النجم دي كابريو وخلفه بوستر الفيلم الوثائقي “قبل الطوفان” في العرض الأول له بولاية كاليفورنيا 24 تشرين الأول/أكتوبر 2016/وكالة الصحافة الفرنسية
النجم دي كابريو وخلفه بوستر الفيلم الوثائقي “قبل الطوفان” في العرض الأول له بولاية كاليفورنيا 24 تشرين الأول/أكتوبر 2016/وكالة الصحافة الفرنسية

بقلم علي عبد الأمير:

ما انفكت قضية التدمير الواسع الذي تتعرض له بيئة كوكب الأرض اليوم، تكسب اهتماما واسعا ومتزايدا، فاستخدام الوقود الأحفوري وما يطلقه من غاز ثاني أوكسيد الكاربون إلى الغلاف الجوي بوتائر قياسية تتسبب بذوبان الصفائح الجليدية، مما يؤدي إلى إرتفاع منسوب المياه فضلا عن رفع درجة حرارتها وهو ما يدمّر العمل الذي تقوم به لتبريد الكوكب.

وهذا الاندفاع وراء أنواع من الوقود الأحفوري يؤدي إلى حالات لا تحصى من التكسير والحفر في  بر الأرض، مثلما يؤدي التنقيب عن النفط إلى تدمير بحرها، مثلما هو الأمر مع تجريف الغابات لإفساح الطريق لمزارع زيت النخيل والمراعي للماشية في صناعة الإنتاج الواسع للحوم، وهو ما زاد من ثاني أوكسيد الكاربون في الهواء بينما محا تقريبا الحياة النباتية تلك التي تعمل على تبريد الأرض وتنقية الهواء.

دي كابريو وحرائق العالم

والفيلم الوثائقي “قبل الطوفان“، والمنتج حديثا من قبل “ناشيونال جيوغرافيك”،  يقدم مثالا على استثمار النفوذ الواسع لشخصية معروفة عالميا من أجل تركيز الاهتمام على قضية فكرية، وهو هنا يعتمد على الممثل الحائز على جائزة الأوسكار ورسول الأمم المتحدة للسلام وممثلها لشؤون البيئة، ليوناردو دي كابريو، كمحور شخصي مؤثر لقضية تتعلق ببيت العالم (بيئته) وقد صار مختنقا بسبب السلوك البشري النفعي والأناني، ومن هنا تأتي بداية الفيلم التي أرادها المخرج الحائز على جائزة الأوسكار فيشر ستيفنز. ففي متحف برادو بالعاصمة الإسبانية مدريد، نتطلع إلى واحدة من أشهر اللوحات في تاريخ الفن الغربي، وتظهر سقوط الجنس البشري، عبر سفر من الملذات وعالم معقد من الفضيلة والرذيلة، وصولا إلى الجحيم حيث الدمار المطلق.

وعن الفيلم ورسالته، يقول الكاتب العراقي شاكر الناصري إن التغييرات المناخيّة هي الخطر الذي يهدد العالم الذي نعيش فيه، والتي ستجعلنا نواجه كوارث كبيرة لا يمكن السيطرة عليها. وهذه هي الرسالة التي يطرحها الفيلم الوثائقي” قبل الطوفان” بمساهمة من الممثل ليوناردو دي كابريو، الحائز على أوسكار أفضل ممثل عن فيلم “العائد”.

ويرى الناصري، في مداخلة مع موقعنا، أن الفيلم يظهر ليوناردو دي كابريو بشخصية عميقة ومهمومة بقضايا لم يلتفت إليها أحد وتم إهمالها لأسباب سياسية وبضغط  الشركات الكبرى ورجال السياسية، “فالرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب وأعضاء الكونغرس، الذين ينكرون قضية التغيرات المناخية، ويعتبرونها قضية مبالغا فيها، ومن نسج خيال أهل العلم والنظرة المتشائمة التي يطرحونها حول المناخ والبيئة، يديرون شركات وقود كبرى تتعامل بالوقود الأحفوري ويتسترون على المخاطر التي تنتج عنه”.

ويشير إلى أنّه في نفس الوقت يقدم الفيلم الأدلة على مقدار التلوث البيئي والتغييرات المناخيّة وما ينتج عنه من أمراض، وارتفاع درجات الحرارة، وهطول الأمطار بشكل كبير، وهو يتطلب منّا تغيير طريقة حياتنا وعيشنا.

تقدم صناعي أكثر .. تلوث أكثر؟

ويخلص الكاتب العراقي إلى القول “تحولت قضية البيئة ومخاطر التغييرات المناخية إلى مجال شاسع لتبادل الإتهامات بين الدول المتقدمة الكبرى التي تحتكر الصناعة والتصدير، وتقديم الأدلة على انها لم تكن المتسبب في التلوث وبالتالي التغييرات المناخية. إن صراع الصين وأميركا، حول البيئة والوقود الأحفوري، والتغييرات المناخية، هو الدرس الذي يجب أن نجد فيه أسباب المخاطر الحقيقيّة التي تهدد العالم”.

*الصورة: النجم دي كابريو وخلفه بوستر الفيلم الوثائقي “قبل الطوفان” في العرض الأول له بولاية كاليفورنيا 24 تشرين الأول/أكتوبر 2016/وكالة الصحافة الفرنسية

 يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

Smoke rises as pictured from the town of Qlayaa
دخان متصاعد إثر غارة إسرائيلية على إحدى قرى جنوب لبنان- تعبيرية

بعد استقلاله في 22 نوفمبر 1946 ونهاية الانتداب الفرنسي، وجد لبنان نفسه منخرطا في أولى الحروب بين الدول العربية وإسرائيل سنة 1948. حينها، شهد جنوب لبنان معارك في جنوبه أي على الحدود مع الأراضي الفلسطينية على الرغم من بعض فترات الهدنة. 

وفي عام 1958، نتيجة التجاذبات بين مسيحيي ومسلمي لبنان على خلفية الانضمام أم لا للحرب إلى جانب الرئيس المصري جمال عبد الناصر، اختبر لبنان أزمة جديدة كادت أن تشعل حرباً أهلية.

لم يسلم لبنان من تأثيرات حرب 1967 حيث شنت الجماعات الفلسطينية المسلحة هجمات ضد إسرائيل انطلاقاً من لبنان وسوريا والأردن وحركت ردودا انتقامية من الجانب الإسرائيلي.

لكن الهدوء الحذر الذي عرفه لبنان لمدة 8 أعوام تلت، لم يكن سوى مقدمة للعاصفة التي مزقت البلاد على مدى 15 عاما، حيث اندلعت الحرب الأهلية في 1975 ولم تنته إلا عام 1990 مع توقيع اتفاق "الطائف" في المملكة العربية السعودية.

الحرب الأهلية بدأت على خلفية التوترات بين القوات الإسلامية المتحالفة مع القوات الفلسطينية المتواجدة في لبنان والمسيحيين المنحازين للغرب. شاركت قوات أجنبية، مثل سوريا كما استغلتها إسرائيل للاجتياح، وعرفت البلاد دخول قوات حفظ السلام، على غرار القوات الأممية متعددة الجنسيات. 

مزقت الحرب الأهلية لبنان على أساس طائفي ولا تزال تأثيراتها تعود لتطفو إلى السطح كلما تشنج الخطاب السياسي.

خلال الحرب الأهلية وبعدها، عاش لبنان حربا جديدة بين 1985 و2000 في الجنوب اللبناني، انتهت بالانسحاب الإسرائيلي إلى خلف ما يُعرف بالخط الأزرق. بيد أن لبنان لم يعش فترة سلام طويلة حيث استمرت التشنجات على المستوى الرسمي بين المؤيدين لوجود النظام السوري (داخل البلاد منذ بداية الحرب الأهلية) والرافضين له، فعرفت البلاد موجة من الاغتيالات التي استهدفت لاعبين رئيسيين، مثل رئيس الحكومة رفيق الحريري عام 2005.

أشعل هذا الاغتيال شرارة الغضب في الشارع اللبناني، وتلاه الانسحاب السوري الرسمي، لتسجل حينها ثورة "14 آذار" التي دعت لسيادة لبنان.

في عام 2006، لم يكد لبنان يلملم جراحه الداخلية حتى شنت إسرائيل عدواناً دام أكثر من شهر، وتسبب بخسائر هائلة على مستوى الأرواح والاقتصاد والبنى التحتية، وذلك على خلفية اختطاف حزب الله جنديين إسرائيليين. 

لم يسد الهدوء بعد انتهاء العدوان الإسرائيلي، إذ تعرض لبنان لخضة داخلية جديدة بين مايو وسبتمبر 2007 مع اندلاع معارك شمال البلاد بين مجموعة إسلامية متشددة تعرف باسم "فتح الإسلام" والجيش اللبناني في مخيم للاجئين الفلسطينيين في نهر البارد قريباً من مدينة طرابلس.

بعد ذلك بعام واحد، خضة داخلية جديدة كادت أن تجر البلاد إلى الهاوية مع أحداث السابع من مايو 2008 على خلفية قرارين من مجلس الوزراء اللبناني بمصادرة شبكة الاتصالات التابعة لسلاح الإشارة الخاص بحزب الله وإقالة قائد جهاز أمن مطار بيروت الدولي العميد وفيق شقير.

آنذاك، رأى البعض في ذلك "استهدافا للمقاومة"، ولم تتوقف التوترات إلا بعد سحب الحكومة القرارين محل النزاع. وزادت هذه الأحداث من تعميق الانقسام الطائفي.

بعدها بأربع سنوات، عاد لبنان ليشعر بوطأة الحرب الأهلية مع الحرب السورية وموجات اللجوء والانقسام الداخلي بين مؤيد للنظام ومؤيد للمعارضة. وباتت البلاد معبرا للنزوح ثم مكاناً للإقامة مع بقاء المخيمات حتى يومنا هذا.

وفي عام 2020، سجل ثاني أكبر انفجار غير نووي عرفه العالم مع انفجار مرفأ بيروت في الرابع من أغسطس، موديا بحياة أكثر من 220 شخصاً وجرح 6500 شخص، وتعميق الشرخ مع تبادل الاتهامات حول المسؤولية عن وجود مادة نيترات الأمونيوم في المرفأ، ولا تزال التحقيقات مستمرة حتى اليوم.

حاليا، بينما لا يزال لبنان يرزح تحت وطأة أثقل أزمة اقتصادية منذ "ثورة 17 تشرين الأول 2019"، تقف البلاد على شفا حرب جديدة مع تهديد إسرائيل بتوسيع عملياتها من الجنوب اللبناني لتشمل البلاد كلها.

على الرغم من عدم اليقين حول الخطوة التالية لإسرائيل، يقف لبنان أكثر من أي وقت مضى على شفير الهاوية مع الانقسام بين مؤيد للانخراط في الحرب ورافض لها.