدائر بين أم حقيقية للطفل وأم بديلة له وأب يتوق للإنجاب. والعمل فرصة لاستعراض أفكار أكثر عُمقاً كعلاقة الإنسان بقدره وإلى أي مدى يتحكم الضعف الإنساني في مسارات حياته".

ولا يسعى عبية من خلال المسلسل إلى تشريع يُجيز تأجير الأرحام في الدول العربية، مردفاً  أن"التقنين ليس هدفاً أساسياً لكتابة العمل إنما إثارة التفكير والنقاش" منحازاً إلى أن قُدرة الدراما على تغيير أفكار الناس تجاه القضية أقوى أثراً من مجرد تغيير القانون.

ويكشف المؤلف عن رسالة تلقاها من مواطن مصري يعيش في إحدى الدول العربية بعد عرض المسلسل، فحواها "لقد رأيت نفسي في المسلسل" نتيجة مرور مرسلها بتجربتين للإنجاب عن طريق استئجار الأرحام فشل في كليهما وفق عبية.

 

الموقف القانوني الغربي

تبين دراسة للنحوي سليمان بعنوان "التلقيح الصناعي في القانون الجزائري والشريعة الإسلامية"، أن تأجير الأرحام مسموح في دولٍ أوروبية عديدة.

ففي عام 1985، صدر في بريطانيا قانون سمح بإجراء هذه العملية لكنه جرّم أن تُقام لغرض تجاري، وهو ذات موقف القانون الألماني الصادر سنة 1990. بعدها بـ4 سنوات صدر قانون فرنسي متعلق باحترام الجسد البشري حرّمت المادة الرابعة منه تأجير الأرحام.

القوانين الأوروبية التي تعرضت لهذا الأمر نصّت على بُطلان أي تعاقد "تجاري أو ربحي" في هذا الصدد حتى لو تمّ برضا الطرفين.

كما نصَّ القانون الإيطالي والبلجيكي على "بطلان كل عقد يتعلق بالتصرف في جسم الإنسان بما يخالف النظام العام".

بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية، فقد جرّمته بعض الولايات مثل نيوجيرسي ولويزيانا وفلوريدا، بينما أباحته نيويورك. 

ورغم هذا التضارب في أميركا، إلا أن القضاء الأمريكي عادةً ما ينتصر لبطلان هذا الشكل من التعاقد حتى في الولايات التي لا تمنع تأجير الأرحام.

ومن الدول التي أباحته قانونياً، الهند، حيث سمحت بإنشاء عيادات للأمومة البديلة تمكّن المئات من النساء العاطلات كسب المال عبر استئجار أرحامهن للأزواج المحرومين من الإنجاب، أُطلق على هذه العيادات لقب "مصانع الأطفال".

ومنذ ثلاثة أعوام أصدرت الهند أول قانون لتنظيم عمليات الاتجار في الأرحام.

وقُدّرت عائدات "تجارة الأرحام" بـ2.5 مليار دولار سنوياً عام 2012، بعدما بلغت تكلفة هذه العملية قرابة 30 ألف دولار مقابل 100-150 ألف دولار لو أُجريت في الولايات المتحدة.

وبحسب تقديرات، بلغ إجمالي أرباح عمليات استئجار الأرحام حول العالم قرابة 14 مليار دولار وسط توقعات بأن تصل إلى 129 مليار دولار في عام 2032.

 

موقف الفقهاء المسلمين

اتخذ أغلب الفقهاء المسلمين موقفاً رافضاً لتأجير الأرحام وعبّروا عن ذلك في وسائل الإعلام، مثلما فعلت دكتورة سعاد صالح العميدة السابقة لكلية الدراسات الإسلامية بجامعة المنصورة، والدكتور حسان حتحوت طبيب الأجنّة وصاحب المؤلفات الموسوعية في الفقه الإسلامي، والدكتور علي جمعة مفتي مصر الأسبق، وغيرهم ممن عبّروا عن "حُرمة" استخدام هذا الأسلوب حتى أن البعض شبّهه بـ"الزنا".

على رأس هؤلاء أتى موقف دار الإفتاء المصرية التي حرّمت هذه الممارسة قائلة "يحرّم تلقيح الزوجة بمني رجل آخر غير زوجها بما يترتب عن ذلك من اختلاطٍ في الأنساب"، وهو ذات موقف مجمّع البحوث الإسلامية بمصر والمجمع الفقهي الإسلامي بمكة واللجنة الطبية الفقهية الدائمة في الأردن ومركز الإفتاء الإماراتي والمجمع الفقهي العراقي الذين حرّموا تماماً هذا الإجراء.

وبحسب ما ذكرته إيمان مختار في كتابها "الخلايا الجذعية وأثرها على الأعمال الطبية من منظور إسلامي"، ظهرت أصوات معارضة قليلا لهذا الرأي مثل دكتور عبد المعطي بيومي عميد كلية أصول الدين في جامعة الأزهر الذي أفتى بإباحة التأجير، موضحاً أنه "لا يجوز مقارنته بالزنا الذي لا يتحقق إلا بالوطء المحرّم".

وقال إن "الاستعانة بالأم البديلة أمر لا حرج فيه مثل مثله الاستعانة بالأم المرضعة، وإذا كان الشرع قد أباح استئجار الثدي فما يمنع استئجار الرحم أيضاً؟".

دعّم عبد المعطي تياراً من الفقهاء الذين استندوا إلى أن الرحم مجرد مخزن للبويضة التي تُستخرج من الأم الرئيسة وأن وضعها داخل رحم آخر لا يؤثر على الصفات الوراثية للجنين، وهو رأي أقرّ صحته عدد من علماء الأجنّة العرب مثل الدكتور أسامة عزمي أستاذ الصحة الإنجابية في القاهرة، والدكتور محمد عبدالهادي أستاذ الأنسجة والأجنة في جامعة بغداد، وفق ما أورد بحث بعنوان "تأجير الأرحام وأثره في نظر الشريعة والطب والقانون" لساجدة محمود.

وبين الفريقين دار جدلٌ كبير لم يُحسم حتى اليوم.

 

مواقف قوانين الدول العربية

لا تتبنّى أي دولة عربية قانوناً يسمح بتأجير الأرحام بشكلٍ رسمي، وحال وقوع مثل هذا التعاقد فإنه لا يكون مشروعاً حتى لو تمّت العملية بموافقة الطرفين.

يقول الدكتور حمدي عبدالرحمن أستاذ القانون بجامعة عين شمس إن "إبرام عقد مخالف للقانون أو للآداب يجعله باطلاً، بالتالي لا يُعطي الطرفين أي حقوق لو تنازعا بشأنه أمام المحكمة"، كما نقلت عنه محمود في بحثها.

بالعودة لمؤلف مسلسل "صلة رحم" هشام عبية، فإن تأجير الأرحام "غير مسموح به في جميع الدول العربية لكنه مُتاح بشكلٍ مقنن في إيران، لذا فإن بعض الأزواج العرب الراغبين في الإنجاب بهذه الطريقة يسافرون إلى إيران حيث تستقبلهم مؤسسات منظمة توفّر لهم الأم البديلة وفقاً لاختياراتهم والمكان الآمن الذي ستعيش فيه الأم البديلة على نفقة الزوجين الراغبين في الإنجاب".

ليبيا كانت من أسبق الدول التي منعت استئجار الأرحام بموقفها المتشدد من جميع عمليات التلقيح الصناعي التي جرّمتها وفقاً لقانون (175 الصادر 1972) بجميع أشكالها دون أي تمييز.

في مصر وسوريا ولبنان، لا تسمح القوانين أيضاً بهذا الإجراء لعدم النص عليه بشكلٍ صريح في أيٍّ من بنود قوانين العقوبات، لكنها في المجمل تتصدّى لهذه السلوكيات بدعوى أنها "تخالف النظام العام وأحكام الشريعة" حسبما أوضحت الدكتورة ناديا قزمار في بحثها "المنظور القانوني والشرعي لعقد إجارة الأرحام".

الولاية والتعدد واقتسام الممتلكات.. هذا ما غيرته المرأة في قوانين الأسرة
تتعلق هذه المكاسب أساسا بقضايا المساواة بين الزوج والزوجة كطرفين في الأسرة، والولاية، والحضانة، وسن الزواج، واقتسام ممتلكات الزوجية، وتقييد التعدد، ووضع الطلاق تحت رقابة القضاء، والجنسية،  وكذا ما يعرف في الإرث بالوصية الواجبة.

منذ عدة سنوات تصاعدت مطالبات بإعداد قانون خاص لتجريم استئجار الأرحام بمصر، لكن الوضع مختلف في المغرب الذي أصدر عام 2019 قانوناً ينظّم قواعد "المساعدة الطبية على الإنجاب"، الذي حرّم ما أسماه "الحمل من أجل الغير" وأقرّ عقوبة بحقِّ المتورطين في هذا الأمر بالسجن من 10 إلى 20 سنة.

أما الجزائر فقد أجرت تعديلات على قانون الأسرة عام 2005 تمسّكت برفض تأجير الأرحام تماماً بالقول "لا يجوز اللجوء إلى التلقيح الصناعي باستعمال الأم البديلة".

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

السورية نور نوريس خلال فترة الترويج لسن القانون من خلال الحملة الانتخابية لحزب العمال
السورية نور نوريس خلال فترة الترويج لسن القانون من خلال الحملة الانتخابية لحزب العمال

نجحت المهاجرة السورية نور نوريس المقيمة في بريطانيا من خلال متابعتها لقضية مقتل أختها وابنتها على يد زوج الأخيرة سنة 2018، في المساهمة بسن قانون "رنيم"، القاضي بمكافحة العنف الأسري وحماية النساء والرجال من العنف وتوفير الدعم للضحايا.

وتابعت نور القضية منذ مقتل أختها خولة سليم وابنتها رنيم، حتى نجحت هذا العام من الوصول للمحكمة البريطانية والحديث أمام مجلس النواب البريطاني، انتهاءً بسن القانون من خلال حزب العمال الذي فاز بالانتخابات مؤخراً.

 

من هي نور؟

نور نوريس مهاجرة سورية مدينة دمشق، استقرت في بريطانيا قبل 28 عاما، وهي أم لخمسة أطفال، كانت تعمل في تصميم الأزياء، وحالياً تقدم الاستشارات النفسية، عبر شركة استشارية وعيادة خاصة بها، وهذه العيادة متخصصة في مكافحة العنف المنزلي والأُسري للنساء والرجال.

وشركتها متخصصة في حملات المناصرة للتأثير على صناعة القرارات في بريطانيا، بالإضافة لتدريب الشرطة وبعض المؤسسات الكبرى عن العنف المنزلي، والتدريب على طرق الوقاية قبل الدخول بعلاقة تعنيف، وكيفية الخروج منها، ومساعدة الآخرين، مع طرق السلامة، والحالات التي تمر فيها الضحية.

تبين نوريس لـ"ارفع صوتك" أنها "قامت لوحدها بحملة لمكافحة العنف ضد المرأة، بداية من قصة أختها وابنتها، وطالبت من خلالها بتعديل القوانين الخاصة بالعنف الأُسري، ودعم الأشخاص المعنّفين".

قصة نور وعملها من أجل قانون "رنيم" ضمن كتيب الدعاية الانتخابية لحزب العمال البريطاني

تضمنت الحملة، بحسب نوريس، طاقماً من المحاميين الخبراء، وإجراء أبحاث وإعداد تقارير لعدة سنوات خاصة بالعنف الأُسري، حتى وصلت للمحكمة ومجلس النواب البريطاني ثم حزب العمال الذي دعمها بشكل كبير، وصولاً إلى تشريع قانون "رنيم".

تتابع: "استنفدت كل طاقتي ومجهودي حتى وصلت للمحكمة، وكنت أدعم نفسي حتى وصل صوتي للبرلمان".

وتروي نوريس "كان هناك خمس وعود لدى حزب العمال في الانتخابات، أحدها كان مكافحة العنف المنزلي، ووضعوا قصتي وقصة رنيم ضمن حملتهم الانتخابية، وحملتي كانت تجعلهم ينظرون إلى الشرطة ويعرفون ما سيقدمون لهم".

قصة رنيم

لجأت رنيم من سوريا عام 2014 إلى بريطانيا، وتزوجت لاجئاً أفغانيّ الجنسية. واجهت خلال فترة زواجها العنف المنزلي، انتهى بمقتلها على يده في أغسطس  2018، هي ووالدتها خولة سليم.

توضح نوريس "تواصلت ابنة أختي مع الشرطة خمس مرات، وشرحت لهم أن لديها إذناً من المحكمة ألا يتعرض لها زوجها، لكنّ عناصر الشرطة قالوا إن هذا الإذن غير موجود لدى الشرطة، لذلك لا يستطيعون فعل أي شيء".

"وشرحت لهم رنيم بالضبط ما سيحدث لها وأنه من الممكن أن يقتلها، لكنهم تجاهلوها تماما وفرضوا عليها العودة إلى المنزل، وهي عائدة إلى منزلها اتصلت بالشرطة للمرة الثالثة عشر، وهي تتحدث معهم كان زوجها قد طعنها أمام منزلها"، تضيف نوريس.

في حينه، تحول القضية إلى الرأي العام، وظلّ الجاني هارباً لمدة خمسة أيام قبل أن تعتقله الشرطة البريطانية، بينما كانت نوريس وبقية أفراد العائلة يعيشون حالة من الخوف والقلق.

وفق التحقيقات، اتصلت رنيم بالشرطة 13 مرة خلال أربعة أشهر سبقت مقتلها وأبلغتهم عن تعرضها للعنف المنزلي، إلا أن الشرطة لم تحمها، ما أدى لمقتلها هي ووالدتها.

تلفت نوريس "في الحقيقة هناك قوانين في بريطانيا تكافح العنف الأُسري، لكنها لا تطبق بشكل مناسب وليس عليها رقابة، كما لا يتم تدريب الشرطة عليها. وهنا تكمن المشكلة".

تؤكد "وخلال المحكمة اكتشفنا أن القانون البريطاني الحالي قديم في متابعة العنف المنزلي، ولا يكون هناك ربط للأحداث بين جميع الجهات لمتابعة القضايا".

العنف الأُسري في بريطانيا

عملت نوريس على عدد كبير من الأبحاث، ووجدت أن هناك امرأة تقتل كل ثلاثة أيام في بريطانيا، وكل يوم شخص "رجل أو امرأة" يقتل نفسه بسبب العنف المنزلي.

وتشرح "واحدة من كل أربع نساء يتم تعنيفهن، وواحد من كل ست إلى سبع رجال يتم تعنيفهم، و80% من حالات القتل هن من النساء، أما التعنيف فهو مشترك ويمارس على الرجال والنساء، ولكن الغالبية العظمى من النساء، لذلك نحن ندعم قضية المرأة بشكل أكبر".

تصف نوريس ردود الأفعال في محيطها بأنها "هائلة وإيجابية" مردفة "أنا ممتنة لكل من سمعني وساهم بدعم مبادرتي. الناس متشجعة، وتمت دعوتي لمنزل رئيس الوزراء لحضور إحدى الحفلات، وذهبنا للوزارة واجتمعنا بكل القائمين على العمل في منظمات المجتمع المدني. وأتت رئيسة وزراء الداخلية وتحدثوا عن القانون وأنه سيتم تطبيقه، وهذه كانت واحدة من الاجتماعات التي سنعمل عليها بشكل دائم".

وتشير إلى أن تطبيق القانون "سيبدأ قريباً" دون تحديد تاريخ زمني. 

"أهم شيء أن الشرطة أصبحت أقوى من ذي قبل وتشعر بمسؤولية أكبر، وهذا أدى لخوف المجرمين وحدوث ردع أكبر، والأهم أيضا أننا استطعنا إيصال صوتنا" تتابع نوريس.

وتبين: "هناك أشخاص كثر يعيشون هذه الحياة الصعبة، وهو عنف يطبق بشكل منتظم وبتسلسل، فالعنف ليس شخصين مختلفين فقط. فالمعنِّف هو إنسان مسيطر كليا على الضحية. هناك أشخاص يتعايشون معه، خاصة عندما تكون الضحية لا تستطيع فعل أي شيء مع المعنِّف، وأحيانا تصدّق الضحية أن المعنِّف على حق، فينتابه تأنيب وشعور بالذنب، كما أن بعض المعنِّفين يشعرون أن هذا حقهم الطبيعي، بحسب شخصيتهم والبيئة التي أتوا منها".

في ختام حديثها، تعرب نوريس عن أملها بأن "يصبح قانون رنيم خطوة مهمة نحو تسليط الضوء على هذه الظاهرة حول العالم، وليس في بريطانيا فقط".