مَلَك غنّام، أول فتاة تلتحق بكلية طب عراقية في تاريخ البلاد- أرشيفية
مَلَك غنّام، أول فتاة تلتحق بكلية طب عراقية في تاريخ العراق- أرشيفية

في عام 1927 فتحت كلية الطب في بغداد أبوابها للمرة الأولى. وفي دورتها الافتتاحية اختير 20 شاباً من بين 80 طالباً تقدموا للدراسة بالكلية، كانوا 7 من المسلمين و8 من اليهود و5 مسيحيين.

من هذه الدفعة لمعت عدة أسماء حفظها التاريخ العراقي حتى اليوم، مثل الطبيبين اليهوديين كرجي ربيع وجاك عبودي شابي اللذين حققا تفوقاً كبيراً دفع الحكومة لإرسالهما على نفقتها إلى إنجلترا لاستكمال دراستهما الطبية.

بعدها بسنوات قليلة، سيحفظ لنا التاريخ اسما آخر، هو اسم الطبيبة مَلَك غنّام، التي أصبحت أول فتاة تلتحق بكلية طب عراقية في تاريخ البلاد.

بحسب كتاب "تاريخ الطب في العراق" لهاشم الوتري، فإن عام 1933 شهد تقدم 150 طالباً اختير منهم 28 واحداً، كانت من بينهم فتاة لأول مرة في تاريخ الكلية.

شهد الدكتور كمال السامرائي على هذه الواقعة التاريخية ودوّنها في كتابه "حديث الثمانين"، قائلاً إنه في سنته الدراسية الثانية بكلية الطب فوجئ هو وزملاؤه بفتاة تلتحق بالصف الأول للكلية وتحضر معهم دروس التشريح، الأمر الذي أحدث "همساً وتساؤلات" عن هوية الفتاة التي اتضح لهم لاحقاً أنها مَلَك غنّام، زميلتهم الجديدة.

وصفها السامرائي في كتابه قائلاً: "كانت تتحرك باتزان وتبتسم باحتشام وتتكلم بجرس خفيض ففرضت علينا أن ننظر إليها بأدب ورزانة".

وفي موضعٍ آخر من مذكراته تعرّض لها قائلاً: "كانت أول فتاة عراقية تدخل كلية الطب، وكانت ملتزمة بدقة في دوامها وحريصة على ضبط محاضرات الأساتذة ولا تختلط بأترابها من الطلبة إلا بقدر ما تضطرها الحاجة العلمية".

رغم هذا الانضباط الذي أظهرته ملك وحرصها على التركيز فقط على دراسة الطب فإن المجتمع البغدادي لم يكن معتاداً على وجود فتاة وحيدة وسط مجموعة كاملة من الطلاب، فأثار وجودها نوعاً من الاضطراب بين صفوف الطلبة. يحكي السامرائي أنها "إذا ترجّلتْ من العربة التي تُقلها إلى باب الكلية وارتفع طرف فستانها بحُكم نزولها إلى قدرٍ من ساقيها فيكون ذلك مشهداً مثيراً تترقبه الأعين بفضول".

وقال إن أحد زملائهم "كان يتعمّد أن يؤدي حركات بهلوانية أمامها ليُثير إعجابها".

بحسب كتاب "تاريخ الخدمات الطبية والصحية في محافظة البصرة"، تخصصت ملك بعد تخرجها (عام 1939) في طب الأطفال وانتقلت إلى البصرة لتفتتح عيادتها هناك.

في 1946 قرّر الطبيب البريطاني هاري سندرسن مغادرة العراق بعد 27 عاماً قضاها طبيباً للعائلة المالكة وعميداً لكلية الطب الملكية العراقية فأقام له زملاؤه من أطباء العراق حفلَ تكريم حاشداً، وقدّمت له الدكتورة ملك هدية ثمينة مصنوعة من الفضة نيابة عن باقي رفاقها الأطباء، كما جاء في في كتاب "الكلية الطبية الملكية العراقية" لسالم لبدملوجي .

عن الحفل نفسه كتب السامرائي أن "بادرة ملك" أثارت الحنين في نفس سندرسن حتى إنه راح يبكي ثم صافحها بحرارة معتبراً أن احتفاءها به هو هدية وداعه الأخير لجميع زملائه وطلابه.

 

والدها "شيخ" الصحافة العراقية

بحسب كتاب "تاريخ الخدمات الطبية والصحية في محافظة البصرة" الذي أعدته نقابة أطباء العراق، ولدت ملك عام 1907 في محلة عقد النصارى ببغداد في بيت والدها الصحافي البارز رزوق غنام صاحب "جريدة العراق"، وهي واحدة من أقدم الجرائد التي عرفتها بلاد الرافدين منذ الاحتلال الإنجليزي.

خلال حديث حميد المطبعي عن رزوق غنام في كتابه "موسوعة أعلام العراق في القرن العشرين" وصفه بأنه "شيخ الصحافة العراقية.. نهم على اكتساب المعارف فلم يكتفِ بما تعلّمه في المدارس بل ثقّف نفسه ذاتياً حتى أجاد اللغات الفرنسية والإنجليزية والتركية، كما  اشتهر بآرائه التقدمية في العروبة وحرية المرأة".

ووصف علي الوردي في كتابه "لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث"، جريدة غنّام بأنها "اتخذت لنفسها خطاً تحريرياً مؤيداً للسياسة الإنجليزية في العراق".

وفي كتابه "الشعر العراقي الحديث" استعرض أستاذ الأدب يوسف عز الدين بعض آراء غنام المتحررة بحق النساء في عصره كدعوته للسفور وحرية المرأة في التعليم في الخارج أسوة بالذكور، لتهاجمه مجلة "الرشاد"، معتبرة أن إرسال البنات إلى أوروبا سيؤدي لتعليمهن "الخلاعة والفساد".

الأفكار التي دعا لها غنّام، طبقها في بيته، عبر تشجيع ابنته ملك على دراسة الطب، حتى إنه لجأ إلى الملك فيصل شخصياً في هذا الأمر إذ أخطره أن ابنته أنهت دراستها الثانوية في بيروت ويتمنّى إلحاقها بكلية الطب، فوافق الملك على طلبه الاستثنائي، حسب ما ذكرت الدكتورة سائحة زكي، وهي من أوائل طبيبات العراق أيضا.

من زينب فواز إلى منى الطحاوي.. أبرز الناشطات النسويات في العالم العربي
عرفت المنطقة العربية الحراك النسوي منذ فترة مبكرة. وظهرت العديد من الأفكار التقدمية الداعية لتحرير المرأة وإشراكها بشكل فعال في مختلف الأنشطة المجتمعية. نلقي الضوء في هذا المقال على مجموعة من أشهر الناشطات النسويات في العالم العربي المعاصر، لنرى كيف تمكن الحراك النسوي من التأثير على الأوضاع السياسية والاجتماعية.

 

المزيد من الطبيبات العراقيات

بعدما أخذت ملك غنام الخطوة الأولى تشجّعت عائلات عراقية أخرى وسمحت لبناتها بدراسة الطب.

ويتضح من خلال استعراض أسماء الطلاب المقبولين بالكلية في الدفعات اللاحقة أن الفتيات لم ينقطعن عن الانضمام للكلية من بعد ملك؛ إذ ضمت الدفعة التالية لها مباشرة الطالبة حبيبة بيثون، وفي الدفعة التي تلتها التحقت 3 فتيات هن روز جرجيس موشكة، وروز رؤوف اللوس، وسعاد أسعد نيازي.

تقول الدكتورة سائحة أمين زكي في كتابها "ذكريات طبيبة عراقية"، إن العدد ازداد في العام التالي إلى ستة، مردفةً: "بعد ملك غنام تخرجتُ من الثانوية وتم قبولي طالبة في كلية الطب عام 1936، دخلتُ مع ست طالبات، وكانت الكلية تضمُّ طالبات قبلنا في صفوف مختلفة".

ووفق ما أورده عبد الزراق الهلالي في كتابه "معجم العراق" فإن عدد طالبات الطب بلغ 55 فتاة في 1950.

ورغم أن سائحة التحقت بكلية الطب بعد ثلاث سنوات من التحاق مَلك بها إلا أنها واجهت رفضاً مجتمعياً صارماً حتى إن أحد أقاربها بعث إلى والدها إخطاراً بأنه لن يدخل بيته طالما أن ابنته تدرس الطب.

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

نجلاء عماد، لاعبة كرة طاولة عراقية- فرانس برس
نجلاء عماد، لاعبة كرة طاولة عراقية- فرانس برس

في بداية مشوارها في رياضة كرة الطاولة، حذّر المقرّبون من نجلاء عماد أن الإعاقة سترهقها وتحبط آمالها، لكن الشابة العراقية الناجية من تفجير حرمها من ساقيها وذراعها أصرّت على ملاحقة طموحها وباتت تأمل بإحراز ميدالية ذهبية، بعد تأهلها إلى الألعاب البارالمبية في باريس.

"وقتي كلّه مكرّس لكرة الطاولة، لأن هذه الرياضة غيّرت حياتي"، تقول الشابة البالغة 19 عاماً، وهي جالسة في مركز رياضي متهالك في مدينة بعقوبة مركز محافظة ديالى، وسط العراق، لوكالة فرانس برس.

في الثالثة من عمرها، فقدت نجلاء ساقيها وذراعيها (19 أبريل 2008) إثر تفجير عبوة ناسفة كانت تستهدف سيارة والدها العسكري المتقاعد.

بدا صوتُها هادئاً وهي تستذكر حادثة اختبرها كثيرون من جيل نشأ في بلد مزّقته حروب وعنف طائفي على مدى عقود.

أضافت نجلاء، الشابة السمراء صاحبة الشعر الأسود والابتسامة التي لا تفارقها سوى عندما تحمل المضرب الصغير "كانت اللعبة نقطة تحوّل بحياتي، بعدما كان تركيزي على الدراسة فقط".

وتابعت "في بادئ الأمر رأيت لاعبين آخرين من ذوي الإعاقة يمارسون الرياضة رغم أنهم فقدوا أحد أطرافهم. كان لديهم الكثير من الطاقة الإيجابية، وقد شجّعني ذلك".

نجلاء عماد، لاعبة كرة طاولة عراقية- فرانس برس

 

"مفاجأة البطولة" 

في العاشرة من عمرها، زار بيت أهلها مدرّب كان يريد تشكيل فريق بارالمبي. بعد فترة تدريب استمرت ستة أشهر، حقّقت أول فوز في بطولة محلية لمحافظات العراق في بغداد.

تستذكر نجلاء ذلك الفوز وتقول بفخر "كنت مفاجأة البطولة".

في منزل العائلة، كدّست جوائز متعدّدة حققتها في بطولات دولية ومحلية، بينها ذهبية دورة الألعاب الآسيوية التي أقيمت في الصين عام 2023. سبقها مشاركة في أولمبياد طوكيو صيف  2021.

تواصل نجلاء تمارينها أربعة أيام في الأسبوع، بينها اثنان في العاصمة بغداد حيث تذهب رفقة والدها.

ومن أجل استعداد أفضل للبطولات الدولية، تسافر خارج البلاد لدول بينها قطر التي زارتها في مارس الماضي، بحثاً عن بنى تحتية رياضية أفضل ومعسكرات تدريب مفيدة، استعداداً للمشاركة في دورة الألعاب البارالمبية.

تحصل اللاعبة على دعم مالي محدود من خلال راتب شهري نحو 500 ألف دينار (أكثر من 300 دولار أميركي)، تصرفه اللجنة البارالمبية، بالإضافة لتغطية تكاليف بعض الرحلات.

ولا تزال حياة نجلاء مرتبطة بمدينة بعقوبة ومركزها الرياضي، حيث الغرف الخرسانية وأخرى من مقطورات تقف وسط ساحة ترابية.

إحدى تلك الغرف المخصّصة لفريق المحافظة، تراكم فيها غبار وبدا زجاج نوافذها محطّماً. تتّسع بالكاد لأربع طاولات مخصّصة لتدريبات يشارك فيها ثمانية، بينهم نساء ورجال من ضمنهم أحد المقعدين.

أكّد مدرّب الفريق حسام البياتي لفرانس برس أن "الطاولات التي نتمرّن عليها قديمة ومستعملة، قمنا بإصلاحها لنتدرّب عليها"، مضيفاً أن قاعة التدريب قد تُسحب منهم. 

يقول المدرّب الذي انضم عام 2016 إلى المنتخب الوطني البارالمبي "لدينا لاعبة ستمثل العراق بالأولمبياد وليس لدينا طاولة واحدة صالحة نلعب عليها. هذا خطأ".

أما نائب رئيس اللجنة البارالمبية العراقية ورئيس اتحاد كرة الطاولة لذوي الاحتياجات الخاصة سمير الكردي، فيضيف "نواجه الكثير من العقبات اثناء اعداد رياضيينا" كوننا "نفتقد لمراكز الإعداد المتخصّصة"، مؤكّداً في الوقت عينه بأن "هذا لا يمنع طموحنا بالحصول على ميداليات" في بعض الألعاب.

 

"تحدّت العالم"

يستنكر متخصّصون مراراً ضعف البنى التحتية وقلّة دعم الرياضة في العراق، البلد الغني بثروته النفطية لكنه يعاني من فساد مستشر.

ومع ذلك تعود أول مشاركة للجنة البارالمبية إلى عام 1992 في برشلونة. حقّق رياضيوها خصوصاً في رفع الأثقال وألعاب القوى 16 ميدالية ملوّنة بينها ثلاث ذهبيات.

تضع نجلاء قطعة قماش سوداء على ذراعها اليمنى قبل تثبيت طرف اصطناعي يساعدها للاستناد على عكازها. بيدها اليسرى، ترمي الكرة في الهواء لتضرب الإرسال.

تقول نجلاء إن عائلتها كانت معارضة في البداية "لأن هذه الرياضة تتطلّب حركة وأنا أفتقد ثلاثة أطراف وكنت صغيرة".

تضيف "أقاربي والمجتمع اعتبروا أن الأمر سيكون مرهقاً لي وأنني لن أحقق شيئا".

لكنها كانت تمتلك شغفاً لممارسة هذه اللعبة، حسبما ذكر والدها عماد لفتة، الذي شعر بعد أوّل فوز حققته ابنته بأنه لا بدّ من دعمها.

قال الأب لسبعة أولاد "نجلاء صمدت و تحدّت نفسها والعالم"، وتابع بسعادة "نفسيتها تحسّنت مع ممارستها الرياضة، وكذلك نظرة المجتمع لها قد تغيّرت، أصبحت معروفة والفتيات يرغبن بالتقاط صور تذكارية معها".

وتخطّط نجلاء لدراسة الإعلام مستقبلاً لتصبح مقدّمة برامج.

أشار والد اللاعبة إلى أنها "عندما تسافر للمشاركة في البطولات تحرص على اصطحاب كتبها الدراسية معها للدراسة أثناء الاستراحة، حتى عندما نذهب إلى بغداد هي تدرس خلال الطريق".

وأكّد هذا الأب الستيني بأن الهدف في باريس هو الذهب، قائلاً بثقة بأن نجلاء "عندما تعد تفي بوعدها".