الشاحنة التي نُفّذ بها هجوم برلين/وكالة الصحافة الفرنسية
الشاحنة التي نُفّذ بها هجوم برلين/وكالة الصحافة الفرنسية

متابعة حسن عبّاس:

أمام مخاطر قيام إرهابيين باعتداءات بالاعتماد على وسيلة اقتحام حشد من المدنيين بسيارات وشاحنات، أو تصويب عسكريين أو شرطيين سلاحهم ضد شخصيات مكلفين بحمايتها، ما هي الوسائل الفعالة التي يمكن أن تعتمدها أجهزة الأمن لتفاديها؟

انقلاب شرطيين

وأظهر اعتداء الشرطي التركي مولود ميرت التينتاس، 22 عاماً، على السفير الروسي اندريه كارلوف هذا الخطر. فقد كان وجوده في قاعة المعارض طبيعياً بل حتى مطمئناً بنظر عناصر قوات الأمن التركية الآخرين وحراس السفير.

وقال قائد سابق لجهاز استخبارات "المسألة بسيطة في مواجهة حالة كهذه. لا يمكننا القيام بشيء. لا يمكن إطلاقاً تدارك الأمر. نقطة على السطر".

وأوضح أن الحراس الشخصيين عادةً يراقبون أي جندي مسلّح يتواجد بجانب الشخصية التي يحمونها، "لكن شرطياً وسط الحراس الشخصيين لا يثير الشبهات".

وشرح أن عناصر حماية الشخصيات. "يتم اختيارهم بعناية فائقة ويجب أن يكونوا مستقرين نفسياً للغاية. لا يثيرون ريبة أحد".

فالشرطي التينتاس، على سبيل المثال، ألحق منذ أكثر من عامين بقوات شرطة مكافحة الشغب في أنقرة. وكان عضواً في الفريق الأمني المكلف حماية الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان ثماني مرات منذ محاولة الانقلاب الفاشلة في تموز/يوليو.

وقال الطبيب النفسي الأميركي مارك ساجمان، وهو عنصر سابق في السي آي إيه، "الواقع أنه اعتبر نفسه جندياً يدافع عن مجتمعه الخيالي، الأمة الإسلامية".

وتابع "اختار لنفسه ولاء آخرا. بسبب ما حصل في حلب، كان يشعر بنفسه مسلماً أكثر مما هو تركي".

ولفت إلى أنه "إذا لم يحدّث أحد عن ذلك، ولم يعط أي مؤشر على تغيير ولائه، لا يمكن الاشتباه بالأمر، وبالتالي، من شبه المستحيل منعه".

الدهس بالشاحنة

إن عدد المواقع والتظاهرات والتجمعات العامة الواجب حمايتها مرتفع إلى حد أن خطر وقوع هجمات دهساً بالسيارة أو الشاحنة سيستمر لسنوات عديدة بحسب الخبراء.

وقال مسؤول كبير في مكافحة الإرهاب إن "الوسيلة الوحيدة لحماية أنفسنا هي عندما يكون الحدث مقرراً مسبقاً. هنا، يمكننا اتخاذ تدابير مضادة، قطع السير في بعض الشوارع، وضع حواجز اسمنتية".

وأوضح "لنأخذ مثل أسواق عيد الميلاد في فرنسا. فبعد اعتداء نيس (جنوب شرق البلاد)، أُخذت هذه الفرضية بالطبع بعين الاعتبار".

وتابع "لكن تصوّروا الهجوم نفسه في يوم عادي من أيام الأسبوع في شهر شباط/فبراير، ليس فيه أي مناسبة محددة، على جادة الشانزيليزيه أو شارع آخر رئيسي. هنا، لا يسعكم القيام بأي شيء. يمكن أن يحصل ذلك في مكان آخر، في أي مكان في أي وقت. هنا تكمن الإشكالية الفعلية في هذه الاعتداءات: فهي هجمات مفاجئة بوسائل يسهل استخدامها".

وقال الرئيس السابق للمديرية العامة للاستخبارات الخارجية الفرنسية لودوفيك غيرينو، وهو اليوم مدير العمليات في شركة "أنتيسيب" الأمنية الخاصة، "للأسف سيترتب علينا أن نعتاد معايشة هذا الخطر، ونحن ندرك أن المهاجمين سيبدّلون حتماً طريقة عملهم وسيتكيّفون" مضيفاً "إذا رأوا أن التدابير المتخذة للتصدي لهذا الخطر تغيّرت، فسوف يغيّرون وسيلتهم".

في أيلول/سبتمبر 2014، وصف تنظيم "قاعدة الجهاد في جزيرة العرب" في مجلته الإلكترونية الدعائية "إنسباير"، كيفية استخدام آليات لتنفيذ اعتداءات.

وعرضت المجلة على غلافها صورة لشاحنة فورد ضخمة مع عنوان "آلة القتل القصوى"، موصية الجهاديين الساعين إلى تنفيذ اعتداء بـ"استخدام آلية ضخمة".

وقالت لهم "للتسبب بأضرار قصوى، عليكم أن تقودوا بأقصى سرعة ممكنة مع البقاء مسيطرين على الآلية للحصول على أكبر نسبة من الثبات حتى تتمكنوا من دهس أكبر عدد ممكن من الأشخاص".

وكان أبو محمد العدناني، المتحدّث السابق باسم داعش والذي قُتل في ضربة جوية في آب/أغسطس، قد أوصى الجهاديين الساعين إلى مهاجمة "الكفار" قائلاً "اقتلوا الكفار في أمريكا وأوروبا ... اقتلوهم بأي طريقة... حطموا رؤوسهم بالحجارة، أو اطعنوهم بالسكين، أو ادهسوهم بسياراتكم، أو ألقوهم من مكان عال".

(بتصرّف عن وكالة الصحافة الفرنسية)

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

Smoke rises as pictured from the town of Qlayaa
دخان متصاعد إثر غارة إسرائيلية على إحدى قرى جنوب لبنان- تعبيرية

بعد استقلاله في 22 نوفمبر 1946 ونهاية الانتداب الفرنسي، وجد لبنان نفسه منخرطا في أولى الحروب بين الدول العربية وإسرائيل سنة 1948. حينها، شهد جنوب لبنان معارك في جنوبه أي على الحدود مع الأراضي الفلسطينية على الرغم من بعض فترات الهدنة. 

وفي عام 1958، نتيجة التجاذبات بين مسيحيي ومسلمي لبنان على خلفية الانضمام أم لا للحرب إلى جانب الرئيس المصري جمال عبد الناصر، اختبر لبنان أزمة جديدة كادت أن تشعل حرباً أهلية.

لم يسلم لبنان من تأثيرات حرب 1967 حيث شنت الجماعات الفلسطينية المسلحة هجمات ضد إسرائيل انطلاقاً من لبنان وسوريا والأردن وحركت ردودا انتقامية من الجانب الإسرائيلي.

لكن الهدوء الحذر الذي عرفه لبنان لمدة 8 أعوام تلت، لم يكن سوى مقدمة للعاصفة التي مزقت البلاد على مدى 15 عاما، حيث اندلعت الحرب الأهلية في 1975 ولم تنته إلا عام 1990 مع توقيع اتفاق "الطائف" في المملكة العربية السعودية.

الحرب الأهلية بدأت على خلفية التوترات بين القوات الإسلامية المتحالفة مع القوات الفلسطينية المتواجدة في لبنان والمسيحيين المنحازين للغرب. شاركت قوات أجنبية، مثل سوريا كما استغلتها إسرائيل للاجتياح، وعرفت البلاد دخول قوات حفظ السلام، على غرار القوات الأممية متعددة الجنسيات. 

مزقت الحرب الأهلية لبنان على أساس طائفي ولا تزال تأثيراتها تعود لتطفو إلى السطح كلما تشنج الخطاب السياسي.

خلال الحرب الأهلية وبعدها، عاش لبنان حربا جديدة بين 1985 و2000 في الجنوب اللبناني، انتهت بالانسحاب الإسرائيلي إلى خلف ما يُعرف بالخط الأزرق. بيد أن لبنان لم يعش فترة سلام طويلة حيث استمرت التشنجات على المستوى الرسمي بين المؤيدين لوجود النظام السوري (داخل البلاد منذ بداية الحرب الأهلية) والرافضين له، فعرفت البلاد موجة من الاغتيالات التي استهدفت لاعبين رئيسيين، مثل رئيس الحكومة رفيق الحريري عام 2005.

أشعل هذا الاغتيال شرارة الغضب في الشارع اللبناني، وتلاه الانسحاب السوري الرسمي، لتسجل حينها ثورة "14 آذار" التي دعت لسيادة لبنان.

في عام 2006، لم يكد لبنان يلملم جراحه الداخلية حتى شنت إسرائيل عدواناً دام أكثر من شهر، وتسبب بخسائر هائلة على مستوى الأرواح والاقتصاد والبنى التحتية، وذلك على خلفية اختطاف حزب الله جنديين إسرائيليين. 

لم يسد الهدوء بعد انتهاء العدوان الإسرائيلي، إذ تعرض لبنان لخضة داخلية جديدة بين مايو وسبتمبر 2007 مع اندلاع معارك شمال البلاد بين مجموعة إسلامية متشددة تعرف باسم "فتح الإسلام" والجيش اللبناني في مخيم للاجئين الفلسطينيين في نهر البارد قريباً من مدينة طرابلس.

بعد ذلك بعام واحد، خضة داخلية جديدة كادت أن تجر البلاد إلى الهاوية مع أحداث السابع من مايو 2008 على خلفية قرارين من مجلس الوزراء اللبناني بمصادرة شبكة الاتصالات التابعة لسلاح الإشارة الخاص بحزب الله وإقالة قائد جهاز أمن مطار بيروت الدولي العميد وفيق شقير.

آنذاك، رأى البعض في ذلك "استهدافا للمقاومة"، ولم تتوقف التوترات إلا بعد سحب الحكومة القرارين محل النزاع. وزادت هذه الأحداث من تعميق الانقسام الطائفي.

بعدها بأربع سنوات، عاد لبنان ليشعر بوطأة الحرب الأهلية مع الحرب السورية وموجات اللجوء والانقسام الداخلي بين مؤيد للنظام ومؤيد للمعارضة. وباتت البلاد معبرا للنزوح ثم مكاناً للإقامة مع بقاء المخيمات حتى يومنا هذا.

وفي عام 2020، سجل ثاني أكبر انفجار غير نووي عرفه العالم مع انفجار مرفأ بيروت في الرابع من أغسطس، موديا بحياة أكثر من 220 شخصاً وجرح 6500 شخص، وتعميق الشرخ مع تبادل الاتهامات حول المسؤولية عن وجود مادة نيترات الأمونيوم في المرفأ، ولا تزال التحقيقات مستمرة حتى اليوم.

حاليا، بينما لا يزال لبنان يرزح تحت وطأة أثقل أزمة اقتصادية منذ "ثورة 17 تشرين الأول 2019"، تقف البلاد على شفا حرب جديدة مع تهديد إسرائيل بتوسيع عملياتها من الجنوب اللبناني لتشمل البلاد كلها.

على الرغم من عدم اليقين حول الخطوة التالية لإسرائيل، يقف لبنان أكثر من أي وقت مضى على شفير الهاوية مع الانقسام بين مؤيد للانخراط في الحرب ورافض لها.