المفكر وعالم الدين اللبناني محمد حسن الأمين/Youtube
المفكر وعالم الدين اللبناني محمد حسن الأمين/Youtube

حاوره خالد الغالي: 

يرسم الخطاب الديني الشيعي والسني صورة سوداء عن المنتمين إلى كل من الطائفتين. يصل الأمر أحيانا إلى التكفير المتبادل، بل إلى الحكم باستحلال دم المخالف، كما في بعض الكتابات المتطرفة. 

في هذا الحوار، نناقش العلامة محمد حسن الأمين، عالم الدين الشيعي والمفكر اللبناني المعروف، حول ما الذي يحتاج إلى مراجعة داخل الخطاب الديني الشيعي حول الطائفة السنية.

ما الذي في رأيكم يجب تعديله في الخطاب والتراث الشيعيين تجاه السنة من أجل تحقيق التقارب؟

لقد وقعت على خبير لا يرى سببا موجبا لأن يكون هناك خلاف أو صراع أصلا بين أي طائفة وأخرى، بين المسلمين وغير المسلمين، فكيف بالأمر إذا كان بين الشيعة والسنة. ليس هناك مبرر لقيام هذا النوع من الحساسية، ولا أعتقد أنه قائم بين المستنيرين من المذهبين، وإنما هو بين من يعيشون عصر الظلمة. وبالتالي المسألة تحتاج إلى قدر كبير من الاهتمام والتوعية، لكي لا تكون العلاقة إيجابية بين المسلمين فقط، بل بين كل الناس.

هذا صحيح، لكن يبقى في تراث الطرفين ما يمنع هذه العلاقة الإيجابية، ما الذي نحتاج إلى تغييره ضمن الخطاب الديني الشيعي؟

أعترف أن لدى الطرفين من الأحاديث والخلفية التاريخية ما يبرر، لمن يريد، أن يقيم علاقة صراع ونفي متبادل بين الشيعة والسنة. وأنا من الدعاة إلى إعادة النظر في التاريخ نفسه وإلى دراسة العوامل والأسباب التي نشأت عنها هذه الإشكالية. هذا مطلب أتوجه فيه إلى العلماء بالدرجة الأولى وجميع المستنيرين شيعة وسنة. وهو يتطلب شكلا من أشكال التلاقي والاجتماع والمؤتمرات التي تبحث هذه المسألة بحثا موضوعيا. لكن مع الأسف، مثل هذه المبادرات قليلة جدا، في حين يتطلب الأمر مبادرات أكثر جدية، خاصة في المؤتمرات التي تنعقد تحت عنوان الوحدة الإسلامية. لكنني أشعر أن لهذه المؤتمرات مضمونا يتجه نحو المجاملة أكثر مما يتجه نحو عمليات التدقيق والحل الصحيح وتعميم المفاهيم التوحيدية.

دعني أكون مباشرا، بالعودة إلى العديد من كتب الشيعة، هناك تصور سلبي حول السنة يصل أحيانا لدرجة الحديث عن حلية دم النواصب، كما في أحاديث منسوبة للإمام جعفر الصادق مثلا.

لا، النواصب ليسوا هم السنة.

بالمعنى التاريخي نعم، لكن في الواقع الحالي عندما يتحدث كثير من الشيعة عن النواصب فهم يقصدون السنة، وعندما يتحدث كثير من السنة عن الروافض فهم يقصدون الشيعة.

من وجهة نظري أن العالم الإسلامي في أكثريته الساحقة لا يزال يعيش في قرون ما قبل الاستنارة والنهضة التي يدعو إليها الإسلام. وهذه الظواهر التي تتكلم عنها ليس لها مصدر سوى الجهل والتخلف. أحيانا أصل إلى أن أقول لا تعلموا أولادكم الدين، علموهم الثقافة وعلوم العقل ولا تكثروا من التعاليم الدينية، لأن كل جيل عندما يريد أن ينشئ أبناءه تنشئة دينية يزودهم بمثل المقولات التي ذكرتها.

كيف نتعامل مع هذه المقولات؟ حلية دم وكفر من ينكر الإمامة في بعض الكتب الشيعية مثلا؟

هذا كذب صراح على الشيعة، كما يوجد كذب صراح على السنة عندما يقال إنهم يعتبرون المذاهب الشيعية كلها من الرافضة. السنة لا يعتبرون الشيعية الإثني عشرية الذين يمثلون في الواقع الشيعة حاليا من الروافض، وإنما يعتبرونهم على مذهب جعفر الصادق. المستنيرون من الطرفين، سنة وشيعة، يرفضون مثل هذه الأحاديث ويعتبرون أنها وضعت في مراحل تاريخية كانت تشهد صراعا سياسيا. ليس كل ما ورد باسم الشيعة مقدسا وصحيحا، وليس كل ما ورد باسم السنة مقدسا وصحيحا. تسألني: كيف نعالج هذا الأمر؟ جوابي: بالعلم والمعرفة والتفكير الجدي والسليم في ضرورة التفاعل والتعاون المشترك بين جميع المذاهب الإسلامية. 

لكن هذه الأحاديث والمقولات موجودة في أمهات الكتب؟

أنا لا أومن بها إطلاقا. أنا فقيه وعالم دين، وأعرف عن علم أن السني مسلم كما الشيعي مسلم. لكن لا أنكر أن هناك عقولا مريضة تبحث في الكتب الصفراء عن أحاديث موضوعة لكي تتاجر بها على المستوى الطائفي.

هي ليست كتبا صفراء، إنما الكتب المعروفة المعتمدة؟

حتى لو كانت هذه الأحاديث في الكتب المعروفة المعتمدة. فلا يعني كون الكتب معتمدة أن كل أحاديثها صحيحة. لا يوجد مقدس غير القرآن والسنة النبوية الثابتة التي لا يدخلها تشكيك. لذا يجب العودة إلى اللقاء والبحث والاعتراف بأن في كتبنا، كما في كتب السنة، من التطرف ما يجب أن نزيله. أنا عندما يقول لي شخص إن السني ناصبي يجوز قتله، أقول له إن فيما تقول كفرا بالإسلام، لأن الإسلام جاء من أجل أن نتعايش ونتفاعل.

بالحديث عن التعايش، تراجعت بشدة جهود التقارب بين المذاهب الإسلامية. لماذا برأيك؟

أستطيع أن أحكي حول هذه المسألة ما يملأ ألف صفحة. لكنني أجمل كل ذلك في عنوان رئيسي هو التخلف. لو كنا شعبا متقدما فكريا واقتصاديا وسياسيا، هل كنا سنتلهى بمثل هذه القشور. نحن مجتمع متخلف والمجتمعات المتخلفة تكون صراعاتها دائما ذات طابع ديني، لأن كل طرف يستخدم الدين لإضفاء القداسة على مواقفه العدائية تجاه الآخر.

ولكن هناك أيضا ما يتعلق بسب الصحابة كما في كتاب "بحار الأنوار" لمحمد باقر المجلسي؟ وهو أحد كتب الحديث المشهورة لدى الشيعة.

كتاب البحار لا أقتنيه أصلا ولا أهتم به. وفي رأيي أنه كتاب يجب إعادة النظر فيه كله وليس في بعض أجزائه. نحن ضحايا هذا التراث الذي تحول إلى عبء علينا، بينما التراث يفترض أن يكون شعلة مضيئة نهتدي بها. تراثنا يحتاج إلى عمل كبير لتنقيته وتصفيته ومحاكمته.

لماذا لا توجد الجرأة لمحاكمة التراث؟ المحاولات الموجودة لحد الساعة قليلة ومحتشمة.

أنا معك في هذا. المحاولات قليلة وخجولة. لذا أدعو المخلصين إلى أن يكون هناك لقاء على مستوى المذاهب الإسلامية لبدء عملية جذرية لتطهير التراث.

هل كون المحاولات خجولة هو نتيجة الخوف من رد فعل الشارع؟

ومن جعل الشارع شرسا على الصعيد المذهبي ومتخلفا في الأصل؟ أعتقد أن المسؤولين، سواء كانوا سياسيين أو رجال دين، هم من جعل الشارع على هذه الدرجة من الشراسة. هناك خوف ربما، لكن هناك أيضا رغبة. فمن قال إن هؤلاء المسؤولين لا يتاجرون في الدين؟

المتطرفون لا يخافون أحدا، وإنما يتاجرون. فأنا عندما أقول لجماعتي وقومي أنتم على حق والآخرون على باطل وعلينا التوحد لمهاجمتهم، لا أكون خائفا بل متاجرا وفاسدا أخلاقيا لأني أريد ان أكسب من التطرف.

لكن للشارع أيضا دور، تذكر الهجوم الشرس الذي شن على الشيخ محمد حسين فضل الله عندما شكك في رواية كسر ضلع فاطمة الزهراء.

أليس دور العالم أن يتعرض للنقد ويسمع كلاما سلبيا في سبيل قول صحيح يقوله أو مبدأ يعلنه. إذا كانت هناك غوغاء وعامة جاهلة تسلط عليه شتائمها فهل يجوز له أن يخضع لها؟ لا. العالم والداعية يجب أن يكون شجاعا وجريئا.

في رأيكم، من هي المؤسسة العلمية الشيعية القادرة الآن على التكفل بمهمة إصلاح التراث الشيعي؟

يجب على الحوزات العلمية أن تعمل في هذا المجال، ويجب على إيران (أكبر دولة شيعية) أن تبادر إلى هذا الأمر، وتضع كفاءاتها وإمكانياتها من أجله، إذا كانت مخلصة فعلا للتشيع وللإسلام.. لكنني لا أستطيع أن أدعي أن هناك مؤسسة شيعية الآن مؤهلة لأن تقوم بدور إصلاح التراث الشيعي. لذا أدعو إلى قيام مؤسسة شيعية وسنية للقيام بهذه المهمة.

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

 

 

 

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

Smoke rises as pictured from the town of Qlayaa
دخان متصاعد إثر غارة إسرائيلية على إحدى قرى جنوب لبنان- تعبيرية

بعد استقلاله في 22 نوفمبر 1946 ونهاية الانتداب الفرنسي، وجد لبنان نفسه منخرطا في أولى الحروب بين الدول العربية وإسرائيل سنة 1948. حينها، شهد جنوب لبنان معارك في جنوبه أي على الحدود مع الأراضي الفلسطينية على الرغم من بعض فترات الهدنة. 

وفي عام 1958، نتيجة التجاذبات بين مسيحيي ومسلمي لبنان على خلفية الانضمام أم لا للحرب إلى جانب الرئيس المصري جمال عبد الناصر، اختبر لبنان أزمة جديدة كادت أن تشعل حرباً أهلية.

لم يسلم لبنان من تأثيرات حرب 1967 حيث شنت الجماعات الفلسطينية المسلحة هجمات ضد إسرائيل انطلاقاً من لبنان وسوريا والأردن وحركت ردودا انتقامية من الجانب الإسرائيلي.

لكن الهدوء الحذر الذي عرفه لبنان لمدة 8 أعوام تلت، لم يكن سوى مقدمة للعاصفة التي مزقت البلاد على مدى 15 عاما، حيث اندلعت الحرب الأهلية في 1975 ولم تنته إلا عام 1990 مع توقيع اتفاق "الطائف" في المملكة العربية السعودية.

الحرب الأهلية بدأت على خلفية التوترات بين القوات الإسلامية المتحالفة مع القوات الفلسطينية المتواجدة في لبنان والمسيحيين المنحازين للغرب. شاركت قوات أجنبية، مثل سوريا كما استغلتها إسرائيل للاجتياح، وعرفت البلاد دخول قوات حفظ السلام، على غرار القوات الأممية متعددة الجنسيات. 

مزقت الحرب الأهلية لبنان على أساس طائفي ولا تزال تأثيراتها تعود لتطفو إلى السطح كلما تشنج الخطاب السياسي.

خلال الحرب الأهلية وبعدها، عاش لبنان حربا جديدة بين 1985 و2000 في الجنوب اللبناني، انتهت بالانسحاب الإسرائيلي إلى خلف ما يُعرف بالخط الأزرق. بيد أن لبنان لم يعش فترة سلام طويلة حيث استمرت التشنجات على المستوى الرسمي بين المؤيدين لوجود النظام السوري (داخل البلاد منذ بداية الحرب الأهلية) والرافضين له، فعرفت البلاد موجة من الاغتيالات التي استهدفت لاعبين رئيسيين، مثل رئيس الحكومة رفيق الحريري عام 2005.

أشعل هذا الاغتيال شرارة الغضب في الشارع اللبناني، وتلاه الانسحاب السوري الرسمي، لتسجل حينها ثورة "14 آذار" التي دعت لسيادة لبنان.

في عام 2006، لم يكد لبنان يلملم جراحه الداخلية حتى شنت إسرائيل عدواناً دام أكثر من شهر، وتسبب بخسائر هائلة على مستوى الأرواح والاقتصاد والبنى التحتية، وذلك على خلفية اختطاف حزب الله جنديين إسرائيليين. 

لم يسد الهدوء بعد انتهاء العدوان الإسرائيلي، إذ تعرض لبنان لخضة داخلية جديدة بين مايو وسبتمبر 2007 مع اندلاع معارك شمال البلاد بين مجموعة إسلامية متشددة تعرف باسم "فتح الإسلام" والجيش اللبناني في مخيم للاجئين الفلسطينيين في نهر البارد قريباً من مدينة طرابلس.

بعد ذلك بعام واحد، خضة داخلية جديدة كادت أن تجر البلاد إلى الهاوية مع أحداث السابع من مايو 2008 على خلفية قرارين من مجلس الوزراء اللبناني بمصادرة شبكة الاتصالات التابعة لسلاح الإشارة الخاص بحزب الله وإقالة قائد جهاز أمن مطار بيروت الدولي العميد وفيق شقير.

آنذاك، رأى البعض في ذلك "استهدافا للمقاومة"، ولم تتوقف التوترات إلا بعد سحب الحكومة القرارين محل النزاع. وزادت هذه الأحداث من تعميق الانقسام الطائفي.

بعدها بأربع سنوات، عاد لبنان ليشعر بوطأة الحرب الأهلية مع الحرب السورية وموجات اللجوء والانقسام الداخلي بين مؤيد للنظام ومؤيد للمعارضة. وباتت البلاد معبرا للنزوح ثم مكاناً للإقامة مع بقاء المخيمات حتى يومنا هذا.

وفي عام 2020، سجل ثاني أكبر انفجار غير نووي عرفه العالم مع انفجار مرفأ بيروت في الرابع من أغسطس، موديا بحياة أكثر من 220 شخصاً وجرح 6500 شخص، وتعميق الشرخ مع تبادل الاتهامات حول المسؤولية عن وجود مادة نيترات الأمونيوم في المرفأ، ولا تزال التحقيقات مستمرة حتى اليوم.

حاليا، بينما لا يزال لبنان يرزح تحت وطأة أثقل أزمة اقتصادية منذ "ثورة 17 تشرين الأول 2019"، تقف البلاد على شفا حرب جديدة مع تهديد إسرائيل بتوسيع عملياتها من الجنوب اللبناني لتشمل البلاد كلها.

على الرغم من عدم اليقين حول الخطوة التالية لإسرائيل، يقف لبنان أكثر من أي وقت مضى على شفير الهاوية مع الانقسام بين مؤيد للانخراط في الحرب ورافض لها.