بقلم علي عبد الأمير:

لا أحد في واشنطن وبغداد يستطيع رسم ملامح صورة قد تحمل بعضا مما سيكون عليه ملف العراق في إدارة الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب. لكن لنائبه مايك بنس معرفة واسعة بأوضاع البلد الذي دعم حرب اسقاط نظامه السابق في 2003 وكان من الداعين إليها.

*مع اقتراب موعد تلك الحرب كان بنس (النائب عن ولاية إنديانا حينها) قد ألقى كلمة حاول فيها إضفاء "طابع إنساني" على تلك الحرب بقوله "هناك نحو 50 دولة (التحالف بزعامة الولايات المتحدة) التي تقف على استعداد لإنهاء الظلم الذي عاناه العراقيون، ولتجف دموعهم، وقيادة بلادهم نحو فجر جديد من الحضارة، فجر جديد من الحرية بعيدا عن الظلم والتعذيب وإساءة المعاملة وخنق الحقوق المدنية والإنسانية الأساسية ".

*بعد نحو أربع سنوات من تلك الحرب، التي كشفت عن الوصول إلى عراق هو بالنقيض من الصورة التي تخيلها النائب بنس، زار الأخير بغداد (1 نيسان/أبريل 2007) ضمن وفد من الكونغرس برئاسة السيناتور جون ماكين. جال لفترة قصيرة على السوق القديم الأكبر في العاصمة العراقية (الشورجة) لتقديم "دليل على أن الخطة الأمنية الجديدة بقيادة الولايات المتحدة لبغداد كانت فعالة، بينما التجار والمتبضعون العراقيون كان يظهرون ارتيابهم"، بحسب تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز" تضمن تصريحا لمايك بنس ضمن مؤتمر صحافي، قال فيه إن السوق العراقية التي زارها كانت "مثل أي سوق في الهواء الطلق في إنديانا (ولايته) خلال الصيف".

وهو تصريح قوبل باستغراب أوساط  أميركية وعراقية في حينها، فقد قال مسؤول عسكري أميركي رفيع المستوى في بغداد إن الزيارة تمت في وقت حلقت خلاله طائرات هليكوبتر هجومية فوق الشورجة أثناء زيارة وفد الكونغرس لها، مع حماية وفّرها أكثر من 100 جندي في عربات همفي المدرعة، وإعادة توجيه حركة المرور في المنطقة بغية تقييد إمكانية الوصول إلى الوفد الأميركي، بينما قال شهود عيان عراقيون، إنه تم نشر قناصة على أسطح البنايات المجاورة للسوق، وارتدى أعضاء الكونغرس السترات الواقية من الرصاص طوال الزيارة التي استمرت ساعة.

*إثر عودته إلى بلاده، أبدى النائب مايك بنس تأييدا قويا لخطة الرئيس السابق جورج بوش في زيادة عديد target="_blank">القوات الأميركية والتي هدفت إلى التدخل العسكري الواسع لوضع حد للحرب الطائفية الواسعة حينها والتي شملت معظم مناطق العراق.

*عن تلك الزيارة والحرب الأميركية في العراق، رسم الكاتب والسياسي العراقي حسين كركوش  ملامح مشهد لبلاده كما يراها نائب الرئيس المنتخب مايك بنس، ضمن مقالة بعنوان "من سوق الشورجة في بغداد إلى البيت الأبيض" ويقول فيها إنه "على صعيد السياسية الخارجية، وهذا ما يهمنا نحن العراقيين، ينتمي بنس لأكثر السياسيين الأميركيين تحمسا للحرب التي شنها جورج بوش لاحتلال العراق. بل تحول وقتذاك عّرابا للحرب ولولبا يحرض ويقنع الجميع على تأييدها".

وتوقفا عند "الطابع الإنساني" للحرب التي ساندها، يتساءل الكاتب العراقي "هل سيقوم مايك بنس بزيارة جديدة للعراق، وقد أصبح الآن نائبا للرئيس، ليرى كيف يعيش سكان العشوائيات، و يعرف كم عدد خريجي الجامعات العاطلين عن العمل، ويطلع على نوعية القوانين الذي يشغل مجلس النواب نفسه في تشريعها؟ هل سيزور مايك بنس العراق ليتأكد بنفسه كم تحقق من الوعود التي أطلقها للعراقيين، هو بنفسه، عشية الحرب؟".

*الصورة: عضو مجلس النواب (حاليا نائب الرئيس الأميركي المنتخب) مايك بمؤتمر صحافي خلال زيارته بغداد 2 نيسان-أبريل 2007/ وكالة الصحافة الفرنسية

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

Smoke rises as pictured from the town of Qlayaa
دخان متصاعد إثر غارة إسرائيلية على إحدى قرى جنوب لبنان- تعبيرية

بعد استقلاله في 22 نوفمبر 1946 ونهاية الانتداب الفرنسي، وجد لبنان نفسه منخرطا في أولى الحروب بين الدول العربية وإسرائيل سنة 1948. حينها، شهد جنوب لبنان معارك في جنوبه أي على الحدود مع الأراضي الفلسطينية على الرغم من بعض فترات الهدنة. 

وفي عام 1958، نتيجة التجاذبات بين مسيحيي ومسلمي لبنان على خلفية الانضمام أم لا للحرب إلى جانب الرئيس المصري جمال عبد الناصر، اختبر لبنان أزمة جديدة كادت أن تشعل حرباً أهلية.

لم يسلم لبنان من تأثيرات حرب 1967 حيث شنت الجماعات الفلسطينية المسلحة هجمات ضد إسرائيل انطلاقاً من لبنان وسوريا والأردن وحركت ردودا انتقامية من الجانب الإسرائيلي.

لكن الهدوء الحذر الذي عرفه لبنان لمدة 8 أعوام تلت، لم يكن سوى مقدمة للعاصفة التي مزقت البلاد على مدى 15 عاما، حيث اندلعت الحرب الأهلية في 1975 ولم تنته إلا عام 1990 مع توقيع اتفاق "الطائف" في المملكة العربية السعودية.

الحرب الأهلية بدأت على خلفية التوترات بين القوات الإسلامية المتحالفة مع القوات الفلسطينية المتواجدة في لبنان والمسيحيين المنحازين للغرب. شاركت قوات أجنبية، مثل سوريا كما استغلتها إسرائيل للاجتياح، وعرفت البلاد دخول قوات حفظ السلام، على غرار القوات الأممية متعددة الجنسيات. 

مزقت الحرب الأهلية لبنان على أساس طائفي ولا تزال تأثيراتها تعود لتطفو إلى السطح كلما تشنج الخطاب السياسي.

خلال الحرب الأهلية وبعدها، عاش لبنان حربا جديدة بين 1985 و2000 في الجنوب اللبناني، انتهت بالانسحاب الإسرائيلي إلى خلف ما يُعرف بالخط الأزرق. بيد أن لبنان لم يعش فترة سلام طويلة حيث استمرت التشنجات على المستوى الرسمي بين المؤيدين لوجود النظام السوري (داخل البلاد منذ بداية الحرب الأهلية) والرافضين له، فعرفت البلاد موجة من الاغتيالات التي استهدفت لاعبين رئيسيين، مثل رئيس الحكومة رفيق الحريري عام 2005.

أشعل هذا الاغتيال شرارة الغضب في الشارع اللبناني، وتلاه الانسحاب السوري الرسمي، لتسجل حينها ثورة "14 آذار" التي دعت لسيادة لبنان.

في عام 2006، لم يكد لبنان يلملم جراحه الداخلية حتى شنت إسرائيل عدواناً دام أكثر من شهر، وتسبب بخسائر هائلة على مستوى الأرواح والاقتصاد والبنى التحتية، وذلك على خلفية اختطاف حزب الله جنديين إسرائيليين. 

لم يسد الهدوء بعد انتهاء العدوان الإسرائيلي، إذ تعرض لبنان لخضة داخلية جديدة بين مايو وسبتمبر 2007 مع اندلاع معارك شمال البلاد بين مجموعة إسلامية متشددة تعرف باسم "فتح الإسلام" والجيش اللبناني في مخيم للاجئين الفلسطينيين في نهر البارد قريباً من مدينة طرابلس.

بعد ذلك بعام واحد، خضة داخلية جديدة كادت أن تجر البلاد إلى الهاوية مع أحداث السابع من مايو 2008 على خلفية قرارين من مجلس الوزراء اللبناني بمصادرة شبكة الاتصالات التابعة لسلاح الإشارة الخاص بحزب الله وإقالة قائد جهاز أمن مطار بيروت الدولي العميد وفيق شقير.

آنذاك، رأى البعض في ذلك "استهدافا للمقاومة"، ولم تتوقف التوترات إلا بعد سحب الحكومة القرارين محل النزاع. وزادت هذه الأحداث من تعميق الانقسام الطائفي.

بعدها بأربع سنوات، عاد لبنان ليشعر بوطأة الحرب الأهلية مع الحرب السورية وموجات اللجوء والانقسام الداخلي بين مؤيد للنظام ومؤيد للمعارضة. وباتت البلاد معبرا للنزوح ثم مكاناً للإقامة مع بقاء المخيمات حتى يومنا هذا.

وفي عام 2020، سجل ثاني أكبر انفجار غير نووي عرفه العالم مع انفجار مرفأ بيروت في الرابع من أغسطس، موديا بحياة أكثر من 220 شخصاً وجرح 6500 شخص، وتعميق الشرخ مع تبادل الاتهامات حول المسؤولية عن وجود مادة نيترات الأمونيوم في المرفأ، ولا تزال التحقيقات مستمرة حتى اليوم.

حاليا، بينما لا يزال لبنان يرزح تحت وطأة أثقل أزمة اقتصادية منذ "ثورة 17 تشرين الأول 2019"، تقف البلاد على شفا حرب جديدة مع تهديد إسرائيل بتوسيع عملياتها من الجنوب اللبناني لتشمل البلاد كلها.

على الرغم من عدم اليقين حول الخطوة التالية لإسرائيل، يقف لبنان أكثر من أي وقت مضى على شفير الهاوية مع الانقسام بين مؤيد للانخراط في الحرب ورافض لها.