ساهم المواطنون في إلقاء القبض على 300 من مقاتلي داعش/Shutterstock
أشار التحقيق إلى أن حوالي 20 بالمئة من المقاتلين حصلوا على الإعانات الاجتماعية/Shutterstock

المغرب - عبد العالي زينون:

ظل تنظيم داعش لسنوات يحصل على تمويلات غير مباشرة بفضل مقاتليه المنحدرين من أصول فرنسية الذين كانوا يتلقون أموالا وتعويضات من مؤسسات الضمان الاجتماعي.

هذا ما كشف عنه تحقيق حول مصادر تمويل داعش في فرنسا وأوروبا، أجرته وحدة مكافحة الجريمة في فرنسا بالتعاون مع مؤسسات أوروبية.

تمويل سري

وسائل إعلام فرنسية وبريطانية كشفت، طوال الأسبوع الماضي، أن سوء تدقيق مؤسسات الضمان الاجتماعي في فرنسا مكن من استمرار تلقي الجهاديين الفرنسيين لمستحقات الضمان الاجتماعي رغم انضمامهم إلى داعش.

وشكل هذا دعما مباشرا للتنظيم الذي يوجد على وشك الانهيار، بعد خسارته جل مناطق سيطرته في العراق وسورية.

وكشف تحقيق باشرته منذ عام 2015 وحدة مكافحة الجريمة في فرنسا، بالتعاون مع وكالات أمنية أوروبية، أن ما يناهز 100 مقاتل فرنسي في صفوف داعش قاموا بتهريب مستحقات الضمان الاجتماعي التي حصلوا عليها إلى سورية، وهو ما يعني أن خُمس المقاتلين الفرنسيين خلال هذه الفترة تلقوا هذه الأموال.

اقرأ 

 

هذه خطة الرئيس الفرنسي الجديد لمكافحة الإرهاب

السجن لفرنسية شجعت ابنها على القتال مع داعش

 

وتمنح فرنسا إعانات اجتماعية تناهز 640 دولارا شهريا عن البطالة والسكن، بالرغم من الأزمة التي تعاني منها مؤسسات الضمان الاجتماعي، إذ قدر عجزها المالي السنة الماضية بأزيد من 7.6 مليار يورو.

تصدير المقاتلين

واحتلت فرنسا المركز الخامس في ترتيب البلدان المصدرة للمقاتلين إلى تنظيم داعش، حيث انضم أزيد من 1910 فرنسي إلى التنظيم منذ 2011 إلى الآن، بينهم 460 طفلا، وفق آخر إحصائيات مركز صوفان للاستشارات الأمنية، ومقره مدينة نيويوك في الولايات المتحدة الأميركية.

​​

 

​وكشف التقرير أن 271 جهاديا فرنسا عادوا إلى بلادهم، فيما لا يزال حوالي 700 مقاتل في صفوف التنظيمات الإرهابية في سورية والعراق.

إضافة إلى ذلك، تضع السلطات الفرنسية قائمة بأزيد من 10 آلاف متشدد تحت المراقبة.

ومن الخدع التي عمد إليها الفرنسيون الذين توجهوا إلى داعش اللجوء إلى الاقتراض من البنوك بهويات ووثائق مزورة، حيث كشفت وسائل إعلام فرنسية أن نساء اقترضن قروضا للاستهلاك تتراوح قيمتها بين 2000 و5000 يورو قبل سفرهن إلى العراق أو سورية.

شبكة تمويل دولية

وكشف التحقيق أن عائلات المقاتلين كانت تحصل على مستحقات أبنائها من تعويضات الضمان الاجتماعي وترسلها إليهم في سورية عبر تركيا. "يكفي أن يتوفر أحد الأقرباء على بطاقة هوية المقاتل ليحصل على الإعانة الاجتماعية التي تمنحها الدولة الفرنسية ثم يتم إرسالها إليه"، يقول أحد المحققين في وحدة مكافحة الجريمة في فرنسا.

وأشار التحقيق إلى أن حوالي 20 بالمئة من المقاتلين حصلوا على الإعانات الاجتماعية، فيما تم تحويل ما يناهز نصف مليون يورو من فرنسا إلى مناطق النزاع في سورية والعراق بين عامي 2012 و2017، من أصل مليوني يورو (2.3 مليون دولار) حصل عليها داعش خلال الفترة نفسها انطلاقا من القارة الأوروبية.

وأظهرت نتائج التحقيقات وجود شبكة تمويل دولية لجمع الأموال لصالح داعش، حيث تم كشف 420 عملية تحويل غير قانونية قام بها وسطاء يقدر عددهم بـ190 فرنسيا، إضافة 210 أشخاص آخرين من تركيا ولبنان.

وقالت صحيفة لوفيغارو الفرنسية إن السلطات الأمنية في فرنسا تمكنت من قطع التمويل عن المقاتلين الفرنسيين في صفوف داعش، بعدما حددت الشرطة لوائح المقاتلين الذين غادروا البلاد ووجهتها إلى إدارة الضمان الاجتماعي.

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم0012022773659

 

  

 

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

 خاض العراق تجربتين فاشلتين لتأسيس شرطة الأخلاق: الأولى في العهد الملكي والثانية خلال حكم حزب البعث.
خاض العراق تجربتين فاشلتين لتأسيس شرطة الأخلاق: الأولى في العهد الملكي والثانية خلال حكم حزب البعث.

يشهد العراق، منذ سنتين، حملة على ما تسميه الحكومة العراقية "المحتوى الهابط"، كما أقرّ مجلس النواب تعديلات على قانون يحمل اسم "قانون مكافحة البغاء والشذوذ الجنسي". وهي التعديلات التي رأت فيها منظمات حقوقية عالمية "تهديداً لحقوق الإنسان والحريات الأساسية التي يحميها الدستور". 

أعادت هذه الخطوات إلى الأذهان ذكرى تجربتين عراقيتين سابقتين لتأسيس ما يسمى "شرطة الأخلاق". الأولى في العهد الملكي والثانية خلال حكم حزب البعث. فماذا نعرف عن هاتين التجربتين؟

 

شرطة الأخلاق.. التجربة الأولى

في عام 1935، خلال حكومة رشيد عالي الكيلاني، أظهر رئيس الحكومة اهتماماً كبيراً بفرض "الأخلاق العامة" في شوارع العراق، وأصدر قراراً بتشكيل ما عُرف حينها بـ"شرطة الأخلاق".

من ضمن الواجبات الرئيسية لهذه الشرطة "مراقبة دور الدعارة والقضاء على البغاء بكل أشكاله"، حسب ما ورد في كتاب "حركة رشيد عالي الكيلاني في العراق" لنسرين عويشات.

يحكي أمين المميز، في كتابه "بغداد كما عرفتها"، أن الهدف من تأسيس هذه الشرطة لم يتحقق بعدما "أساء أفراد هذا الجهاز الأمني سُلطاتهم وراحوا يبتزون أصحاب دور الدعارة والزبائن الذين يترددون عليها".

فشلت الحكومة في السيطرة على سلوكيات أفراد الشرطة وبات أصحاب "دور الدعارة" يدفعون لعناصرها أكثر مما يتقاضونه من الزبائن، ولما ارتفعت الشكاوى منها صدر القرار بإلغائها.

هذه التجربة تطرّق إليها عالم الاجتماع العراقي علي الوردي في كتابه "مهزلة العقل البشري" حين تحدّث عن تجربة جرت "في عهد بائد بالعراق" لأحد الوزراء بأن يُصلح أخلاق الناس فأسّس شرطة للأخلاق.

يعلّق الوردي على أسباب فشل هذه التجربة بأن صاحب هذا القرار نسي أن أفراد هذه الشرطة نشأوا أيضاً في هذا المجتمع الذي يعتريه الفساد ويجب إصلاحه. لذا فإنهم يحتاجون إلى الإصلاح كغيرهم وهو ما تسبّب في إساءة استعمال الطريقة التي طُلب منهم استخدامها لـ"إصلاح الأخلاق"، وهو ما أدى إلى زيادة المشكلات وليس حلها بحسب الوردي الذي يقول: "بات الناس يشكون من فساد الأخلاق ومن شرطة الأخلاق في آنٍ واحد".

اعتمد متصفحو مواقع التواصل الاجتماعي فيديوهات قديمة أو أخبارا كاذبة للترويج لوجهة نظرهم ولتشويه الجانب الآخر.
الحملة العراقية ضد "المحتوى الهابط": إشكاليات ومحاذير مستقبلية
في فبراير 2023، بدأت وزارة الداخلية العراقية حملتها ضد ما أطلقت عليه اسم "المحتوى الهابط" وأصدرت أوامر إلقاء قبض بحق عدد من مشاهير مواقع التواصل، الأمر الذي أثار حفيظة المختصين بالقانون وحقوق الإنسان لعدم وجود مواد قانونية تحكم القضايا، ولإمكانية استغلال المنصة من أجل تصفية حسابات شخصية.

 

حزب البعث: مكافحة "المتبرّجات"!

بعد نجاح البعث قي الوصول إلى الحُكم عقب ثورة 1968، عيّن رئيس الجمهورية أحمد حسن البكر صالح مهدي عمّاش وزيراً للداخلية.

يقول علي سعي،  في كتابه "عراق ضباط 1963 من حوار المفاهيم إلى حوار الدم"، إن عماش عُرف عنه النهج المحافظ والتشدد الديني حتى إنه لما تولّى إدارة وزارة الخارجية بشكلٍ مؤقت بسبب سفر وزيرها خارج البلاد أمر بإلغاء عمل جميع النساء في وزارته ونقلهن إلى وزارات أخرى!

بدعمٍ من محافظ بغداد حينها، خير الله طلفاح، خال صدام حسين ووالد زوجته ساجدة، أعاد عماش العمل بفكرة شرطة الأخلاق مع نهاية 1968، والتي كان همّها الأول هذه المرة هو مكافحة الأزياء المخالفة بين الشباب، وبطبيعة الحال وقع على النساء العبء الأكبر من هذه المكافحة باعتبار أن التصدّي لـ"المتبرجات" كان من أكبر أنشطة الجهاز الأمني الجديد.

تزامناً مع هذا القرار، نقلت الصحافة العراقية تحذيرات بأن الشرطة ستتخذ إجراءات لمحاربة "التحلل الخلقي"، مشددة على منع ارتداء "الميني جوب" عموماً باستثناء السائحات، وأن حدود اللبس النسائي المحتشم المسموح به يجب أن لا يقلّ عن عقدة واحدة أسفل الركبة. كما صدرت التعليمات بـ"إلقاء القبض على المتميعين من الشبان وقص شعورهم الطويلة"، بحسب الصحف.

الحملة الإيمانية.. كيف قاد صدام العراق إلى التطرف؟
اشتملت حملة صدام الإيمانية الجديدة في العراق على مزيجٍ معقد من دروس التربية الدينية، واشتراطات تحديد أشكال السلوك والملابس، ووضع قائمة عقوبات شديدة القسوة. وشملت الحملة حتى أسلحة الدولة الفتّاكة بعدما جرت تسمية صواريخ الدولة بمسميات دينية مثل "صاروخ الحسين" و"صاروخ العباس".

يحكي نجم والي في كتابه "بغداد- سيرة مدينة"، أن هذه القوة الأمنية كانت تطارد الطالبات والموظفات وغيرهن من النساء السافرات في بغداد وتعتدي عليهن بالضرب وتلطّخ ثيابهن بالأصباغ بحجة الدفاع عن القيم والعادات الأصيلة.

وفي كتابه "المخفي أعظم"، كشف الأديب الأردني هاشم غرايبة أنه إبان سفره إلى العراق في مطلع السبعينيات لاستكمال دراسته الجامعية في المختبرات الطبية، كان يمشي في أحد الأيام بأحد شوارع بغداد وهو يرتدي بنطلون "شارلستون" الذي كان موضة رائجة أيامها فهاجمه رجال شرطة الآداب ومزقوا  بنطاله.

هذه التصرفات أثارت ضيق الشاعر محمد مهدي الجواهري، فكتب قصيدة ينتقد فيها ما يجري قائلاً: "أترى العفاف مقاس أقمشة؟.. ظلمت إذاً عفافاً"، فردَّ عليه مهدي عماش، وزير الداخلية نفسه، بقصيدة أخرى طويلة جاء فيها: "شبابنا يتخنثون خنافساً.. هوجاً عجافاً\ إنا نريد مآثراً لا قصر أردية كفافاً\ نبغي من النسوان تربية البراعم والعفافا"، ودارت بين الاثنين مساجلة شعرية نشرتها الصحافة العراقية وقتها.

علي الوردي أيضاً كان له موقف مُعارض من إعادة إحياء هذه الفكرة مجدداً، وخلال محاضرة له في منتدى أمانة بغداد وجّه فيها انتقادات حادة لهذا الأمر، فقال: "نحن لسنا فئران تجارب لتدخلونا كل يوم في تجربة جديدة، فما معنى أن تستحدثوا مثلاً (شرطة أخلاق)، بالله عليكم هل لدى الشرطة أخلاق أصلاً؟!".

في النهاية وبعد تجاوزات كثيرة من قِبَل رجال الشرطة صدر الأمر بحل هذه القوة الأمنية لتلقى تلك التجربة مصير التجربة السابقة: الفشل.