من أرشيف 1982 لمظاهرة نسويّة تقودها حركة تحرير النساء في فرنسا خلال يوم المرأة العالمي- تعبيرية
من أرشيف 1982 لمظاهرة نسويّة تقودها حركة تحرير النساء في فرنسا خلال يوم المرأة العالمي- تعبيرية

ضجة كبيرة أثارها على مواقع التواصل في العالم العربي، مقال لكاتبة بريطانية اتهمت "النسوية بتدمير حياتها".

المقال الذي نشرته الكاتبة بيترونيلا وايت في صحيفة "ديلي ميل"، يختزل النسوية "بحرمان المرأة من الزواج والإنجاب" ويعبر عن "إخفاقها وتسببها بعزلة جيل كامل من النساء". أما اللافت، فهو التصفيق الذي لاقاه من قبل المتفاعلين العرب الذي تساءلوا عن أهمية "أن تكوني قوية ومستقلة حين ينتهي بك الأمر وحيدة"، لدرجة حولته إلى مادة دسمة علق عليها مئات الآلاف في الإعلام كما على مواقع التواصل.

فما الذي حرك كل هذا الجدل، خصوصاً أنه لا يصبّ فعليا في خانة مناصرة النساء، بل على العكس تماما يطرح أسئلة عديدة حول معاداة النسوية ومدى فهم جوهرها في الأصل؟!

‏بعد أن قضت معظم حياتها في الدفاع عن الحركة النسوية.. الكاتبة البريطانية بيترونيلا وايت تكتب مقالًا تعبر فيه عن ندمها...

Posted by ‎Rusly Al-Maliki - رسلي المالكي‎ on Monday, May 20, 2024

في حديثها مع "ارفع صوتك"، ربطت الدكتورة رلى عازار دوغلاس، وهي كاتبة وباحثة في قضايا الجندر، تفاعل الجمهور العربي واندفاعه للتعليق على مقال الكاتبة البريطانية بنقطتين: "التماهي مع المضمون، والشعور بأن بعض الخطابات النسوية الراديكالية تستهدف هوية المجتمع العربي".

تشرح دوغلاس "في المطلق، يميل أي شخص يقرأ أي مقال أو أي مادة للتفاعل معها إذا شعر بالتماهي مع المضمون فيتعاطف معه ويفهمه بشكل أكبر. أما بالنسبة للجمهور العربي بالتحديد، فيمكن تفسير التفاعل بحماس بشعور البعض المحتمل بأن الخطاب النسوي يستهدف جزءا من هويته.  وحين يستمع هذا الجمهور لخطاب بعض النسويات الراديكاليات حول أمور تخص العالم العربي كالدين أو الطابع المحافظ من جملة الأمثلة، يرى فيها نقدا أو أحكاما أو رفضا لجزء من هويته وهنا تأتي ردة فعله العنيفة على النسوية".

"فهو يرى في الانتقادات القاسية للنسويات الراديكاليات للمجتمع المجحف بحق المرأة، نقدا لاذعاً يستهدف الأمور التي تعنيه كشخص عربي. بالتالي من الضروري التذكير بالأشكال والفلسفات المتعددة للنسوية وتعدد أهدافها وأساليبها. وما يحصل في العالم العربي لا بل في العالم ككل حتى، هو الدمج بين كل هذه الاتجاهات وخلطها بالنسوية الأكثر راديكالية"، تتابع دوغلاس.

 

النسوية ورفض الزواج

قطعت النسوية شوطا كبيرا اعتبارا من القرن الخامس عشر، وفقا لمجلة History الأميركية المتخصصة في التاريخ. وكانت الكاتبة كريستين دي بيزان (Christine de Pizan) احتجت على كراهية النساء ودور المرأة في العصور الوسطى. و

بعد سنوات، خلال عصر التنوير، دافع كتاب وفلاسفة مثل مارغريت كافنديش دوقة نيوكاسل أبون تاين، وماري ولستونكرافت مؤلفة كتاب "الدفاع عن حقوق المرأة"، بقوة، من أجل تحقيق قدر أكبر من المساواة للمرأة.

وفي مؤتمر "سينيكا فولز" عام 1848، الذي يعد أول مؤتمر لحقوق المرأة، أعلنت الداعيات لإلغاء عقوبة الإعدام، مثل إليزابيث كادي ستانتون ولوكريشيا، وعلى اعتبار أن المساواة بين الرجال والنساء من الحقائق البديهية.

كما طالبت الناشطات النسويات بحقهن المقدس في الامتياز الانتخابي أي في الحق بالتصويت. ثم بدأت النساء بدخول مكان العمل بأعداد أكبر في أعقاب "الكساد الكبير". وخلال الحرب العالمية الثانية، شاركت العديد من النساء بنشاط في الجيش أو وجدن عملاً في الصناعات التي كانت سابقاً مقتصرة على الرجال.

انطلاقا من التعليقات التي تهاجم النسوية على خلفية المقال البريطاني، ترى الباحثة اللبنانية رلى دوغلاس، أهمية التركيز على تطور هذا التيار عبر الزمن وتعدد فلسفاته حتى ضمن الفترات الزمنية نفسها.

والنسوية، كما تقول، ليست تيارا واحدا له فلسفة وأسلوب تعاط واحد فقط، إنما تيارات وفلسفات متعددة ومعها النظرة للأمور وللحياة وللنساء وللرجال وأساليب التغيير.ء

وتشير دوغلاس إلى أن "التطرف" هو جزء من هذه التيارات لكنّه ليس الأكبر. وما يحصل على مواقع التواصل وفي بعض وسائل الإعلام يسلط الضوء ربما على التطرف بدرجة أكبر "أولاً لأن الأشياء الأكثر تطرفا وغرابة هي التي تشدّ الجمهور وثانياً وهو الأخطر، ربما لمحاربة النسوية ككل، حيث أن هناك تيارات معاكسة أو مناهضة للنسوية تستغل وجود التطرف لوضعه في الواجهة من أجل خلق لغط بين النسوية إجمالاً والتيار النسوي المتطرف" وفق قولها.

تتابع: "من الضروري التذكير بأن النسوية عرفت فلسفات وأساليب مختلفة حتى في كل مرحلة من مراحل تطورها. وهذا يعني أن هناك تيارات نسوية مختلفة تواجدت في المرحلة نفسها، بعضها كان يُطالب بأفكار أو أساليب متطرفة وغيره لا".

"بشكل عام، في المرحلة الأولى، كان التركيز على الحقوق كحق المرأة في التصويت وحق الملكية وحق التعليم. ويمكن ربط هذه المرحلة بالحقوق الإنسانية بشكل عام وبالإصلاحات الاجتماعية وبوثيقة حقوق الإنسان. أما المرحلة التي تلت فركزت على قضايا أكثر كالمساواة في مكان العمل والحق في الإنجاب والمساواة في الأجر ومواجهة العنف ضد المرأة. وهنا تم تسليط الضوء على البنية البطريركية للمجتمع"، تبيّن دوغلاس.

ثم تميزت المرحلة التالية بتنوع النساء وتجاربهن وبوجود تقاطع بين القضايا، مثلاً محاربة التمييز ضد العرق أو الطبقية أو التوجه الجنسي. وفي مرحلة أخيرة، بات التركيز على فكرة العدالة الاجتماعية وضرورة استخدام وسائل التواصل كأداة للنشاط من أجل مجتمع عادل، وشملت القضايا أشياء جنسية أكثر كالحملات التي نظمت خلال السنوات الأخيرة وأبرزها "Me Too".

ويؤكد الجدل الذي سُجّل مؤخراً على أهمية تصحيح الأفكار المغلوطة حول النسوية، خصوصاً أن المقال ربطها مثلا بمعاداة الرجل أو برفض الزواج.

في هذا السياق، تذكّر دراسة بحثية لكلير تشامبر في مكتبة جامعة "براون" البريطانية بأن "انتقاد النسويات مؤسسة الزواج يرتبط تاريخياً بالسياق الذي يمثله والذي يسمح في الأساس باضطهاد المرأة، حيث لا تتمتع المرأة المتزوجة إلا بالقليل من الحقوق المستقلة. كما يرتبط بتقسيم المهام على أساس الجندر، حيث تتولى المرأة الحصة الأكبر من العمل المنزلي وأعمال الرعاية وتحصل على أجر أقل من الرجال مقابل العمل خارج المنزل".

وبحسب الدراسة، فإن الفستان الأبيض "يرمز إلى أن حلم المرأة وهدفها النهائي هو الزواج، وهو يضج بالصور الجنسية، حيث يتخلّى الأب عن العروس بفستانها الأبيض الذي يرمز إلى عذريّتها، وهناك نذور طاعة الزوج (لدى الطوائف المسيحية مثلا)؛ وتنازل الزوجة عن اسمها لتعرّف عن نفسها باستخدام اسم عائلة زوجها".

من ناحيتها، تقول دوغلاس إن تصحيح الأفكار المغلوطة عن النسوية تبدأ "بتفكيك الفكرة السائدة، من خلال التوعية والتعليم ومشاركة المعلومات الدقيقة التي تستند إلى المصادر الدقيقة من المختصين حول النسويّة وتياراتها المختلفة".

لذلك من الضروري، برأي دوغلاس، نشر تجارب متنوعة عن النساء بالجمع وليس فقط المرأة بصيغة المفرد، لأنه ليس هناك نموذج واحد للمرأة بل تجارب متنوعة ومجتمعات مختلفة.

"وحين نتكلم عن النسوية، من الضروري التركيز على دور النسوية في تحسين وضع النساء في العالم على مستوى الحقوق والإنجازات في مجالات التعليم والصحة والسياسة والقانون وحياة الإنسان اليومية.وأيضاً، التصدي للأفكار والانتقادات التي لا تمت للواقع بصلة، بشكل أكثر تنظيما مثلا من خلال طاولات الحوار أو النقاشات العامة أو على مواقع التواصل لتصحيح المفاهيم الخاطئة وإبراز الصورة الحقيقية" تكمل دوغلاس.

وتؤكد "ليس من الصحيح ربط النسوية بعدم الزواج، رغم وجود العديد من الأفراض الذين يرفضونه، وهذا لا ينطبق على النسوية بحد ذاتها. النسوية تطالب مثلا بحق المرأة باختيار الزواج أم لا، بحق اتخاذ قرار الإنجاب أم لا. ومن الضروري احترام حق الإنسان باختيار حياته وعيشها بالطريقة التي يريد".

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

من تظاهرة في بغداد رافضة للتعديلات المقترحة على قانون الأحوال الشخصية- تعبيرية
من تظاهرة في بغداد رافضة للتعديلات المقترحة على قانون الأحوال الشخصية (8-8-2024)- تعبيرية

على خلفية انتقادها التعديلات المطروحة على قانون الأحوال الشخصية العراقي، تعرضت المحامية قمر السامرائي لحملة إهانات و"تسقيط" بشخصها وكرامتها وأنوثتها وسيقت بحقها اتهامات عديدة تقول سامرائي إنها كلها "مفبركة وغير صحيحة والهدف منها النيل من سمعتي وإسكاتي".

الغضب من سامرائي أتى بعد تصريحات تلفزيونية أدلت بها المحامية العراقية في برنامج حواري اتهمت فيها الساعين إلى تعديل قانون الأحوال الشخصية بأنهم يطبقون الشريعة الإسلامية فقط عندما يتعلق الأمر بالمرأة وحقوقها، ولا يطبقونها في باقي المسائل. 

وأضافت السامرائي "إذا كان الهدف تطبيق الشريعة الإسلامية في العراق، فلا داعي بعد الآن للمحاكم والقضاء المدني".

الملفت في النقاش حول قضية قانون الأحوال الشخصية، وفي نقاشات أخرى، أن الناشطات يتحولن إلى هدف لـ"التسقيط" الشخصي والإساءة والتنمر، بدل مواجهة الرأي بالرأي المضاد. 

ويتعرض كثير من معارضي مقترح تعديل القانون لاتهامات بـ"الابتعاد عن الدين"، و"التشكيك بالشرف"، أو بأنهم "أبناء السفارات"، كما جرى اتهام الناشطات بأنهن "ممثلات مبتذلات وراقصات".

السامرائي تقول في حديث مع "ارفع صوتك" حول ما تعرضت له "من المؤسف أنهم (تقصد المشرّعين الذين يحاولون تعديل قانون الأحوال الشخصية) يطبقون الدين بما يناسبهم، ويتخذون من الإسلام غطاءً لتحقيق أجنداتهم السياسية".

وتتابع: "ليس لديهم أي حجج للإجابة على الحجة بالحجة، بل هم يكررون سرديات خطيرة من مثل تشريع زواج القاصرات".

وترى السامرائي أن الحملة عليها ليست بسبب اعتراضها على تعديل قانون الأحوال الشخصية، بل يتعدى ذلك إلى موقفها من ملفات أخرى بينها قانون العفو العام.

تثق السامرائي بأن القانون العراقي قادر على حمايتها، مشيرةً إلى أنها ستتقدم بشكاوى قضائية لملاحقة مَن يقف وراء الحسابات الوهمية التي عملت على تشويه سمعتها، وستطالب بتعويضات مالية.

وهي تعتقد أن "الميليشيات الولائية وراء الحملة عليها"، مردفةً "لا أخشى التهديدات بالأذى الجسدي التي وصلتني، لأنني أؤمن أن حياتي بيد الله.. وأفضل أن أموت بطلة لا جبانة" على حد تعبيرها.

في الوقت نفسه، لا تتوقع السامرائي أن تنجح المساعي لإقرار التعديلات المطروحة على قانون الأحوال الشخصية، لأن الاعتراضات عليها كبيرة جداً داخل المجتمع العراقي.

تشرح الناشطة الحقوقية رؤى خلف لـ"ارفع صوتك" آلية عمل المجموعات والحسابات الوهمية المنظمة التي تهاجم الناشطات: "هذه المجموعات تقوم في أحيان كثيرة باقتطاع أجزاء من مقابلات مع الناشطات منزوعة من سياقاتها، ثم توزيعها ونشرها عبر حسابات وهمية على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تقوم الآلاف من هذه الحسابات بتسقيط الناشطات والتعرض لهنّ بشكل شخصي".

تحكي خلف عن تجربتها الشخصية: "قامت مجموعات مماثلة بنشر مقاطع لي مع تنسيبي، بسبب رأيي، إلى حزب البعث أو أي من المسميات الأخرى المكروهة اجتماعياً". 

وهذا الأمر، كما تقول خلف، تتعرض له معظم الناشطات بسبب آرائهن المتحررة والمعارضة للمنظومة الحاكمة.

"لذلك يجب دعم النساء عندما يتعرضن لهذا النوع من الحملات، لأن الناشطات في هذه الحالات يأخذن على عاتقهن شجاعة قول الحق مع معرفتهن المسبقة بالثمن المترتّب عليه، وإدراكهن لمخاطر الحملات التي سيتعرضن لها مع عائلاتهن بالنتيجة" تتابع خلف.

Iraqis Shiite Muslim worshippers gather outside the of Imam Moussa al-Kadhim shrine, who died at the end of the eighth century,…
كان "سابقاً لعصره".. خلفيات إقرار قانون الأحوال الشخصية العراقي 1959
أعاد النقاش حول قانون الأحوال الشخصية في العراق إلى الواجهة، الظروف الاجتماعية والسياسية التي أدت إلى صدور القانون المعمول به حالياً في عام 1959، خصوصاً بعد المطالبة بتعديله من قبل نوّاب من كتل سنيّة وشيعية في البرلمان.

من جهتها، تفنّد الناشطة الحقوقية أنسام البدري لـ"ارفع صوتك" أسباب تعرّض النساء العراقيات المتحررات اللواتي ينادين بحقوق الإنسان وحقوق المرأة، دائماً لحملات ممنهجة من قبل جهات نافذة وأصحاب أموال، وذلك ببساطة "بسبب وقوفنا في وجه مواقفهم وتصرفاتهم ضد النساء وحقوقهن في بلدنا" بحسب تعبيرها.

تعطي البدري مثالاً على ذلك "محاولتهم الأخيرة تعديل قانون الأحوال الشخصية الحالي الذي يعتبر من القوانين الرصينة، وأحد المكاسب القليلة للمرأة في العراق، وهو من أفضل القوانين في المنطقة".

وتبيّن: "على خلفية موقفنا من هذه التعديلات تعرضتُ على الصعيد الشخصي لحملات تسقيط شبيهة للتي تعرضت لها المحامية قمر السامرائي، وشاركتْ فيها للأسف إحدى النائبات التابعات لأحد الأحزاب الداعمة للتعديلات على القانون، بسبب معارضتي لتعديل المادة ٥٧ من قانون الأحوال الشخصية المتعلقة بالحضانة".

"هذه الحملات صعبة جداً على الصعيد النفسي وآثارها مدمرة"، تقول البدري، والسبب أنه "يصعب التعامل معها بسهولة خصوصا إذا أتت من حسابات وهمية".

الأمر بالنسبة للنساء في العراق لا ينتهي بانتهاء موجة التشويه و"التسقيط"، إذ يبقى أثرها يلاحقهن. 

تقول البدري "المجتمع محافظ ويرفض التغيير ويواجه أي آراء فيها شحنات من الحرية بالتنمر على أشكال أو ملابس او تبرّج الناشطات والدخول في حياتهن الشخصية، وليس هناك سند أو دعم لهن في مواجهة هذه الحملات".

وتؤكد غياب أي آلية قانونية تحمي حق الناشطات في التعبير عن آرائهن بحرية، وملاحقة من يتعرضون لهنّ عبر هذه الحملات، موضحةً "ليس هناك أي قوانين تحمي المدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان، لكننا بدأنا التأقلم مع هذا النوع من الحملات، ونتوقع ردود الفعل بعد أي ظهور إعلامي نقوم به في قضايا تتعلق بحرية النساء أو حقوق الإنسان".

في ختام حديثها، تؤكد خلف "هم يريدون بهذه الحملات أن يسكتونا، لكن لن نسمح لهم بذلك".