المفكر وعالم الدين اللبناني محمد حسن الأمين/Youtube
المفكر وعالم الدين اللبناني محمد حسن الأمين/Youtube

حاوره خالد الغالي: 

يرسم الخطاب الديني الشيعي والسني صورة سوداء عن المنتمين إلى كل من الطائفتين. يصل الأمر أحيانا إلى التكفير المتبادل، بل إلى الحكم باستحلال دم المخالف، كما في بعض الكتابات المتطرفة. 

في هذا الحوار، نناقش العلامة محمد حسن الأمين، عالم الدين الشيعي والمفكر اللبناني المعروف، حول ما الذي يحتاج إلى مراجعة داخل الخطاب الديني الشيعي حول الطائفة السنية.

ما الذي في رأيكم يجب تعديله في الخطاب والتراث الشيعيين تجاه السنة من أجل تحقيق التقارب؟

لقد وقعت على خبير لا يرى سببا موجبا لأن يكون هناك خلاف أو صراع أصلا بين أي طائفة وأخرى، بين المسلمين وغير المسلمين، فكيف بالأمر إذا كان بين الشيعة والسنة. ليس هناك مبرر لقيام هذا النوع من الحساسية، ولا أعتقد أنه قائم بين المستنيرين من المذهبين، وإنما هو بين من يعيشون عصر الظلمة. وبالتالي المسألة تحتاج إلى قدر كبير من الاهتمام والتوعية، لكي لا تكون العلاقة إيجابية بين المسلمين فقط، بل بين كل الناس.

هذا صحيح، لكن يبقى في تراث الطرفين ما يمنع هذه العلاقة الإيجابية، ما الذي نحتاج إلى تغييره ضمن الخطاب الديني الشيعي؟

أعترف أن لدى الطرفين من الأحاديث والخلفية التاريخية ما يبرر، لمن يريد، أن يقيم علاقة صراع ونفي متبادل بين الشيعة والسنة. وأنا من الدعاة إلى إعادة النظر في التاريخ نفسه وإلى دراسة العوامل والأسباب التي نشأت عنها هذه الإشكالية. هذا مطلب أتوجه فيه إلى العلماء بالدرجة الأولى وجميع المستنيرين شيعة وسنة. وهو يتطلب شكلا من أشكال التلاقي والاجتماع والمؤتمرات التي تبحث هذه المسألة بحثا موضوعيا. لكن مع الأسف، مثل هذه المبادرات قليلة جدا، في حين يتطلب الأمر مبادرات أكثر جدية، خاصة في المؤتمرات التي تنعقد تحت عنوان الوحدة الإسلامية. لكنني أشعر أن لهذه المؤتمرات مضمونا يتجه نحو المجاملة أكثر مما يتجه نحو عمليات التدقيق والحل الصحيح وتعميم المفاهيم التوحيدية.

دعني أكون مباشرا، بالعودة إلى العديد من كتب الشيعة، هناك تصور سلبي حول السنة يصل أحيانا لدرجة الحديث عن حلية دم النواصب، كما في أحاديث منسوبة للإمام جعفر الصادق مثلا.

لا، النواصب ليسوا هم السنة.

بالمعنى التاريخي نعم، لكن في الواقع الحالي عندما يتحدث كثير من الشيعة عن النواصب فهم يقصدون السنة، وعندما يتحدث كثير من السنة عن الروافض فهم يقصدون الشيعة.

من وجهة نظري أن العالم الإسلامي في أكثريته الساحقة لا يزال يعيش في قرون ما قبل الاستنارة والنهضة التي يدعو إليها الإسلام. وهذه الظواهر التي تتكلم عنها ليس لها مصدر سوى الجهل والتخلف. أحيانا أصل إلى أن أقول لا تعلموا أولادكم الدين، علموهم الثقافة وعلوم العقل ولا تكثروا من التعاليم الدينية، لأن كل جيل عندما يريد أن ينشئ أبناءه تنشئة دينية يزودهم بمثل المقولات التي ذكرتها.

كيف نتعامل مع هذه المقولات؟ حلية دم وكفر من ينكر الإمامة في بعض الكتب الشيعية مثلا؟

هذا كذب صراح على الشيعة، كما يوجد كذب صراح على السنة عندما يقال إنهم يعتبرون المذاهب الشيعية كلها من الرافضة. السنة لا يعتبرون الشيعية الإثني عشرية الذين يمثلون في الواقع الشيعة حاليا من الروافض، وإنما يعتبرونهم على مذهب جعفر الصادق. المستنيرون من الطرفين، سنة وشيعة، يرفضون مثل هذه الأحاديث ويعتبرون أنها وضعت في مراحل تاريخية كانت تشهد صراعا سياسيا. ليس كل ما ورد باسم الشيعة مقدسا وصحيحا، وليس كل ما ورد باسم السنة مقدسا وصحيحا. تسألني: كيف نعالج هذا الأمر؟ جوابي: بالعلم والمعرفة والتفكير الجدي والسليم في ضرورة التفاعل والتعاون المشترك بين جميع المذاهب الإسلامية. 

لكن هذه الأحاديث والمقولات موجودة في أمهات الكتب؟

أنا لا أومن بها إطلاقا. أنا فقيه وعالم دين، وأعرف عن علم أن السني مسلم كما الشيعي مسلم. لكن لا أنكر أن هناك عقولا مريضة تبحث في الكتب الصفراء عن أحاديث موضوعة لكي تتاجر بها على المستوى الطائفي.

هي ليست كتبا صفراء، إنما الكتب المعروفة المعتمدة؟

حتى لو كانت هذه الأحاديث في الكتب المعروفة المعتمدة. فلا يعني كون الكتب معتمدة أن كل أحاديثها صحيحة. لا يوجد مقدس غير القرآن والسنة النبوية الثابتة التي لا يدخلها تشكيك. لذا يجب العودة إلى اللقاء والبحث والاعتراف بأن في كتبنا، كما في كتب السنة، من التطرف ما يجب أن نزيله. أنا عندما يقول لي شخص إن السني ناصبي يجوز قتله، أقول له إن فيما تقول كفرا بالإسلام، لأن الإسلام جاء من أجل أن نتعايش ونتفاعل.

بالحديث عن التعايش، تراجعت بشدة جهود التقارب بين المذاهب الإسلامية. لماذا برأيك؟

أستطيع أن أحكي حول هذه المسألة ما يملأ ألف صفحة. لكنني أجمل كل ذلك في عنوان رئيسي هو التخلف. لو كنا شعبا متقدما فكريا واقتصاديا وسياسيا، هل كنا سنتلهى بمثل هذه القشور. نحن مجتمع متخلف والمجتمعات المتخلفة تكون صراعاتها دائما ذات طابع ديني، لأن كل طرف يستخدم الدين لإضفاء القداسة على مواقفه العدائية تجاه الآخر.

ولكن هناك أيضا ما يتعلق بسب الصحابة كما في كتاب "بحار الأنوار" لمحمد باقر المجلسي؟ وهو أحد كتب الحديث المشهورة لدى الشيعة.

كتاب البحار لا أقتنيه أصلا ولا أهتم به. وفي رأيي أنه كتاب يجب إعادة النظر فيه كله وليس في بعض أجزائه. نحن ضحايا هذا التراث الذي تحول إلى عبء علينا، بينما التراث يفترض أن يكون شعلة مضيئة نهتدي بها. تراثنا يحتاج إلى عمل كبير لتنقيته وتصفيته ومحاكمته.

لماذا لا توجد الجرأة لمحاكمة التراث؟ المحاولات الموجودة لحد الساعة قليلة ومحتشمة.

أنا معك في هذا. المحاولات قليلة وخجولة. لذا أدعو المخلصين إلى أن يكون هناك لقاء على مستوى المذاهب الإسلامية لبدء عملية جذرية لتطهير التراث.

هل كون المحاولات خجولة هو نتيجة الخوف من رد فعل الشارع؟

ومن جعل الشارع شرسا على الصعيد المذهبي ومتخلفا في الأصل؟ أعتقد أن المسؤولين، سواء كانوا سياسيين أو رجال دين، هم من جعل الشارع على هذه الدرجة من الشراسة. هناك خوف ربما، لكن هناك أيضا رغبة. فمن قال إن هؤلاء المسؤولين لا يتاجرون في الدين؟

المتطرفون لا يخافون أحدا، وإنما يتاجرون. فأنا عندما أقول لجماعتي وقومي أنتم على حق والآخرون على باطل وعلينا التوحد لمهاجمتهم، لا أكون خائفا بل متاجرا وفاسدا أخلاقيا لأني أريد ان أكسب من التطرف.

لكن للشارع أيضا دور، تذكر الهجوم الشرس الذي شن على الشيخ محمد حسين فضل الله عندما شكك في رواية كسر ضلع فاطمة الزهراء.

أليس دور العالم أن يتعرض للنقد ويسمع كلاما سلبيا في سبيل قول صحيح يقوله أو مبدأ يعلنه. إذا كانت هناك غوغاء وعامة جاهلة تسلط عليه شتائمها فهل يجوز له أن يخضع لها؟ لا. العالم والداعية يجب أن يكون شجاعا وجريئا.

في رأيكم، من هي المؤسسة العلمية الشيعية القادرة الآن على التكفل بمهمة إصلاح التراث الشيعي؟

يجب على الحوزات العلمية أن تعمل في هذا المجال، ويجب على إيران (أكبر دولة شيعية) أن تبادر إلى هذا الأمر، وتضع كفاءاتها وإمكانياتها من أجله، إذا كانت مخلصة فعلا للتشيع وللإسلام.. لكنني لا أستطيع أن أدعي أن هناك مؤسسة شيعية الآن مؤهلة لأن تقوم بدور إصلاح التراث الشيعي. لذا أدعو إلى قيام مؤسسة شيعية وسنية للقيام بهذه المهمة.

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

 

 

 

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

توزيع المعونات الغذائية على المحتاجين في بيروت
برنامج الأغذية العالمي قام بتخفيض عدد الأشخاص الذين يتلقون المساعدة

في أحد أزقة طرابلس شمالي لبنان، يخوض عباس يومياً معركة بحث مرهقة عن لقمة عيش تكفي لسد رمق عائلته الصغيرة، ففي ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تضرب البلاد، أصبح تأمين الطعام كابوساً يلاحق الوالد لطفلين، الذي يصارع كل يوم لبقائهما على قيد الحياة بعيداً عن براثن الجوع.

"حتى الدجاج المشوي، الذي لم يكن يعد يوماً وجبة فاخرة، أصبح الآن حلماً"، يقول عباس بغصة، ويضيف: "الأسبوع الماضي، طلبت طفلتي تناوله ولم أكن أملك المال لتحقيق أمنيتها، وعندما أخبرت جاري بالأمر سارع واشترى لها نصف دجاجة".

أما السمك، فلم يدخل منزل عباس منذ سنوات، وطفلاه لا يعرفان طعمه. ويقول لموقع "الحرة": "حتى الشوكولاتة، التي تعتبر من الأشياء البسيطة في حياة الأطفال، أعجز عن شرائها لصغيريّ".

يشير التحليل الذي أجراه برنامج الأغذية العالمي ضمن التصنيف المرحلي للأمن الغذائي، إلى زيادة مقلقة في نسبة السكان الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد في لبنان.

وحسب التصنيف المرحلي المحدث، من المتوقع أن ترتفع هذه النسبة من 19 بالمئة في الفترة ما بين أكتوبر 2023 ومارس 2024، إلى 23 بالمئة في الفترة ما بين أبريل وسبتمبر 2024.

وكان تقرير للبنك الدولي، أفاد بأن الفقر في لبنان تضاعف أكثر من 3 أضعاف خلال العقد الماضي، ليصل إلى 44 في المئة من السكان.

أزمة تعصف بمئات الآلاف  

يعيش عباس حياة مليئة بالمعاناة، إذ يعمل في فرن مقابل 10 دولارات يومياً، لكن حالته الصحية تعوق قدرته على العمل بانتظام. ويقول: "أعيش في خوف دائم على صحة طفليّ اللذين لا يتناولان سوى الحبوب، فحتى الخضراوات والفواكه أصبح ثمنها باهظاً، فكيف إذاً باللحوم والألبان والأجبان".

تزداد الأمور سوءاً مع انقطاع الكهرباء وعدم قدرة عباس على الاشتراك في مولد كهربائي خاص، ويشير إلى أن جاره أشفق عليه، فمد له سلكاً كهربائياً من الطاقة الشمسية الخاصة بمنزله، لتشغيل لمبة واحدة علّها تخفف عن العائلة عتمة الأيام.

يتمنى عباس الموت عدة مرات خلال حديثه، ويشدد: "ربما الرحيل عن هذه الأرض أفضل من أن أرى طفليّ محرومين من أبسط احتياجاتهما. أحلم بأيام أفضل لهما، أريد أن أراهما يضحكان ويلعبان كأي أطفال آخرين، لكن الواقع المرير يجعلني أشعر بالعجز واليأس".

من جانبه، يعرب رئيس اتحاد روابط مخاتير عكار، مختار بلدة ببنين، زاهر الكسار، عن بالغ قلقه إزاء تفاقم أزمة الفقر في لبنان، مشيراً إلى أن التدهور الاقتصادي الحاد الذي أدى إلى فقدان عدد كبير من المواطنين لوظائفهم أو لمدخراتهم في المصارف إضافة إلى تآكل قيمة الرواتب نتيجة ارتفاع سعر صرف الدولار، دفع العديد من العائلات إلى حافة الهاوية، حيث باتت تعتمد على التسول لتأمين أبسط مقومات الحياة، مثل المأكل والمشرب والأدوية والإيجارات.

يتواصل عدد كبير من المواطنين يومياً مع الكسار، طالبين مساعدة مالية أو عينية. ويشدد في حديثه لموقع "الحرة" على أن "العديد منهم يعجزون عن توفير وجبات غذائية كافية لأسرهم، وإن كانت من الخضراوات والفاكهة، أو عن دفع رسوم التسجيل المدرسية الجديدة في المدارس الرسمية، التي تبلغ حوالي 50 دولاراً، حيث تعتبر عبئاً كبيراً عليهم".

وفيما يتعلق بأسعار الفواكه والخضراوات، يوضّح رئيس تجمع الفلاحين والمزارعين في البقاع، إبراهيم الترشيشي، لموقع "الحرة" أن "الأسواق تشهد توفر جميع أنواعها بأسعار مستقرة بشكل عام، إلا أن أسعار العنب والبطاطس تعتبر استثناء، حيث ارتفعت بسبب عوامل عالمية مثل زيادة الطلب على العنب ونقص الإنتاج العالمي للبطاطس".

لكن ما هو مؤكد.. أن لبنان يشهد تزايداً حاداً في أزمة انعدام الأمن الغذائي، كما يقول الباحث في المعهد اللبناني لدراسات السوق، خالد أبو شقرا، مضيفا: "يؤثر ذلك بشكل مباشر على مختلف فئات المجتمع اللبناني، التي تشمل وفق تقرير برنامج الأغذية العالمي، اللبنانيين، والنازحين السوريين واللاجئين الفلسطينيين المقيمين في لبنان، والقادمين من سوريا".

5 مراحل

ويعتمد تصنيف الأمن الغذائي لبرنامج الأغذية العالمي على مؤشر يقسّم السكان ضمن 5 مراحل، كما يشرح أبو شقرا لموقع "الحرة"، "بدءاً من مرحلة الإجهاد، حيث يعاني الأفراد من صعوبات في تأمين الغذاء، وصولاً إلى المرحلتين المتأزمة والطوارئ".

ويشدد على أن لبنان لم يصل بعد إلى مرحلة الطوارئ الكارثية، "لكن الزيادة الملحوظة في عدد الأشخاص الذين يعيشون في مراحل انعدام الأمن الغذائي المتقدمة تدل على تفاقم الأزمة".

وتتركز أزمة انعدام الأمن الغذائي بشكل كبير في المرحلتين الثالثة والرابعة، وفق أبو شقرا، "حيث سيعاني حوالي 41,000 لبناني من سوء التغذية الحاد في المرحلة الرابعة بين أبريل وسبتمبر 2024، بينما تضم المرحلة الثالثة، وهي المرحلة المتأزمة، العدد الأكبر من المتضررين، الذي سيبلغ 642,000 شخص وفق تقرير برنامج الأغذية العالمي".

وما زاد الطين بلّة، أنه "بسبب نقص التمويل ونتائج إعادة الاستهداف، قام برنامج الأغذية العالمي بتخفيض عدد الأشخاص الذين يتلقون المساعدة بنسبة 39 بالمئة اعتباراً من يونيو 2024 مقارنة بعام 2023. وفي النصف الأول من عام 2024، شهد عدد المستفيدين من المساعدات انخفاضاً مماثلاً بنسبة 39 بالمئة مقارنة بالعام 2023" كما ذكر البرنامج في تقريره.

كواليس الكارثة

تفاقمت كارثة انعدام الأمن الغذائي في لبنان بسبب مجموعة من العوامل، أبرزها كما يشرح أبو شقرا "استمرار الصراع المسلح على جبهة جنوب لبنان، الذي أدى إلى نزوح أعداد كبيرة من السكان من المناطق الحدودية، حيث يضطر النازحون إلى ترك مصادر رزقهم مثل الزراعة وتربية المواشي والأعمال التجارية الصغيرة، مما يزيد من معدلات الفقر والبطالة. وتشير التقديرات إلى أن عدد النازحين قد يرتفع من 100,000 إلى 140,000 شخص، مما سيعمق الأزمة الإنسانية".

أما السبب الثاني، فيكمن كما يقول أبو شقرا، في "ارتفاع الأسعار بشكل ملحوظ، حيث تشير البيانات الرسمية الصادرة عن مركز الإحصاء المركزي إلى ارتفاع مؤشر الأسعار بنسبة 35 بالمئة بين يوليو 2023 ويوليو 2024، أي بمعنى آخر، ارتفعت تكلفة المعيشة بشكل كبير خلال هذه الفترة".

من جهة أخرى،" تؤكد دراسات جمعية حماية المستهلك على استمرار هذا الارتفاع، لاسيما في السلع الأساسية، بنسبة 8 بالمئة خلال الربع الثاني من العام 2024، مشيرة إلى ارتفاعات أكبر في قطاعات محددة مثل النقل (30%) والخضار (15%) والمستلزمات المنزلية (20%)".

هذا الارتفاع المتسارع في الأسعار، رغم استقرار سعر الصرف، يؤدي "إلى تآكل القدرة الشرائية للمواطنين ويزيد من حدة الأزمة المعيشية، لاسيما فيما يتعلق بالأمن الغذائي".

يضاف إلى ذلك، حسب أبو شقرا، "تراجع الدعم الاجتماعي، حيث تواجه البرامج الاجتماعية في لبنان صعوبات، مما زاد من معاناة الأسر الأكثر فقراً، فعلى سبيل المثال توقف برنامج الدعم الوطني للأسر الأكثر فقراً، الذي يعتبر شريان حياة للعديد من العائلات اللبنانية، بعد نفاد التمويل المخصص له. ورغم موافقة المجلس النيابي اللبناني على تخصيص تمويل جديد،فإن الخلافات حول كيفية إدارة هذا التمويل أدت إلى تعليق البرنامج".

وكان برنامج الدعم الوطني، يعتمد في المرحلة الأولى، كما يشرح الباحث في المعهد اللبناني لدراسات السوق، "على قرض من البنك الدولي بقيمة 250 مليون دولار، الذي استنفد أواخر عام 2023. وبعد موافقة المجلس النيابي على قرض ثانٍ بقيمة 300 مليون دولار، كان من المتوقع أن يستفيد منه حوالي 150 ألف أسرة".

ومع ذلك، "تعثر تنفيذ القرض الثاني بسبب خلاف حول آلية توزيع المساعدات. فبينما اشترط مجلس النواب أن يكون مجلس الوزراء مسؤولاً عن إدارة هذا التمويل، رفض البنك الدولي ذلك. هذا الخلاف أدى إلى تعليق صرف الأموال منذ عدة أشهر، مما زاد من معاناة الأسر الفقيرة وحرمها من الدعم الذي تحتاجه لتلبية احتياجاتها الأساسية".

علاوة على ذلك، "تراجعت المنظمات الدولية مثل مفوضية شؤون اللاجئين واليونيسيف وبرنامج الأغذية العالمي في تقديماتها الغذائية والنقدية"، حسب أبو شقرا.

وفي السياق "الميكرو اقتصادي"، يعاني الاقتصاد اللبناني وفق ما يقوله أبو شقرا "من صعوبات في تحقيق النمو بسبب تراجع السياحة وتقلص النشاطات الاقتصادية نتيجة المعارك الدائرة على الحدود، مما أدى إلى تقليص معدلات النمو المتوقعة وارتفاع عدد الأشخاص الذين يعيشون تحت خط الفقر".

أما برنامج الأغذية العالمي فيشير إلى أن لبنان يواصل في عام 2024 مواجهة أزمة اجتماعية واقتصادية وسياسية، بما في ذلك الفراغ الرئاسي المطول وتصاعد التوترات على طول حدوده الجنوبية منذ أكتوبر 2023.  

ويشرح البرنامج في تقريره أن "الاشتباكات المستمرة على الحدود الجنوبية أدت إلى نزوح أكثر من 97 ألف شخص، مما زاد من هشاشة الأسر. وتؤدي الصعوبات الاقتصادية، وفقدان الوظائف، وخفض المساعدات الإنسانية، وعدم الاستقرار السياسي، إلى تفاقم التوترات بين المجتمعات المضيفة واللاجئين".

تداعيات خطيرة

يعد نقص الغذاء الكافي "مشكلة تتجاوز مجرد الشعور بالجوع، فهو يمثل تهديداً مباشراً للصحة العامة"، وفقاً لما تؤكده أخصائية التغذية ودكتورة الصحة العامة، ميرنا الفتى.  

وتشير الفتى في حديث لموقع "الحرة"، إلى أن "عدم الحصول على نظام غذائي متوازن وغني بالعناصر الغذائية الأساسية يؤدي إلى اضطراب في وظائف الجسم، مما يزيد من خطر الإصابة بالأمراض المرتبطة بسوء التغذية".

وتشدد على أن "تناول الحبوب وحدها قد يوفر كمية من البروتينات، لكنه لا يغطي جميع الأنواع الضرورية منها، ما قد يتسبب في مشاكل هضمية مثل اضطرابات القولون وصعوبة الهضم، وربما يؤدي إلى عفونة في المعدة."

وفيما يتعلق بتأثير نقص الغذاء على الأطفال، تحذر الفتى من أن "سوء التغذية يعرضهم لخطر التأخر في النمو البدني والعقلي، وضعف جهاز المناعة، مما يجعلهم أكثر عرضة للأمراض المعدية",

وتضيف: "على المدى الطويل، يؤدي سوء التغذية إلى التقزم، وهي حالة لا يصل فيها الأطفال إلى الطول المناسب لعمرهم، إضافة إلى تأثيره على التركيز والأداء الأكاديمي الذي يؤثر بدوره على مستقبلهم المهني والاجتماعي".

تأثير سوء التغذية لا يقتصر على الأطفال فحسب، بل يمتد ليشمل البالغين أيضاً، إذ تقول الفتى إن "الأشخاص الذين يعانون من سوء التغذية يكونون أكثر عرضة للإصابة بالأمراض المزمنة مثل السكري وأمراض القلب، وتقل قدرتهم على الحركة، بالإضافة إلى ذلك، يتأثر الجانب النفسي أيضاً، حيث يعاني من يعيشون في ظل انعدام الأمن الغذائي من الإجهاد النفسي والقلق والاكتئاب".  

لذلك تؤكد على ضرورة "توفير الغذاء المتوازن والمتكامل لجميع الفئات العمرية لتجنب المخاطر الصحية المرتبطة بسوء التغذية".

ويلقي الكسار باللائمة على السلطة السياسية في لبنان لما آلت إليه أوضاع المواطنين، مشيراً إلى أنه "لا يمكن الاعتماد فقط على جهود المخاتير والمجتمع المدني والبلديات في مساعدة الفقراء، ولا على أموال المغتربين التي تدعم عدداً كبيراً من العائلات".

ووفقاً لتقديرات البنك الدولي، فقد بلغت تحويلات المغتربين إلى لبنان نحو 6 مليارات دولار أميركي في عام 2023، ليحتل لبنان بذلك المركز الثالث إقليمياً بعد مصر (19.5 مليار دولار) والمغرب (11.8 مليار دولار).

ويطالب الكسار الحكومة اللبنانية بـ"تحمل مسؤولياتها واتخاذ إجراءات عاجلة لإنقاذ المواطنين من الحالة المأساوية التي يعيشونها"، مشدداً على ضرورة معالجة أسباب الفقر من خلال "التفاوض مع المؤسسات الدولية لتأمين قروض ومساعدات، وزيادة الاستثمارات في القطاعات الإنتاجية، وتوسيع شبكات الأمان الاجتماعي".